البؤس السياسي في المغرب يخنق المسار الديمقراطي تكرار لنفس السيناريوهات الانتخابية، وتكريس لنفس السياسات بنفس الوجوه.

Mohammed El Filali30 أبريل 2021آخر تحديث :
البؤس السياسي في المغرب يخنق المسار الديمقراطي تكرار لنفس السيناريوهات الانتخابية، وتكريس لنفس السياسات بنفس الوجوه.

 

سعيد عطا / القنيطرة

في تدوينة لأستاذي الفاضل حميد اجميلي على حائطه بالفيسبوك وضع أصبعه على الجرح الذي لا يندمل نهائيا في بلدي المغرب، هذه التدوينة التي جاءت على النحو التالي: “ترد توصيفات من قبيل بؤس الفلسفة بؤس التاريخ بؤس السياسة لكن أخطر بؤس هو السياسي حينما يتلقى المجتمع وابلا من الممارسات السياسية الشاذة حد الاختناق وتمر تجارب فاشلة أو ناجحة لا يهم ويحدد لها أفقها وخطوطها الحمراء. أحزاب تختفي وتظهر لحظة الاستحقاقات الانتخابية. بعض الأطر تمتلك الغيرة لا نشك في ذلك لكن هل تمتلك الحرية؟ لن ينجح المسار السياسي سوى بالحرية ورسم خريطة التنمية المتوافق حولها من طرف الدولة والمجتمع وتنزيلها من طرف الهيئات المنتخبة في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة. المشهد لا يحتمل تكرار نفس الممارسات”. ما لفت انتباهي في هذه التدوينة التي نبعت من إنسان مغربي مثقف يحمل هم الوطن، هو سؤاله المنطقي عن بعض الأطر التي تمتلك الغيرة فهل تمتلك الحرية؟؟ وهذا سؤال خطير وعميق يحيلنا على الوضع العام للبلد الذي من المفروض أن تحكمه قوانين، مؤطرة للفعل السياسي في المغرب، هذه القوانين التي يمكن أن نقول عنها أنها تضاهي قوانين أعتى الدول الديمقراطية في العالم، فدستورنا (دستور 2011) الذي نفتخر به والذي لاقى قبول 98,49 ٪ من الناخبين، وعلى الرغم من حركات الاحتجاج، التي دعت لمقاطعة الاستفتاء، بلغت نسبة الإقبال 72,65٪.

فبعد ست سنوات من المتاهة السياسية، وبعد أن اتخذت حكومتنا الموقرة كل القرارات المجحفة والظالمة في حق شعبها المسحوق أصلا، وبعد مسار سياسوي لتركيبة حكومية هجينة، جمعت اليسار واليمين والإسلاميين والرحل السياسيين، بدأ السباق الانتخابي من جديد بنفس الآليات القديمة، ومع نفس الوجوه التي احتكرت المشهد السياسي، وبدون مقدمات اعتلت المنابزات والملاسنات ما بين الأحزاب السياسية المغربية سطح الفعل السياسي بالمغرب، كل حزب يريد أن يقول بأنه ليس مسؤولا عن تردي أوضاع البلاد والعباد، فالأحزاب المكونة للأغلبية الحكومية بدأت تتنصل من مسؤولياتها عن الأخطاء الجسيمة التي ارتكبت في حق الوطن والمواطنين، فمن ديون فاقت كل التوقعات، ومن قرارات ارتجالية أصابت المواطن المغربي في مقتل، كحرمانه من الوظيفة العمومية، وتقزيم حظه من حق التقاعد، والزيادة في سن القانونية لهذا الأخير، بدون مراعاة لمأساته أصلا مع هذه الوظيفة التي تفرض عليه في بعض الأحيان أن يتحمل مصاريف إضافية، وحرمانه من تطبيب يليق به كمواطن أدى خدمات كبرى لبلده على مر عقود من الزمن، وحرمانه أيضا من سكن لائق إلا إذا تحمل عبء قروضه التي لا تنتهي، ولقد زاد في تأزيم وضعية المواطن المغربي، ما صدر عن حكومته الموقرة من قرارات جائرة مست القوت اليومي لأسر كثيرة، بحجة تدبير أزمة الوضع الصحي للمغاربة في زمن جائحة كوفيد 19،

فعلى سبيل المثال لا الحصر، وحسب الأرقام المتداولة، بلغ عدد المقاهي في المغرب 250 ألف مقهى، ولو قمنا بعملية حسابية بسيطة، فإن معدل من يشتغلون بالمقاهي هو ستة أشخاص على أقل تقدير، أي أن العدد الإجمالي للأسر المتضررة سيبلغ مليون ونصف أسرة، إذا ما قدرنا أن متوسط عدد الأسر في المغرب يبلغ أربعة أفراد، مع العلم أن هذا التقدير بعيد عن الواقع، لأن الغالبية العظمى من العاملين بالمقاهي ينتمون لأسر فقيرة، وهي الأسر نفسها التي يكون عدد أفرادها كبيرا قياسا بالأسر الميسورة والتي تتوفر على دخل قار، وحسب أرقام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فإن عدد المقاهي المنخرطة بالمؤسسة بلغ في عام 2020 إلى 9566 مقهى، بينما عدد أجراء المقاهي المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في نفس سنة بلغ 35556 أجيرا، أي ما يقارب نسبة 4.3% من مجموع الأجراء بالمقاهي. تَحَدَّثْتُ فقط عن عمال المقاهي ولم أتحدث عن عمال المطاعم، وممولي الحفلات، وعمال الفنادق، والمشتغلون بقطاع السياحة، وبائعي الدجاج والأجبان والخضر واللحوم والأسماك والقهوة والشاي والفواكه والمشروبات الغازية والذين يمولون هذا الكم الهائل من المطاعم والمقاهي حيث اختلت حلقات تلك السلسلة التجارية والاقتصادية التي كانت تعتمد على تزويد قار لهذه المطاعم والمقاهي،

وحتى الأنشطة الأخرى تضررت ولو بصورة جزئية فشهر رمضان في المغرب هو شهر يعتمد بالأساس على النشاط الاقتصادي والتجاري الليلي، وعلى ضوء ما سبق قد يصل بنا الإحصاء؛ إن نحن دققنا في ذلك، إلى أن عدد المتضررين من المغاربة هو أكثر من نصف سكان المغرب بفعل هذه القرارات الجائرة. فمتى كانت صحة المغاربة تعنيكم؟ هل بنيتم لهم مستشفيات لائقة؟ هل زودتم هذه المستشفيات بما يليق من أجهزة وأطر كافية؟ هل جعلتم الاستشفاء والتطبيب في مؤسساتكم في متناول جميع المغاربة؟ هل فتحتم قنوات تربط بين مستشفياتكم ومستوصفاتكم والمناطق التي تعيش العزلة التامة؟ ألا تعرفون أن مواطنيكم لا زالوا يعتمدون على “فليو والشيح والتومة والمخينزة وحبة الرشاد والحبة السوداء” من أجل التداوي من العلات التي تصيبهم؟ ألا تعرفون أن مواطنيكم لا زالوا يلتجئون إلى الرقية الشرعية والفقيه من أجل العلاج النفسي والعضوي لهم؟ أكل المغاربة ميسورين لدرجة أنهم سيقضون فترات علاجهم بمستشفيات بالخارج كما تفعلون أنتم؟ إنها قمة السخرية والاحتقار من مواطنيكم. فلولا التلقيح الذي كان هبة ملكية لأصبحت رائحة فضائحكم تزكم الأنوف مع الجائحة، والحقيقة أن المغرب في أمس الحاجة إلى تلقيح ضد الفساد أكثر من تلقيح ضد الوباء، فوباء الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة هو ما ينخر يوميا في قوت غالبية المواطنين المغاربة.

ابْتُلِيَ العالم بجائحة كوفيد 19 وابتلي المغرب بحكومات فاقت أفعالها الجائحة في كل أبعادها الاجتماعية والصحية والاقتصادية، فمنذ فجر الاستقلال بدأ الصراع السياسوي المصلحي يفرض نفسه على أحزابنا، وبدأت الانشقاقات، التي تحولت إلى فعل أساسي تابت وقار في العمل الحزبي المغربي، حتى وكأننا أصبحا نعيش تناسلا لأحزاب سياسية بالمغرب بين عشية وضحاها، فعملية التناسل هذه تكون من صلب الأحزاب نفسها، فيكفي لعضو في حزب ما أن يجد نفسه غير مرتاح، في أرائك حزبه ليعمل على خلق حزب آخر، وانتقلت السياسة في المغرب من علم صراع القوى الاجتماعية الى علم اقتناء سلع المفاهيم السائدة عالمياً، فيكفي للسياسوي أن يمتلك حزمة من المفاهيم الجاهزة ورصيدا ماليا محترما ليصبح زعيما حزبيا،

أما البرامج والأهداف التي سيبنى عليها خط سير الحزب فعملية نسخ ولصق Copier-coller أصبحت هي السمة الطاغية على كل الأحزاب ولعل الأحزاب المغربية هي صاحبة السبق في هذه العملية في العالم، هذه العملية التي عُمِّمَتْ لتشمل كل المحطات السياسية لأحزابنا الموقرة، وبها أصبحت برامج الأحزاب في فترات الانتخابات، وبياناتها الختامية في مؤتمراتها ومجالسها الوطنية، وبلاغاتها وقراراتها، ومعظم أدبياتها، كلها متشابهة مما أصاب القواعد والمواطن العادي بالملل، فكل حزب حتى الذي لم يخلق بعد، سيعيد نفس الأسطوانة المشروخة على مسامع المواطن المغربي، لأن هذه الأحزاب باتت حكرا على أشخاص بعينهم يصولون ويجولون بحكم القانون ويُفَصِّلُون القرارات على مقاسهم، فالوظيفة أصبحت حكرا على عائلاتهم وأقاربهم، والمشاريع الاقتصادية أصبحت لا تخرج عن دائرتهم ودائرة عائلاتهم، والمجالس المحلية والإقليمية والجهوية أصبحت مرتعا لهم، يفعلون بها ما يشاؤون دون حسيب ولا رقيب.

فقدت السياسة في المغرب أخلاقها، وأصبح البؤس مذهبها، فلم تعد تنفع في شيء، فكل الوعود السياسوية، تبخرت ولم يحقق منها إلا ما استفاد منه السياسي وحاشيته، أما المواطن المسكين، فله البحر يحتويه، وله هراوة المخزن تخرسه، وله الزنزانة تقبر طموحاته، وهذا كلما أراد أن يهرب من جحيم العيش الذي فرضته عليه حكوماتنا الموقرة، فلها ولأعضائها الملايين والمشاريع، ولأبناء المواطنين الفقر والتهميش والتعاقد وكل القرارات الجائرة، وكل ما تخسره عليه حكومتنا الموقرة كلمات مغلفة بمصطلحات من قبيل ما جاء به السيد الناطق الرسمي للحكومة ووزير التعليم بها: “نريد حوارا بمقاربات جديدة”، وكأن هذه المقاربات ستأتينا بالحل السحري، في حين أن المقاربة الأمنية التي انتهجتها الحكومة ضد الاحتجاجات القطاعية في التعليم والصحة وكل فعل احتجاجي، دليل قاطع على أن الحكومة ليس لها حلول، بل هي تنتهج فقط مقاربة جديدة هي مقاربة ربح الوقت، فالحوارات التي وصلت إلى حلول مع الحكومات السابقة أقبرت وكان حكوماتنا لا تعترف بمبدأ استمرارية الإدارة، بل كل همها هو تدبير مرحلة تحملها للمسؤولية، ولعل أكبر مصيبة أصبنا بها هي مصيبة الحوار الذي يدور ما بين الحكومات وبعض النقابات،

حيث تم تمرير مجموعة من القوانين المجحفة أمام أعين هذه النقابات إما بصمتها أو بمباركتها مقابل صفقات تتم وراء الستائر في الغرف المظلمة، بل أصبحت بعض الصفقات تتم في واضحة النهار. الغلو السياسي لسياسينا هو ما جعل السياسة تصاب في مقتل، فالسياسة التي كانت فنا، أصبحت مع السياسويين عفنا ومصيبة أصبح الكل ينفر منها بل أصبح للبعض حساسية كبيرة كلما تحدثنا عن السياسة والسياسيين الذين بدأ المغاربة يروهم على أنهم أعداء البلد والعباد لأنه كَوَّمُوا وكدسوا الأموال والخيرات وجوعوا المواطنين وزادوا من معاناتهم اليومية، فالديمقراطية التي كانت تعلق عليها الغالبية العظمى من المغاربة آمالها من أجل انتشال البلد من الفساد السياسي، لم تعد قادرة على مقاومة مد هذا الفساد الذي تسرب إلى جميع دواليب الدولة، فكل السياسيين الآن يركبون شعار “وما بعدي الطوفان”. البؤس السياسي مع كل الأسف خنق الديمقراطية المغربية، وكرس تكرار نفس مشاهد العبث السياسي، وبنفس الوجوه، وما دام الحال على ما هو عليه لن نأمل من الوضع أن يتحسن بل سيزداد سوءا. وحتى نكون أكثر تفاؤلا أملنا في هَبَّةٍ ملكية قادرة على تصحيح الأوضاع السياسية في المغرب وهذا ليس بعزيز على جلالته.

لسنا ضد السياسة والسياسيين في المغرب، ولكننا وبحكم غيرتنا على بلدنا الحبيب، ضد الممارسات الشاذة التي يلجأ إليها السياسيون المغاربة من أجل الحفاظ على مصالحهم، هذه الممارسات التي جعلت من المواطن البسيط الضحية الكبرى، فنحن لسنا في حاجة إلى قفة الإعانات، بل نحن في حاجة إلى مشاريع تفتح الأبواب أمام سوق الشغل بالنسبة للمواطن المغربي، نحن في حاجة إلى أن تتوفر كل أسرة على دخل قار محترم، يقيها مهزلة مد اليد ويحفظ كرامتها، فالمواطن المغربي لم يعد يتق في السياسة والسياسيين بل أصبح يرى في هؤلاء على أنهم أعداء الوطن والمواطنين، وحتى لا تصل الأوضاع إلى درجة الانفجار، أتمنى أن يتفهم المسؤولون مأساة المواطنين ويعملوا فعلا على إنقاد السياسة من بؤسها، لتصبح سياسة وطنية مسؤولة قادرة على إخراج البلد من الاحتقان الذي بلغته، هذا دورنا أن ندق ناقوس الخطر، وأن نساهم في تشريح الوضع السياسي ووضع الأصبع على مكامن الخلل من أجل أمن وسلامة بلدنا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!