احتفالا بشهر التراث: محافظة بناصا وتاموسيدا الأثريين والمجلس القروي سيدي الكامل، ينظمان يوما دراسيا وحفل تكريم للأستاذ رشيد أغربي

Mohammed El Filali12 يونيو 2023آخر تحديث :
احتفالا بشهر التراث: محافظة بناصا وتاموسيدا الأثريين والمجلس القروي سيدي الكامل، ينظمان يوما دراسيا وحفل تكريم للأستاذ رشيد أغربي

تغطية: سعيد عطا، عدسة: المهدي القشيني

لبينا الدعوة من كل صوب وحملنا معنا حبنا وتقديرنا لشخصك الكريم، صنارة ابتسامتك أيها الصياد البارع اصطادتنا، وقصبة طيبوبتك اللينة أسرتنا، وشبكة أخلاقك العالية أسقطتنا في عشقك حتى الثمالة، ومنسوب إنسانيك الزائد جرفنا نحوك، لك جاذبية تجعل منك محورا يستقطب محيطك بشكل قوي لا نستطيع معه المقاومة، فأنت الحاتمي في عطائك، نار كرمك بلغت شأوا عاليا من العلو وأصبحت مرشد الطريق لكل من جاورك، أنت البحر الزاخر بالعلم توزعه على طلبتك بسخاء قل نظيره، أنت من أخلصت ووفيت في عملك لدرجة أن الجماد أصبح ينطق بلغتك، فلا المقدمات الغزلية ولا الطللية ولا الخمرية أصبحت قادرة على أن تفتتح قصائد الشعر العربية التي سَتُنْظَمُ، ولا نازك ولا نزار ولا درويش أضحوا أسيادا للشعر الحر الذي سيكتب، لبينا الدعوة سيدي من كل صوب وقد أسرنا الخوف من أن لا نكون في قدر مقامها، فالمكان مزار للعلماء من أجل التمسح بعتبات أطلاله التي عمرت آلاف السنين، تفوح منه رائحة التاريخ العبقة التي صنعها أجدادنا وتركوا لنا البصمة الواضحة عن عظمتهم، كانت بالأمس حجارة غمرتها عاتيات الزمن، واليوم أصبحت بفضلكم أستاذي حجارة مقدسة يحج إليها العلماء من كل بقاع العالم من أجل التبرك بما ستجود به علينا من معلومات ومستجدات، لقد جعلتم لها المكان مزارا وجعلتم من المزار يقارع معابد آلهة الميثولوجيا اليونانية والرومانية، وحملتم هذا المزار في قلبكم وعقلكم وبسطتموه لطلبتكم كزرابي مسربلة بحكمتكم وعلمكم الغزير الفياض، قدمتموه عطرا فياحا في أمفورات عددتم مسمياتها، وعصرتم وعجنتم وخبزتم مادتها في معاصر الزيوت والنبيذ والأفران والمخابز الرومانية، وقدمتموها للجميع طلبة وأساتذة باحثين منتوجا علميا سهل الهضم، فلا زيوس بكبره ولا بوسايدون برمحه الثلاثي قادرين على مجاراة حكمتك، التي تفوقت بها على حكمة برومتيوس وقوة أخيه أبميتيوس.

كانت المناسبة يوما دراسيا حول التراث الأثري بمنطقة الغرب المؤهلات والسبل، نظمته محافظة الموقعين الأثريين بناصا وتاموسيدا بتعاون مع جماعة سيدي الكامل احتفالا بشهر التراث، هذا اليوم الذي عرف مداخلات علمية وزيارة علمية ميدانية لمآثر الموقع وورشة للأطفال، وتميز بالفعالية التي طبعته بالمسحة الإنسانية العالية، حيث ركز الحاضرون على أن يحولوا الفعالية إلى حفل تكريم الأستاذ الفاضل رشيد أغربي بصفته محافظا سابقا للموقعين الأثريين بناصا وتاموسيدا، لم تكن المناسبة تكريس لثقافة الاعتراف بالجميل كما تعودنا عليها في عدد من المناسبات والتي أصبحت روتينية ومملة، لكن هذا الاعتراف بالجميل كان في حد ذاته حدثا حرك العواطف ومشاعر الإنسانية النبيلة، حيث شعرنا وأحسسنا بذلك المنسوب الإنساني العالي والذي سالت على إثره دموع وقيلت بمناسبته كلمات غلبت عليها حشرجة أبانت عن العجز الذي كبل الألسن عن التعبير الكلامي لكن العفوية كانت سيدة الموقف، فقيل الشعر وقيل النثر القريب للشعر وقيل الكلام المباح في ألف نهار ونهار وفي كل طلوع شمس، قيل الكلام الذي حمل ذكريات عشرات السنين، ولمسته الإنسانية بأصابعها السحرية لتحوله إلى لوحات فنية يعجز الإنسان العادي أن يصفها، كان الحفل فعلا حفل تكريم الإنسان في شخص عريس اليوم الأستاذ رشيد أغربي، لم أقل لكم أنني عجزت عن اصطياد الكلمات الصائبة أما صياد بارع للمشاعر الإنسانية، فلا أنا قدرت على أن أستنطق قاموس العربية ليفصح لي بأدق المصطلحات كي أزين بها ديباجة كلامي، ولا مشاعري قدرت على أن تنضبط من أجل كتابة مقالة صحفية قصيرة في حق أستاذي الفاضل أغربي، نعم أقول أستاذي فأنا طالب أمام عتبة علميه وقد تجاوزت العقد السادس من عمري، لم تكن تجربتي في الحياة لتفيدني في شيء أمام هذا الإنسان الذي علمني من علمه الكثير ومن أخلاقه الأكثر.

لنعد إلى خرافنا على رأي أستاذنا الفاضل حسن ليمان، ولنحاول قول شيء عن برنامج اليوم الدراسي الذي عرف إلقاء خمسة عروض علمية قيمة، العرض الأول الموسوم: “تقييم الاستيطان البشري بمنطقة الغرب خلال فترات ما قبل التاريخ” وألقاه الأستاذ الفاضل عبد الرحيم محب، والعرض الثاني بعنوان: “الضيعات الفلاحية الكولونيالية بمنطقة الغرب، إرث تاريخي لمشاريع تنموية” من إلقاء الأستاذ الفاضل سعيد البوزيدي، وعرض ثالث تحت عنوان ” مشروع الخريطة الأثرية المغربية: منطقة الغرب مثالا” أعده وقدمه الأستاذ حسن ليمان الذي دخل في متاهات الأعطال التقنية، والتي على إثرها أعطى درسا قيما للطلبة الحاضرين وبين لهم كيفية التعامل مع الأزمات في أصعب الأوقات، حيث يحتاج المرء إلى ضبط النفس وتدبير وقت الأزمة بحكمة تجعل من المشكل قوة تنضاف له وليس ضعفا يقضي على طموحاته، بعد ذلك ألقي العرض الرابع الذي قدمه الأستاذ رشيد أغربي والذي حمل عنوان: “مشروع رد الاعتبار لموقع بناصا الأثري وآفاق التنمية السياحية”، وجاء العرض الأخير والذي كان عبارة عن تجربة ناجحة لصاحبها الأستاذ عبد السلام الزيزوني، الذي اختار لها عنوان: “مناهج وتقنيات ترميم الآثار بمواد طبيعية”.

اليوم الدراسي أيضا تخلله حفل شاي وغذاء، إضافة إلى حفل استفاد منه أطفال المدارس المجاورة وورشة بيداغوجية طالتهم أيضا، وإذا كنا نردد شعار افتاح المؤسسات على محيطها كلما أتيحت لنا الفرصة لذلك، فإن الفعالية التي نظمت في موقع بناصا يوم السبت 10 يونيو 2023، شخصت هذا الشعار على أرضية الواقع، حيث التقى سكان المنطقة بمختلف أعمارهم أطفال وشباب وشيوخ في هذا اليوم واستفادوا من فعالياته، كم وجدنا بعض الموظفين وأباءهم وأعضاء المجلس القروي الذي ساهموا في إنجاح الحفل، وهذا في حد ذاته يمكن اعتباره مكسبا للمنطقة وللثقافة، فمشاركة المنتخبين في مثل هاته التظاهرات يعني بداية الوعي بأهمية التراث الثقافي والعمراني في المساهمة في التنمية المحلية، فوعي هؤلاء المنتخبين هو بمثابة بداية جيدة في تعميم مشاريع ثقافية مساعدة على در دخل سياحي هام للمنطقة، لا ننسى أن إدارة الموقع أيضا استطاعت أن تحتضن مجموعة من الأساتذة الجامعيين المتخصصين في علم الآثار والتاريخ القديم، والذين قدموا من القنيطرة والرباط ومدن أخرى وهذا يعد نجاحا كبيرا إذ كان إنزال هؤلاء الأستاذة إلى موقع بناصا الذي يتواجد بمنطقة قروية بإقليم سيدي قاسم، بمثابة إنزال للثقافة العالية الممثلة في هؤلاء الأستاذة الأفاضل إلى هذه المنطقة القروية، وهذا ما أراه إيجابيا لأن الثقافة في حد ذاتها ملك للجميع وقد تكون المبادرة من الأشياء التي ستحرك السواكن وتجعل الجامعات تخرج من أسوارها وتذهب بأساتذتها إلى كل منطقة من مناطق بلدنا الحبيب.

أعود مرة أخرى إلى الحفل الذي اعتبرته حجر الزاوية بالنسبة للفعالية ككل، وأعني هنا حفل تكريم الأستاذ الفاضل رشيد أغربي الذي شد الحاضرين بكلمات قالها مجموعة من الأساتذة الأجلاء في حق الأستاذ المكرم، كانت كلمات اساتذته كلها تثني على أخلاقه وعلى مسيرته العلمية المميزة، أما أصدقاءه ورفقاؤه ففصلوا في مناقب الأستاذ رشيد تفصيلا لدرجة أنهم كانوا يعجزون في بعض الأحيان عن التعبير عن كل ما يجيش في خاطرهم من مشاعر اتجاه هذا الشخص الإنسان والعالم والذي اجتمعت فيه كل الميزات الإنسانية النبيلة، أما طلبته فنظموا فيه شعرا وقالوا فيه نثرا بلغ درجة النظم، كما قيلت في حق المحتفى بها كلمات أخرى من السيد رئيس الجماعة القروية ورفقاء آخرون لدرجة أن الكل كان مستعدا لقول كلمة في حق الأستاذ الفاضل أغربي، ولولا صرامة الأستاذ عبد الرحيم محب الذي سير جلسة التدخلات لاستمر الأمر وقتا قد يطول إلى صبيحة يوم غد، وما أقوله أنا شخصيا في حق أستاذي العزيز الفاضل، المعدن النفيس الخام الذي جاءنا من جبال الأطلس المتوسط الحبيبة، شلالا متدفقا من المياه العذبة يروي عطش من الاتقى به أو صادفه، نسيما عليلا يهب في صباح ربيعي يشفي العليل، رياح بنسمات أشجار الأرز تهلل وتنسج حولنا وشاحا من خرير مياه رأس الماء وعين خرزوزة، هو اهتزاز للأثير واختلاج للعبير في دموع الصباح، مع الندى وقد عانق ورود الأطلس أعانق أستاذي وأقبل رأسه وأنحني إجلال وإكبارا له ولمقامه العلمي، وأتمنى له الصحة والعافية وطول العمر كما أتمنى لأسرته الكبيرة والصغير موفور الصحة والعافية، هذا تكريمي وتكريم زميلاتي وزملائي الطلبة في سلك ماستر تاريخ المغارب والعالم المتوسطي وجميع طلبتك الآخرين لك أستاذي، فلتتقبله منا جميعا وكل عام وأنت بألف تكريم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!