المسؤولية بين الواجب واستغلال السلطة

Mohamed Filali21 أغسطس 2025آخر تحديث :
المسؤولية بين الواجب واستغلال السلطة

المسؤولية بين الواجب واستغلال السلطة

لحسن كوجلي في مجرد رأي : كثيراً ما يجد الإنسان نفسه في حيرة من أمره، حين يرى أن الضيق الذي يعيشه المواطنون ليس سببه الأقدار الطبيعية ولا الظروف القاسية، بل هو نتاج مباشر لقرارات المسؤولين. هؤلاء الذين يفترض أن يكونوا سنداً للرعية وحريصين على تيسير أمورهم، نراهم في حالات كثيرة يتحولون إلى خصومهم الأوائل، يتباهون بفرض القيود وتشديد الخناق على البسطاء، كما هو الحال حالياً مع ما يجري في قطاع الدراجات النارية، حيث قد تدفع الإجراءات القاسية بعض المستعملين إلى الجنون واليأس.

هذه المفارقة تجعلنا نتساءل: ما معنى أن تكون مسؤولاً؟ هل هو مجرد لقب ومكانة اجتماعية، أم أنه تكليف يفرض على صاحبه أخلاقيات وسلوكيات معينة؟

لقد عشتُ شخصياً تجربة مهنية تعكس هذا التناقض. فعندما توليت مهمة تسيير قسم إداري بإحدى المؤسسات، كان من ضمن مهامي إعداد رواتب فئة مجتمعية مهمة. وأثناء ذلك، صادفت حالة موظف لم يستفد من كامل حقوقه بسبب إهماله في استكمال بعض الوثائق الضرورية. كان معروفاً بين الإداريين بسلوكه السيئ وطباعه غير المحترمة، فاختاروا تجاهله وتركه يعاني. لكنني، انطلاقاً من إحساسي بالمسؤولية، فضلت أن أتعامل معه بأدب، فشرحت له ما يحتاجه، ومنحته رخصة للسفر من أجل استكمال الوثائق.

عاد بعد يومين، لكنه جحد جهدي وأنكر كل ما دار بيننا، بل تطاول عليّ بالسب والشتم. ورغم أن البعض نصحني بتركه وشأنه، تمسكت بواجبي، وأصررت على أن يعود ويأتي بالوثائق. وبعد شد وجذب، استجاب أخيراً، فاستطعت أن أصلح وضعيته المالية بما رفع راتبه. وبعد أسابيع، جاء معتذراً، يقبل رأسي طالباً السماح، فسامحته، مؤكداً له أن ما فعلته لم يكن لكونه يستحق، بل لأن الواجب يفرض عليّ أن أؤدي عملي بأمانة. وكانت مهمتي كلها على هذا النحو، كنت احب ان اجهد على نفسي من اجل خدمة الأخرين.

إن هذه التجربة تضعنا أمام خلاصة مهمة: المسؤولية ليست مجالاً للاستعلاء أو وسيلة للانتقام من الناس، بل هي التزام أخلاقي ومهني يتطلب الصبر، والعدل، والاستقلالية. المسؤول الناجح هو من يتحمل الضغوط ويواجه العقبات دون أن يتخلى عن جوهر مهمته، وهو خدمة الصالح العام.

وعليه، فإن أي مسؤول، مهما علت درجته، إذا لم يكن متخلقاً، متربياً، كفؤاً، ومستقلاً في قراراته بعيداً عن الإملاءات والضغوط الخارجية، فلن يكون إلا عبئاً على المجتمع، يزيد أزماته بدلاً من أن يخففها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!