التعليم والأمن صمام الأمان لبلادنا .. أبعدوا شبح التعاقد عن هذين الميدانين

Mohammed El Filali24 مارس 2021آخر تحديث :
التعليم والأمن صمام الأمان لبلادنا .. أبعدوا شبح التعاقد عن هذين الميدانين

سعيد عطا / القنيطرة

أصبحت الحكومة الموقرة مصرة أكثر من أي وقت مضى على إنجاح مشروعها التخريبي للمدرسة العمومية، ففي الوقت الذي أنزلت وزارة التربية الوطنية ترسانة من القوانين الرادعة لنضالات نساء ورجال التعليم، أخطرها هو قانون الإضراب اللاقانوني، الذي يحرم كل أستاذة وأستاذ من أجرة يومه الذي يُضْرِبُ فيه، وفي الوقت الذي تعمل فيه وزارتنا الموقرة على مراقبة تحركات نساء ورجال التعليم عبر مجموعة من التطبيقات المعلوماتية، وفي الوقت الذي أصبح ارتباط نساء ورجال التعليم بالنظام المعلوماتي مسار شبه ارتباط عضوي، حتى أننا يمكن أن نطلق على الأستاذات والأستاذة لقب الكائن المتصل باستمرار وبامتياز، أي يكفي أن يصدر أمر من المديرة أو المدير عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليتصل رجل التعليم افتراضيا بمسار ويزوده بالمعلومات التي يريد، في هذا الوقت وفي عصر البيانات الضخمة Big Data، والأنفوسفير، واليوتابايت، لم يستفد الأستاذ من العالم الافتراضي إلا في شقه الدركي، أي المراقبة والقيام بالأعمال التي كان من المفروض أن تكون من اختصاص فريق له دراية بالنظم المعلوماتية، وأصبح الأستاذ عبارة عن كائن معلوماتي مجبر على التعامل مع العالم الافتراضي بهواجس ومخاوف أكبر بكثير مما كان يعيشها مع العالم الواقعي.

كل هذا بات مفروضا على رجال ونساء التعليم بتكلفته المادية الإضافية التي حتمت على رجال التعليم شراء الهواتف الذكية والحواسب إضافة إلى المشاركة في تزويد هذه المعدات بأجهزة تربطها بالشبكة العنكبوتية، ليصبح الأستاذ المسكين مرغما على اقتحام عالم جديد يفرض عليه تعاملات وعادات مختلفة عما ألف وربما يكون الأستاذ مجبرا على دراسة المبادئ الأساسية للتعامل مع “البرامج” المعلوماتية كبرنامج معالجة النصوص وبرنامج الجداول وبرنامج الباور باونت، إضافة إلى برامج معالجة الصور والفيديو من أجل تقديم دروس لتلامذته أثناء الجوائح وهذا ما نعيشه اليوم بكل تجلياته مع غياب كلي للوزارة في عملية اقتناء الأجهزة اللازمة للأساتذة وربط المدارس بالشبكة العنكبوتية العالمية، وكل ما نراه ونسمع به هو فقط مبادرات شخصية للمديرين ورجال التعليم أنفسهم من أجل التخفيف من العبء الملقى على الإدارة، بالرغم من أن هذه الأعباء ستكلف رجال التعليم كثيرا من الناحية المادية التي ستنضاف إلى عبء التنقل اليومي وشراء الأقلام اللبدية أو الطباشير ومسائل أخرى طارئة. لا ننكر أن هناك محاولات في هذا الباب من طرف الوزارة لكنها تبقى مجرد دعاية تنحصر في بعض المدارس ولا تعمم على الأخرى، وإذا رأيت برنامجا أو تغطية إخبارية في إحدى القنوات التلفزية الرسمية فاعلم أنها تدخل في خانة: “قولو العام زين” وليس لها علاقة بأرض الواقع إلا في شقها الدعائي.

وزارة التعليم الموقرة، بعد أن جعلت من القمع والترهيب منهجا يوميا للنيل من عزيمة الفآت الكثيرة المتضررة من نساء ورجال التعليم، أو لنقل بعبارة أوضح جميع رجال ونساء التعليم، وبعدما أصبحت حكومتنا الموقرة تعمل ليل نهار على إصدار أوامرها بتهشيم الرؤوس وكسر الأضلاع وخلع الأكتاف والركب، وإراقة الدماء التي باتت متعطشة لها، وطردت الحوار من كل أروقتها، ورحبت بأصحاب العضلات المفتولة ولعنت أصحاب العقول والحكمة وتدبير الأزمات، حكومتنا الموقرة التي باتت تناضل يوميا من أجل تضخيم تعويضات أعضائها، وإقرار معاشات فريقها، حكومتنا الموقرة التي أصبحت قراراتها وقوانينها غولا يقض مضجع المواطنين الذين اكتووا بفعل كل ما أَتَوا به، حتى أن المواطن البسيط بات يتوجس خيفة من كل قرار جديد، لأنه سيطال قوته اليومي، فكل زيادة هي زيادة في إثقال كاهن المواطن البسيط، وكل نقصان هو نقصان مما يملك من قوت، أي أن زيادات حكومتنا الموقرة كما هو نقصانها لا يكون في مصلحة المواطن، الذي بات يدعوا بأن يقيه الله شر قرارات الحكومة الموقرة، وأصبح التعليم هو الميدان الأكثر استهدافا مع كل الأسف، لأن حكومتنا الموقرة تعرف أن ميدان التعليم هو القاطرة التي تجر المجتمع إلى التقدم أو إلى الهاوية، وأن رجل التعليم هو المؤطر الحقيقي لكل جمعياته سواء أكانت سياسية أو نقابية أو جمعيات المجتمع المدني، فرجل التعليم بحكم وظيفته التي تجعله يوميا يؤطر أربعين تلميذا على الأقل أصبح مع مرور الوقت الشخص المؤهل لقيادة الجمعيات وبالتالي المجتمع أكثر من غيره ولهذا هو مستهدف مباشرة.

فالمعلم هو القدوة للمجتمع، وضربه وسحله هو ضرب لهذه القدوة، سيما وأنه الرمز الذي تُجْمِعُ عليه كل مكونات المجتمع، فإهانته هي إهانة للمجتمع بكل مكوناته، فكيف سيصبح هذا الرمز في المخيال الشعبي إن هو صار مهانا، وكيف سيجعل تلامذته منه رمزا، إنها فعلا سياسة جهنمية لجهابذة حكومتنا الموقرة إن كانت هي التي فكرت في ذلك، أن تقضي على الرمز ليخلو لك الجو في فعل ما تريد ومتى تريد بكل مكونات المجتمع، الذي سيفقد رمزه وقدوته ومؤطره المحنك الكفء الذي يسير به في الاتجاه الصحيح، أليس هذا بربكم انتقام من هذا المجتمع؟؟ أليس هذا دفعا وتحريضا من أجل الخروج من حالة السلم والهدوء إلى حالة الغليان؟؟ هل سيبقى الظلم سيد الموقف وسيحرم المواطن من حقوقه وسيسحل ويقمع وتسيل دماؤه كل مرة قام فيها بالاحتجاج السلمي على حق من حقوقه الذي كفلها له الدستور؟؟

ليس في كل مرة تسلم الجرة، ولقد أعذر من أنذر، ولكم واسع النظر أيتها الحكومة الموقرة، فكثرة الضغط تولد الانفجار ولكم في التاريخ أمثلة كثيرة ما عليكم إلا الرجوع لها، فلا تسقطوا قدوة المعلم من مجتمعنا لأن ذلك سيكلفنا كثيرا، فرجل التعليم له أدوار خطيرة تبدأ بمحو الجهل وتنوير العقول وتأهيل الأطر العليا التي ستحافظ على البلد وفرص التعليم يجب أن تكون متساوية وليس لأصحاب المال فقط، لأن الطبقات المعوزة هي من تحتاج العلم أكثر من غيرها من أجل تسوية الفرص، ولقد أتبتت التجارب أن الطبقات المعوزة هي أكثر من يتشبث بالدراسة، لأن من الحرمان يولد العباقرة، ونحن في أمس الحاجة إلى عباقرة ولدوا من الحرمان ليخلقوا لنا برامج لائقة بالطبقات المسحوقة قادرة على إخراج المغرب من دوامة البرامج التي تحاول انتشال فئات عريضة في المجتمع من الفقر والحرمان، ويكفي أن نأخذ المبادرة الأخيرة التي أطلقها ملك البلاد: “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” والتي جاب على إثرها ربوع المملكة قاطبة من أجل إرساء أسسها، لكن تعثرت في بعض جوانبها بفعل النزيف الاجتماعي الذي لم يترك لها مجالا للنجاح.

لم تكن أهداف المبادرة هو تقديم إعانات موسمية ظرفية، بل كانت أهدافها هو خلق مبادرات للتشغيل الذاتي قارة تعمل على خلق دخل قار للأسر المعوزة تغنيها عن مد اليد للغير، لكن وكما قلت كان الجانب الاجتماعي فيها هشا، حيث أن غالبية الأسر المستهدفة لا تتوفر على تغطية صحية معقلنة، بل زادت عملية “الرَّمِيد” على تفاقم وضعها ولم تكن مجدية بتاتا ولربما المبادرة الجديدة أو بالأحرى الشق الثالث من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية قد جاء لإصلاح الخلل، لن أدخل هنا في شرح المبادرات ولكن سقتها كمثل لأوضح للمسؤولين أن جلالة الملك يفكر في خلق متنفس للمواطنين وانتم أيها المسؤولون وضعتم تفكيركم في صندوق مغلق لا ترون من خلاله إلا مصالحكم الشخصية وما تعليقاتكم وكلامكم إلا مضيعة واستهلاك للوقت.

لقد عاديتم التعليم وجعلتم منه ميدانا معاديا للتنمية بحكم أنه يمتص ميزانية ضخمة، ولكن تناسيتم أن هذا التعليم أولا هو الذي جعلكم ساسة ورجالا في القيادة ووزراء، وتناسيتم أن التعليم هو الميدان الوحيد الذي لا يجب على أية حكومة أن تتقشف فيه لأنه ميدان حيوي ينتج العقول الذي ستلقى على عاتقها يوما ما تسيير شؤون البلاد والعباد، لقد حاولتم كما فعل اللقلاق أن يقبل ابنه فأعماه، لأنكم طبقتم على التعليم سياسة التقشف وأدخلتم شبابا دون تكوين إلى الميدان ورميتم بهم في المجهول، متلاعبين بمصائرهم ضمن نظام أطلقتم عليه اسم التعاقد، منحتم بموجبه أجرة هزيلة لشباب يحمل شهادات جامعية عليا، كان مجبرا على تقبل الوظيفة بالشروط التي تضمنها عقدكم المشؤوم وإلا سيكون مآله التشرد، فكان مصير هؤلاء أن خرجوا إلى الشارع بعدما فطنوا للعبة القدرة التي لعبتموها والتي سَتُحْرِمُهُم من شتى الامتيازات التي يتمتع بها زملاؤهم المرسمين من ترقيات وتقاعد وسيبقى هؤلاء الشباب تحت رحمة كل من هب ودب دون ترسيم، أي معرضين للطرد التعسفي في أية لحظة، وحينما نادوا بالحوار تجاهلتموهم ودستم على كرامتهم بأحذية أعوان السلطة وأجهزة الأمن بمختلف أنواعها، فاللوم ليس على أعوان السلطة ولا على أجهزة الأمن لأنها نفذت الأوامر، ولكن اللوم على حكومة ضاق صدرها من أبناء هذا الوطن وأمرت الآخرين بقمعهم عوض أن تجلس معهم على طاولة الحوار، لكن فاقد الشيء لا يعطيه فماذا عسى حكومتنا الموقرة أن تعطي أبناء هذا الشعب غير الهراوة والقمع والسحل والتنكيل والاقتطاعات في الأجور والحرمان من التقاعد في سنه القانوني ورفع مستوى المساهمة في صناديق التقاعد، والرفع من أثمنة المواد الغذائية والطاقية، أي أن الحكومة الموقرة استهدفت بالدرجة الأولى جيوب المواطنين دون أن تفكر في التوازنات الماكرو اقتصادية والتي من أضلعها الرئيسية العامل أو الوظف (المستهلك) القدرة الشرائية أي الأجور المحترمة، الإنتاج الوطني، أي السلع التي يحتاج لها المستهلك، هذه الأضلع وفي مفارقة عجيبة أصيبت في مقتل، حيت تباهت حكومتنا الموقرة بأنها جلبت فرص شغل كثيرة للمغاربة، أي نعم هناك معامل كثيرة وصلت إلى المغرب وشغلت آلاف الشباب، لكن كم يتقاضى هؤلاء الشباب؟؟ وهل تلك الحوالة التي يتوصلون بها كافية للمساهمة في التوازن الاقتصادي للبلاد أي أن هؤلاء الشباب قادرين فعلا على شراء المنتوج المحلي والمساهمة في الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية؟؟

بالطبع لا، إن عددا كبيرا من المعامل المحلية أغلقت لأن منتوجها لم يعد قادرا على المنافسة ولأن منتوجها لا يباع في السوق المحلية، فالعامل الذي يتقاضى 3000 درهما لن يستطيع شراء سيارة ولا ثلاجة ولا فرن غازي، كما أن الأستاذ الذي فرض عليه التعاقد والذي حكمتم على حوالته بالجمود في حوالي 5500 درهما تخضع لمجموعة من الإكراهات كالتنقل وشراء مستلزمات أخرى لن يكون قادرا على شراء المنتوج الوطني، وهذا بدوره جعل من الشغل في المغرب مع حكومتنا الموقرة شغلا من أجل سد رمق العيش فقط، وليس شغلا قادرا على تحريك دواليب الاقتصاد المغربي.

أيتها الحكومة الموقرة، رحماك بأبناء بلدي فهم لا يطالبونك إلا بوظيفة محترمة قارة، تتماشى مع الشواهد الجامعية العليا التي حازوا عليها بعرقهم وكدهم، فالوظيفة بالتعاقد لن تكون في صالح أحد لأن التعليم بالتعاقد هو تعليم يفرض على الأستاذات والأساتذة مجموعة من الإكراهات التي تدخلهم في متاهات تحرمهم من عدد من حقوقهم وتحرم التلاميذ من أساتذة يتميزون بميزاج قار قوي يمكن أن يكون عطاؤه كبيرا، فسلاح رجل التعليم الذي يخوض به جميع معاركه هو كرامته وعقله وعاطفته وحواسه وهذه كلها تحتاج إلى الاستقرار النفسي، الذي سيكون غائبا مع التعاقد، فرجائي أيتها الحكومة الموقرة أن تعيدي النظر في هذا النوع من الوظيفة بخصوص التعليم لأنه إلى جانب الأمن لن يستقيم بالتعاقد، فالأمن المادي المتمثل في أجهزة الأمن بمختلف أنواعها إضافة إلى الجيش والأمن النفسي المتمثل في التعليم بكل أنواعه، لن يستقيم إلا بوجود أطر قارة قائمة عليه، فابعدوا شبح التعاقد على هذين الميدانين لأنهما وحدهما هما صمام الأمان لكل أمة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!