الحوض المتوسطي في القرن الرابع عشر: قضايا وأزمات … طاعون منتصف القرن الرابع عشر في العالمين الأوربي والإسلامي

Mohammed El Filali9 مارس 2023آخر تحديث :
الحوض المتوسطي في القرن الرابع عشر: قضايا وأزمات … طاعون منتصف القرن الرابع عشر في العالمين الأوربي والإسلامي

تقرير: سعيد عطا / أخبار الفجر المغربية

في إطار أنشطته العلمية التي تهدف بالأساس إلى تنويع الفعل الثقافي التعليمي في الجامعة وفق مقاربات منهجية متعددة، تنفتح على مجموعة من العلوم المساعدة أو المجاورة بغية جعل مادة التاريخ في الجامعة مادة تواكب التطور السريع الذي يعرفه هذا العلم على المستوى العالمي، وتماشيا مع سيرورة التكوين الجامعي الذي يهدف بالأساس إلى خلق جيل من الطلبة الباحثين القادرين على اقتحام ميدان البحث العلمي وقد تسلحوا بالزاد المعرفي الكافي وتمكنوا ولو بصورة بسيطة من آليات البحث العلمي التي تبقى هاجس الطالب الباحث في كل زمان ومكان، نظم مختبر التاريخ والتراث، وماستر تاريخ المغارب والعالم المتوسطي، وماستر التاريخ المقارن للمجتمعات الوسيطية، وماستر مجتمعات المشرق والمغرب الوسيطية، التابعة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، يوم الإثنين 6/03/2023 لقاء علميا في موضوع: “الحوض المتوسطي في القرن الرابع عشر، قضايا وأزمات متقاطعة”، قدمه الأستاذ الفاضل محمد الحناوي، حضر هذا اللقاء طلبة شعب ماستر التاريخ وبعض طلبة الدكتوراه وعدد من السادة الأساتذة إضافة إلى بعض الضيوف الذي لهم اهتمام بالموضوع، فاللقاء كان لقاء علميا مفتوحا هدفت منه الجهة المنظمة انفتاح الجامعة على محيطها في إطار الدور المنوط بها ضمن مسارات التنمية الاجتماعية التي تبدأ بالأساس، مع تكوين نخبة مثقفة من المجتمع قادرة على تحمل مسؤولياتها اتجاه الأجيال اللحقة، في وقت تعرف وثيرة تناقل المعلومة تسارعا جنونيا قد يجعل من قطار التنمية يزيغ عن سكته إذا لم يجد جماعة محصنة ضد الانزلاقات، وما هذه الجماعة إلا تلك التي تلقت جرعات علمية كافية تجعل مناعتها الفكرية قوية وقادرة على مقاومة كل انحراف.

بعد تقديم السيد الحناوي من طرف الأستاذ الفاتحي والذي كان تقديما سريعا، أكد فيه الأستاذ الفاتحي على أن الأستاذ الحناوي أصبح واحدا منا لكونه توافد على كليتنا أكثر من مرة وقدم محاضرات متنوعة جعلته معروفا لدى طلبة جامعتنا، كما أكد على أن واجب الضيافة تقتضي شكر الأستاذ لتلبيته الدعوة أولا ولتجشمه عناء السفر ثانيا، وطلب في آخر كلمته من سائر الطلبة أن يولوا اهتماما خاصا للمحاضرة وأن يتفاعلوا معها في النهاية من خلال تدخلاتهم وتساؤلاتهم، أخذ الكلمة الأستاذ الحناوي الذي شكر منظمي اللقاء على الدعوة الكريمة التي خصوه بها، وامتطى صهوة جواده ليبحر بنا جميعا في رحلة علمية شيقة ولو أن الموضوع الذي اختار لها كان هو: “الطاعون بأوربا والعالم الإسلامي في منتصف القرن الرابع عشر”، لم يكن هذا العنوان اعتباطيا حسب الأستاذ المحاضر لأنه عنوان سيحيلنا على مجموعة من المحطات الهامة في التاريخ الأوربي إضافة إلى التاريخ الإسلامي، انتصارات وانكسارات، طفرات ثم كبوات، هذه هي السمة التي طغت على القرن الرابع عشر الذي نعث حسب الأستاذ المحاضر بقرن الكوارث، فبعد القرن الثالث عشر الذي عرفت فيه أوربا نموا على المستوى الفلاحي بفعل تحسن المناخ واتساع رقعة الأراضي المزروعة، هذا النمو الذي أعطى انتعاشة كبيرة للاقتصاد الأوربي ورفع المؤشر الديمغرافي إلى أعداد قياسية، لم يلبث أن عرف انتكاسة كبرى بفعل اجتياح الطاعون لدول أوربا، نفس الوباء عم العالم الإسلامي وفعل فيه أفاعيل بلغت درجة كبيرة من المآسي البشرية.

انتهج الأستاذ المحاضر منهجية علمية صارمة بدأت بتعريف الحاضرين على مصادر ومراجع موضوعه، واعتمد في ذلك التسلسل الكرونولوجي الذي ركز فيه على أهمية أخذ المعلومة من المصادر التي كتبها من عايش الحدث وكان شاهدا عليه، وانطلق الأستاذ المحاضر من مصادر القرن السادس ميلادي في أوربا، والتي بدأت تؤرخ للطاعون أي بدأ المؤرخون يدرجون ضمن اهتماماتهم مآسي الإنسانية ولو بشكل وصفي، كما أن المصادر العربية التي تتحدث عن الطاعون تحلينا على البيان المُغْرِب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب لابن عذارى المراكشي، إضافة إلى ابن خلدون وابن بطوطة وابن خاتمة الأندلسي وسفره: “تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد”، واعتبر الأستاذ المحاضر أن كل هذه المصادر هي بمثابة الأدوات الأولى التي لا يمكن لأي باحث الاستغناء عنها، كما بين الأستاذ نفسه ما اعتمد عليه من مراجع انطلاقا من أهميتها وحمولتها من المعلومات العلمية القيمة التي تحيلنا على المصادر الأساسية والأولى والتي تكون بمثابة الأصل في المادة العلمية المعتمدة في أي بحث كيفما كان نوعه، كما ركز الأستاذ المحاضر على ضرورة الانفتاح على العلوم الأخرى من أجل فك بعض الشفرات التي يستعصي فكها بآليات البحث التاريخي المجردة، واستشهد هنا بقولة مارك بلوخ: “على التاريخ أن يفتح نوافذه ليشم رائحة العلوم الأخرى” وأكد أن أي تصميم يجب أن يكون مرتبطا بالمادة المصدرية المتوفرة   لأنها هي وحدها التي ستوفر للباحث الإطار العام الذي سيتحرك ضمنه.

انتقل الأستاذ حناوي للحديث عن السياق التاريخي الذي أفرز طاعون القرن الرابع عشر في أوربا مشيرا إلى أن أي حدث تاريخي وجب التعامل معه وفق سياقه التاريخي، فطاعون 1347/ 1948 الذي سمي أسماء كثيرة منها الطاعون الأسود والموت الأسود، كان نتيجة حتمية لمجموعة من الأزمات المتعاقبة على أوربا منها الجفاف الذي أدى إلى مجاعة كبيرة أدت إلى فقدان المناعة بالنسبة للإنسان الأوربي، وفي زاوية أخرى فيضانات ورطوبة عالية أدت بدورها إلى مجاعات، كل هذا رافقته مجموعة من الأحداث في أوربا مثل حرب المئة عام، وتورات فلاحية وأخرى حرفية أي هزات اجتماعية كبيرة خلخلت الاستقرار الاجتماعي في أوربا وأدت في النهاية إلى انتشار وباء الطاعون انتشارا واسعا بعدما وصل إلى أوربا عن طريق القوارض الآتية من آسيا، إثر اجتاحه حسب الأستاذ المحاضر أول مرة كازخستان ثم إيران لينتشر في باقي بقاع العالم، أكد الأستاذ المحاضر أنه ليس كلما كتب عن الطاعون في أوربا صحيح، بل نجد في بعض الأحيان أرقاما للموتى مبالغ فيها من أجل التوصل بمساعدات من الدول الأخرى، ولقد استشهد بما قاله بترارك الذي عايش الوباء في فترة اتشاره، والذي لكثرة تضخيم الأرقام من طرف المسؤولين قال: “إنهم يعتقدون أننا نقص عليهم أساطير” نعم كان الخطب جللا وكان الموت يطارد الجميع لكن الأعداد كانت مبالغ فيها حسب الأستاذ المحاضر الذي رأى في نفس الوقت أن الباحثين الأوربيين انتهجوا منهجا تركيبيا واهتموا بالأبحاث الأنثروبولوجية، حيث وصف هؤلاء الباحثين الوباء حسب مشاهدته بالعين المجردة، أي عن طريق اللون الذي أعطوه له “الأسود”.

انتقل الأستاذ المحاضر ليتحدث عن التطور الذي حصل في مفهوم الوباء وكيفية التعامل معه، وأخذ لذلك عينة من القرن التاسع عشر الذي أتانا بدلالات جديدة للوباء الذي تنوع وأخذ أشكالا جديدة، كما عرف العالم أوبئة أخرى أصبحت معروفة النوع والشكل مثل وباء الكوليرا أو الموت الأزرق، ووباء السل أو الطاعون الأبيض، أي أن اللون والشكل أصبحا صفة لازمة لكل نوع من أنواع الوباء، لاحظ الأستاذ المحاضر هذا التطور في مسيرة فهم الوباء التي وصلت إلى بيت العلم العربي الإسلامي وأصبحت للعلماء العرب دراية بالوباء الذي تعاملوا معه وفق إجراءات علمية تبدأ بالحجر وبروتوكول الأربعين والأدوية الشافية، أي انتقل الإنسان في شتى بقاع العالم ليتعامل مع الأوبئة وفق مقاربة علمية طبية وذلك وفق رؤية الأستاذ المحاضر.

عاد الأستاذ ليتحدث لنا عن الوباء بمقاربة أخرى تخص ذهنية الأوربي، التي التجأت إلى الغيبيات في القرون الوسطى بعد عجز الأطباء عن معالجة الوباء والقضاء عليه، واعترف الأستاذ المحاضر أن الفكر الغيبي كان ملاذ الإنسان الأوربي العاجز أمام جبروت الوباء، كانت الكنيسة تروج لفكرة عصيان الإنسان التي ازدادت ومعها نزل غضب الرب على الإنسان في كل مكان، وسعيا وراء التخلص من الوباء لجأ الإنسان الأوربي العاجز، إلى تقديم النذر والقرابين للقديسين الذين نشطوا في هذه الفترة وأصبحت أديرتهم ملاذ الإنسان الأوربي، كما نشط الدجالون والنصابون، هذه العقلية نجدها أيضا في العالم الإسلامي التي ترد سبب الوباء إلى غضب الله الناتج عن الذنوب والخطايا التي يرتكبها الناس ويبتعدون بها عن الطريق السوي الذي رسمه الله لهم، فالزوايا والشيوخ أصبحت هي الأخرى ملاذ المسلم يقدم لها القرابين والذبائح ويتمسح بترابها وأثوابها من أجل أن يخلصه الله من الوباء، هذه الذهنية التي بدأت تتغير مع تغير فهم الوباء حيث غزى العلم ميادين الأوبئة وأصبح يعرف ماهيتها في أوربا كما في العالم الإسلامي وبالتالي تطور العلم أخرج الإنسان من متاهة المجهول وجعله يتعامل مع الأوبئة بطرق علمية بحثة.

وقد يكون لتطور مجالات البحث العلمي حسب الأستاذ المحاضر دور كبير في تعامل الإنسان مع الأوبئة، وتعتبر مدرسة الحوليات التي فتحت الباب لعلوم كثيرة وجعلت من علم التاريخ علما يهتم بحقول معرفية متعددة، من الطفرات العلمية التي دفعت الباحث في علم التاريخ للاعتماد على الفعل الإحصائي المرتبط أساس بالدينامية الاجتماعية، حيث كانت المونوغرافيات حسب الأستاذ حناوي من الدراسات الهامة التي شرحت مجالات البحث وجعلته أكثر مجهرية من السابق، لقد مرر علم التاريخ كل العادات والتقاليد الإنسانية المرتبطة بالتعامل مع الأوبئة، وجعلها في متناول الجميع فالتاريخ إدن علم حمال لكل التجارب الإنسانية الماضية وبالتالي فهو قنطرة عبور للغد الأفضل، لقد استفاد الإنسان من التراكم العلمي وأصبح بموجبه قادرا على تصنيف عدد من الأوبئة، فالمقاربة الطبية حسب الأستاذ المحاضر أفادت الإنسان وأصبحت ضمن تجاربه التي خزنها التاريخ لتصبح كتابا مفتوحا في وجه الأجيال اللاحقة، هذه المقاربات العلمية بدأت منذ القرن الثامن عشر الذي كرس المعاملات مع الأوبئة من باب التجارب التي راكمها الإنسان والتي اعتمدت العلم والطب كأداة لمحاربة الأوبئة، ورأى الأستاذ المحاضر أن التقدم العلمي وتراكم التجارب دفع بالبحث التاريخي إلى بحث علمي ضمن مدرسة الحوليات يهتم بالأساس على تاريخ الذهنيات التي تعددت مساراتها وتنوعت وأفضت في النهاية إلى بحث علمي يغوص في دقائق الأمور كالموت والعائلة والخوف والدعارة وغيرها من الميادين التي كانت مغيبة في البحث التاريخي.

أعطى الأستاذ حناوي في الأخير نظرة عامة عن وباء الطاعون في العالم الإسلامي والذي عرفه في عصر الإسلام الأول، ولم يبتعد الأستاذ المحاضر عن التعريف بالوباء في العالم الإسلامي والذي لم يختلف عما كان موجودا في أوربا لا من حيث الوصف ولا من حيث التعامل معه ولا من حيث مداواته، واعترف الأستاذ المحاضر بأنه ليس متخصصا في العالم الإسلامي لكنه تعامل مع الموضوع من باب ما عَنَّ له، ومن زاوية المراجع التي تعامل معها والتي اعتبرها قليلة الإشارات حول الطاعون وانتشاره في العالم الإسلامي حسب مناطق جغرافية مختلفة، كما اعتبر الأستاذ المحاضر أن الإشارات الواردة في بعض المصادر العربية أعطت تلميحات قوية: “مثل المرض معد ينتشر بالمخالطة”، “إن الناس يعتقدون بتراهات” وبالتالي يمكن القول حسب الأستاذ المحاضر أن العرب هم أيضا وصلوا إلى درجة الوعي بخطورة الوباء وكيفية التعامل معه طبيا.

وصل الأستاذ المحاضر في النهاية إلى خلاصات مفادها: “أن أوربا عرفت نوعا من التدرج في التعامل مع الوباء فمن التفكير الغيبي الذي يمثل الجهل بالوباء، إلى التفكير العلمي الواقعي الذي يمثل بداية معرفة الوباء، إلى التعامل الطبي الذي يمثل مرحلة التحكم في الوباء، نفس المراحل عرفها العالم الإسلامي حسب الأستاذ المحاضر، والتي بدأت بغلبة الفكر الفقهي عن الفكر العلمي، مما أدى بالعالم الإسلامي إلى المرور بالفكر الغيبي ثم الواقعي ثم الطبي العلمي وهي مراحل مر بها الفكر الإنساني عموما، علينا هنا أن لا ننسى أن الفكر الإنساني عموما عرف استمرارية ولم تكن هناك قطيعة في يوم من الأيام، وكان العرب في العصور الوسطى الأوربية حلقة وصل هامة أتاحت للفكر الإنساني الاستمرار في التطور وفق الآلية العلمية السليمة الخاضعة للاستمرار الكرونولوجي.

ختم اللقاء العلمي بمداخلات الطلبة الحاضرين التي اهتمت بالموضوع وفق مقاربات عدة، اجتماعية سياسية اقتصادية طبية علمية أي أن الطلبة كانوا يخوضون من خلال طرح أسئلتهم في محاولة سبر أغوار المجتمعات الإنسانية من خلال تعاملها مع الجوائح والأوبئة، ولقد رد الأستاذ المحاضر على الطلبة بنظرته الاستشرافية المطمئنة التي ترى أن تطور الفكر الإنساني ضرورة حتمية تنقل الإنسان من العتمة إلى النور، فتحديات الإنسان حسب الأستاذ حناوي لا زالت مطروحة ومستمرة مادامت الحياة موجودة وتحدي الإنسان يكمن في تطوير فكره من أجل مسايرة العصر والقضاء على كل المشاكل أو على الأقل الحد من خطورتها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!