حينما فرض التوقيت الميسر على طلبة الدكتوراه!!!

Mohamed Filali5 ديسمبر 2025آخر تحديث :
حينما فرض التوقيت الميسر على طلبة الدكتوراه!!!

مذكرات طالب شيخ مع التعليم الجامعي

حينما فرض التوقيت الميسر على طلبة الدكتوراه!!!

 

بقلم: سعيد عطا

 

مر صيف 2025 علي مرور معذب زج به في غياهب المجهول، تثاقلت ساعاته ودقائقه وثوانيه لدرجة أنني كنت أحسب أن الزمن قد توقف في لحظات كثيرة، كان الانتظار بمثابة جحيم يضغط على صدري ويحرك أفكارا شيطانية في مخيلتي، هل فعلا كنت موجودا في متاهات الزمن أم الحقب التاريخية تداخلت فيما بينها لتصنع لي رداء من اليأس تحولت إلى سوط يجلد كل آمالي.

فبعدما اجتزت مرحلة التعليم الجامعي الأساسي ونلت شهادة الإجازة بامتياز، وبعدما تخطيت معاناة الماستر وحصلت على شهادته بامتياز أيضا، شحذت همتي وقد فتحت أبواب الدكتوراه أمامي على مصراعيها، لكن هذا الصيف الملعون أتاني وأنا أتصفح شاشة حاسوبي بفقعات إخبارية تعلن على بداية قتل مجانية التعليم الجامعي، بدأ اليأس يدب في كياني شيئا فشيئا لكنني كنت أعزي نفسي بأن هذا القرار الوزاري لا يستند على قاعدة قانونية، وهذا ما كانت تروجه معظم المنابر الإعلامية الجادة، إذ اعتبر الخبر وقتها عبارة عن إشاعات لا أساس لها من الصحة، فالشهر الذي بدأ فيه هذا الخبر المشؤوم كان شهر عطلة أي شهر غشت، وهذا يزكي طرح الإشاعة لأن الإدارات التي يمكن أن يصدر عنها القرار كانت في إجازة آنذاك.

وبعد طول انتظار صدر من إدارة جامعة ابن طفيل قرار يوحي على أن كل ما راج مجرد إشاعات فعلا، هذا القرار الذي يعلن عن بداية التسجيل القبلي بالنسبة للطلبة الراغبين في خوض مسار الدكتوراه، وكانت المنصة الرسمية للجامعة حاضنة له تفتح مجالها البصري لجميع الطلبة الذين استوفوا الشروط اللازمة للإتحاف بسلك الدكتوراه، خضت في العملية وتم قبولي بنجاح بعدما اجتزت كل الخطوات وأدرجت جميع الوثائق اللازمة واخترت الموضوعين المقترحين من طرف الأساتذة، وبعد برهة من الزمن قضيتها في التصفح اليومي لما سيرد من أخبار على موقع الجامعة، جاء اليوم الموعود وتمت تهنأتي بلغة موليير بعدما تم قبولي لأجتاز المقابلة الشفوية، التي خضتها بكل عزيمة وإصرار سيما وأن الموضوع يهمني بالدرجة الأولى، وكأنه فصل على مقاس مشروعي الجامعي الذي بدأته في الإجازة، وسرت على دربه في الماستر واليوم تتاح لي الفرصة للتعمق في حيثياته ضمن سلك الدكتوراه، إضافة إلى أن الأستاذ الفاضل الذي أشرف على بحثي في سلك الماستر هو من اقتراح هذا الموضوع، أي أن تتمته ستكون عن طريقة استمرارية إيجابية لا من حيث الموضوع ولا من حيث الإشراف.

دخلت مرحلة انتظار جديدة سيطر فيها الخوف من المجهول على أحاسيسي، وبدأت أخوض في طرح أسئلة، كان سيدها الشك المنهجي الذي تعلمته خلال مسار دراستي الجامعية، كانت فترة عصيبة كنت أجتازها بالقراءة والكتابة وجمع المراجع التي يمكن الاعتماد عليها في بحثي، لدرجة أنني كنت أقضي ساعات طوال دون أن أشعر بمرور الوقت على حاسوبي، أبحث وأسائل الذكاء الاصطناعي علني أجد جوابا شافيا لحيرتي التي سُجِنْتُ في أسوارها طيلة شهري غشت وشتنبر.

تم قبولي والحمد لله في سلك الدكتوراه ونودي علي وزميلاتي وزملائي لإيداع ملفاتنا وتمت العملية بسلاسة تامة، في هاته الفترة كانت تروج إشاعات الدكتوراه المؤدى عنها، ولكن لم يشعرنا أي مسؤول عن صحة أو عدم صحة هذه الأخبار وبعبارة أوضح لم يفرض علينا الآداء إلى حد كتابة هذه السطور، مع العلم أنني خرجت إلى ميدان النضال مع ثلة من الزميلات والزملاء بعدما تواترت أخبار عن هذا الآداء، وبعدما خرج السيد وزير التعليم العالي يؤكد بأن الوزارة ستخلق للطلبة الموظفين والمأجورين وممتهني المهن الحرة ما يسمى بالتوقيت الميسر، لأن عبقرية السيد الوزير ومعاونيه تفتقت لترى أن التوقيت الميسر هو صيغة ستساعد الموظفين الذين تتزامن أوقات عملهم مع أوقات الدراسة، وهي حقيقة يراد بها باطل، لأن الموظف في الحقية لا يمكنه الخروج من عمله في السادسة والنصف والالتحاق بالتكوين في السادسة، كما أن هناك موظفين تبعد مقرات عملهم عن مدينة القنيطرة بعشرات الكيلومترات إن لم أقل بمئات، وهؤلاء سيلتحقون بمدينة القنيطرة في أوقات مبكرة ومنهم من سيقضي ليلته في مدينة القنيطرة أي أن التوقيت العادي هو الأليق لهم.

ألا تعلم سيدي الوزير أن جامعة ابن طفيل تستقطب طالبات وطلاب موظفين من مدينة الناظور وطنجة والعرائش ومكناس وفاس ومدن أخرى، فالدكتوراه هي مباراة تفتح في وجه جميع الطلبة في المغرب ويُقْبَلُ بها إلا من له الاستحقاق، أما عمليتكم فهي عملية انتقاء مضره بهذا الاستقطاب، فالجامعة أساسا خلقت ليدرس فيها جميع الطلبة من جميع أنحاء المغرب دون ميز أو قيد، بل يلجها طلبة أجانب من دول شقيقة وصديقة في العالم، فعملية التوقيت الميسر أدن فاشلة من بدايتها لأنها تتناقض مع مبدأ المساوات وتجعل من الجامعة مجالا ضيقا يشمل جغرافيا الأقاليم والجهات الضيقة، ولا يفتحها في وجه الطلبة المغاربة جميعا، ولعلمكم سيدي الوزير أن الجامعة ومن خلال اسمها تعني أنها مجال يجمع ولا يفرق وليس فيه انتقاء للطلبة، بل هو مجال يستقطب كل أبناء الوطن، ومن مختلف الشرائح دون تمييز بين موظف أو طالب، لأن البحث العلمي له خصائصه التي تميزه وقد نجد في مدينة وجدة طالبا له اهتمام بمادة بحثية اقترحها أستاذ في مدينة الدار البيضاء أو القنيطرة ويمكن لهذا الطالب أن يبرع في التعامل مع الموضوع، أكثر من جميع الطلبة في المدن الأخرى، فلماذا نحرم البحث العلمي من هذا الطالب؟؟

قال السيد الوزير المحترم في كلمة أخرى أمام نواب الأمة أن التوقيت الميسر اختياري، فمن رغب فيه هو من سيؤدي، أما الآخرون فسيسجلون في التوقيت العادي، وهذا ما لم يطبق على أرض الواقع فهل ما يطبخ في الكواليس بعيد عما يصرح به السيد الوزير؟ فإذا كان التوقيت الميسر ضمن حزمة التكوين الأساسي فمجانيته ستكون إلزامية، أما إذا أدرجتموه ضمن التكوين المستمر فهذا موضوع آخر، لأن الطلبة الموظفين والمأجورين وممتهني المهنة الحرة لم يطابونكم بذلك بل ستكون العملية مفروضة ستضر لا محالة باختيارات هؤلاء الطلبة، وقد يكون الهجران الجماعي هو الاختيار الأنسب لهؤلاء الطلبة مما سيضر بالبحث العملي في الجامعة المغربية ضررا كبيرا.

تقولون سيدي الوزير أن التوقيت الميسر خلقتموه لأنكم فكرتم في الطلبة الموظفين الذين يتزامن توقيت عملهم مع توقيت الدراسة العادية في الجامعة، فكيف تفرضون إذن هذا التوقيت على المتقاعدين الذين لهم وقت فارغ أكثر حتى من بعض الطلبة غير الموظفين؟؟ فهل عالجتم الموضوع من بمقاربة مادية أم بمقاربة بيداغوجية؟؟ فالأحق حسب كلامكم سيدي الوزير هو أن المتقاعد لا يمكن إدراجه ضمن من سيتفيدون من التوقيت الميسر.

لن أدخل هنا في مجال القانون لأنكم تعرفونه أكثر مني، ولكن أقول لكم لقد تسرعتم في فرض هذه الرسوم الذي لا تستند على قاعدة قانونية بل تفتقر لأبسط المبررات، فأي قانون كيفما كان نوعه لا يحتاج إلى مبررات عاطفية، بل يحتاج إلى قاعدة قانونية متينة يمكن الارتكاز عليها، وما وقع في جامعة عبد الملك السعدي بوجدة (الحكم القضائي الذي أسقط عملية تأدية الرسوم بالنسبة للطلبة الموظفين) سيقع في جميع الجامعات بالمغرب، وستكون فترة الانتظار التي عاشها الطلبة هدرا للوقت وزحزحة لسمعة الجامعة المغربية، فأنت أدرى سيدي الوزير أن سمعة الجامعة المغربية هي من سمعتكم، والإضرار بها إضرار بسمعتكم أنتم أيضا، وهذا ما لا نقبله لجامعتنا وللمسؤول الحكومي عنها، لأنه يمثلنا جميعا وفق مقتضيات الدستور والقانون المغربي، ففي رأيي أن التراجع عن القرار بات ضرورة ملحة، يكفيه نوع من الشجاعة الأدبية للإعلان عن هذا التراجع، ولكم ألف مبرر إن كانت النية حسنة.

أخبركم سيدي الوزير أنني سأدافع عن حقي في التعليم الجامعي المجاني، لأن مبدئي وقفد خدمت وطني لأزيد من 36 سنة أدرس الأطفال في القرى والمداشر المغربية، هو أن يستفيد أبناء وطني وعلى قدم المساواة من التعليم المجاني، فلا تجعلوا سيدي الوزير من تعليمنا الجامعي تعليما مؤدى عنه، ولا تلقوا به في براتين الخوصصة، فأنا أعلم أنكم من أسرة التعليم العالي لكم غيرة عليه، وأنا متيقن أنكم ستحتكمون إلى وطنيتكم في هذا المجال كي تبقى الجامعة منبرا حرا تنشئ العقول في بلدي الحبيب.

حملت همي لكم سيدي الوزير وأنا طالب شيخ عشقت الجامعة المغربية وارتدتها بعد تقاعدي، حيث أصبحت علاقتي معها علاقة روحية حميمية، فلا تحرموني من هذه المتعة الروحية، النابعة أساسا من علاقات إنسانية رفيعة جمعتني بأساتذتي الأفاضل، وما راج في مادتي هاته ليس إلا تعبير عن شعور عشته مع باقي الطلبة الموظفين والمأجورين وممتهني المهن الحرة الذين فرض عليهم التوقيت الميسر.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!