أزمور: مدينة التلاقح الثقافي و الديني، ضريح ربي أبراهام نموذجا

Mohammed El Filali8 أغسطس 2023آخر تحديث :
أزمور: مدينة التلاقح الثقافي و الديني، ضريح ربي أبراهام نموذجا

أخبار الفجر المغربية / يوسف يحياوي/ أزمور

يشكل فضاء مدينة أزمور أحد أقدم و أكبر حلقات التلاقح الثقافي و الديني، و كذلك الإثني، و المتمثل في البصمات القرطاجية و الأمازيغية و البرتغالية ثم اليهودية و طبعا الإسلامية، بصمات تنعكس على الموروث العمراني و الحرفي الإبداعي، إضافة للمطبخ… و هي تمظهرات لا تزال موشومة لدى الأسر الأزمورية خصوصا العريقة منها…

و يعتبر اليهود من أهم الجاليات التي هاجرت إلى المغرب بصفة عامة ، و أزمور خاصة ، و ذلك في مراحل تاريخية مختلفة تعود لما قبل الميلاد (حوالي 560 ق.م.) السنة التي دُمّرت فيها مملكة يهودا ، لتتوالى هجرات اليهود للحواضر الإفريقية الشمالية الساحلية منها بالخصوص، و ذلك بين سنوات 1450 إلى 1490 إبّان سقوط الأندلس، و محاكم التفتيش الإسبانية البرتغالية المسيحية في حق مسلمي و يهود الأندلس…

و بالعودة لمدينة أزمور، فقد تكتلت الأسر اليهودية الأندلسية داخل حي الملاح الذي بنوا الجزء الأكبر منه، ليلتحقوا باليهود الأمازيغ اللذين عمروا في المدينة لقرون طويلة، حي محاط بباقي الأحياء “المسلمة” خلف الأسوار الشاهقة المتاخمة لنهر أم الربيع، أو مصبه بالأحرى، بينما استقرت عائلات أخرى خارج تلك الأسوار، و قد زاولوا مختلف الحرف و الأنشطة التجارية حسب انتمائهم الطبقي، فكان منهم صاغة الذهب و الفضة، اللذين يُطلق عليهم إسم “الدكّاكة” ، بينما اهتم آخرون بتجارة الأثواب إذ احتكرت فئة منهم استيراد “المليفة” الفاسية و القشتالية القادمة من إسبانية، و كان بعض آخر يعمل في الجلد و الحرير… بينما كان يهود آخرون يعملون في الزيتون و زيته، حيث كانت “دار الزيتون” أحد أكبر مستودعات هذه المادة في دكالة و الشاوية، كما كان نذر قليل من هذه الطائفة يعمل في مجال الخمور، بتحويل العنب لنبيذ أحمر التين ل “ماء الحياة”…

و تؤكد الروايات التي استقيناها من قدماء المدينة أن “بينحاس أبوطبول” كان اليهودي الوحيد الذي اشتغل في الوظيفة العمومية ، و كان ذلك مباشرة بعد الاستقلال قبل أن يهاجر لكندا في بداية سبعينيات القرن الماضي…

و يعتبر اليهود من الطوائف الأكثر تشبثا بعقيدتهم الدينية، وممارسة طقوسها بنوع من التفاتي والاجتهاد، وقد واظبت الأسر اليهودية بآزمور على إحياء مراسيمها الدينية، ولم يتخلف المسلمون عن مشاركتهم في الاحتفالات، إذ يؤمون معاً نفس الأضرحة والمزارات الشهيرة بالمدينة، ويعتبر ضريج الربي أبراهام مول نيس أشهر الأضرحة بالمنطقة ويحج إليه اليهود من كل بقاع العالم، وإن كانت الأخبار شحيحة بل منعدمة حول تاريخ هذا الحاخام، ما عدا بعض الروايات المرتبطة باسمه العبراني الذي يعني أبراهام صاحب الكرامات أو المعجزات، و يعد ضريحه بمثابة “بيعة” للصلوات و الطقوس الدينية، بينما يكون مناسبة لطقوس سنوية استثنائية بمناسبة “يوم كيبور” و هو عيد ديني يهودي يعرف أيضا بإسم “هيلولة”، حيث تكون الساحة الأمامية للضريح منصبا للخيام و مكانا لتلاوة الأناشيد و الأغاني الشعبية و كذلك المزايدة حول شموع المزار و قناني ماء الحياء المعتق من التين الجاف…

و يجدر بالذكر أن اليهود يتقاطعون مع المسلمين المغاربة في العديد من العادات و التقاليد، خصوصا في مدينة أزمور، فقد دأب اليهودي على التميز من خلال الحفاظ على مميزات هويته الدينية الثقافية الإثنية ، كارتداء القلنسوة (الشاشية) و ظفيرة الشعر المقدسة التي أضحت موضة لدى المسلمين في فترات متفاوتة ، كما يتقاطع يهود و مسلمو المغرب و أزمور في أدبيات الخطوبة؛ والزواج؛ والختان؛ ووسائل الزينة: السواك؛ الحناء؛ العكر الفاسي (…)، ويتقاطعان قي المطبخ : الثريد؛ السخينة؛ الهركَمة أو الكرعين، ويستعملان نفس التوابل، والملح مادة مقدسة عند كل من اليهودي والمسلم. 5 ـ عود على بدء: ما ذكرناه غيض من فيض، يجسد حلقة مركزية من التاريخ المغربي، عامة، وتاريخ مدينة آزمور بصفة خاصة، تاريخ يؤشر على مرحلة التسامح والتعايش الاجتماعي والديني، وإن كنا لا ننفي بعض التحرش والتعصب في حق اليهود، إلا أن الحياة التي انتعشت بين ظلال البساطة والمحبة جعلت الألفة والاستمرارية أمرا ممكنا قبل أن تعصف به موجة التغرير والتهجير قي الستينات والسبعينات من القرن الماضي. ملحوظة: أبو طبول حنينا آخر يهودية بآزمور رفضت الهجرة إلى كندا، وتوفيت سنة 1985.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!