
بين ثنائية التحريم والحلية

سعاد زبيطة
لم يعد هناك مجال لتأجيل فتح نقاش عام حول إنتاج واستهلاك الخمور في تاريخ المغرب، ولم يعد هناك مجال للكذب على أنفسنا بالقول أننا مجتمع إسلامي لا حاجة لمناقشة المحرمات، وتصديق هذه الأكذوبة لنعيش ثنائية شعار التحريم والاستهلاك فما عاشته ساكنة منطقة الغرب ومستشفاها المركزي الإدريسي أو كما تنعته ساكنة القنيطرة “سبيطار الغابة” هذه الأيام من مآسي مشروب “الماحيا” أو “ماء الحياة” “مشروب الفقراء”، الذي تحول إلى “ماء الوفاة” أو “ماء الموت” فكان “سكرة الوداع” للبعض، وبداية مسلسل العذاب لمآت الأسر التي وفدت في سعي محموم على مستشفى الإدريسي الذي ضاق مستودعه بجثث الضحايا، وعشرات الأجساد الممددة في العناية المركزة، التي وإن نجت من الموت فلن تنجو من فشل مجموعة من أعضائها الجسدية والتعرض لأضرار دائمة، كالعمى والقصور الكلوي…
عيشة مرة وميزيرية ومكملاها بالموت
وقد أعلنت المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة الرباط -سلا-القنيطرة أنه تم ما بين الساعة السادسة مساء من يوم الاثنين 3 يونيو والساعة الثامنة صباحا من يوم الأربعاء 05 يونيو 2024، تسجيل حالات إصابات تسمم بمادة “الميثانول” وهو نوع من “كحول الخشب، سائل عديم اللون، سام، قابل للالتهاب، والاختلاط مع الماء. يستخدم مذيباً عضوياً وفي تحضير الفورمالدهيد. يحضر من التقطير الإتلافي للخشب، أو بالتخليق، من الاتحاد المباشر بين أول أكسيد الكربون والهيدروجين” في صفوف 114 شخصا من جماعة سيدي علال التازي، التابعة ترابيا لإقليم وقد تم تأكيدها مخبريا من طرف المركز المغربي لمحاربة التسمم ولليقظة الدوائية بالرباط.
فاجعة هذه الخلطة القاتلة لشباب في مقتبل العمر بسيدي علال التازي التابع لإقليم القنيطرة تدفعنا للبحث في تاريخ الأشربة في المغرب، هذا التاريخ الذي استهوى اهتمام الباحثين في الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية، بالخصوص في إطار مدرسة الحوليات الفرنسية. ورغم تأثر جيل الشباب المغربي بهذه المدرسة، ظلت هناك مساحات من تاريخنا الاجتماعي والاقتصادي والثقافي مسكوت عنها وشبه منسية، ومن بين هذه المواضيع والتي لها علاقة بالمحضور، موضوع حضور المشروبات المسكرة في تاريخ المغرب، مغرب قوة السلطة الحاكمة أو ضعفها.
فظاهرة الممنوعات الغذائية من مأكل ومشرب في تاريخ الإسلام عامة تثير نقاشاً مهما، لأنها تتجاوز ما هو محرم قطعا، كما جاء في النص القرآني مثل لحم الخنزير والخمر، وإن كان لفظ التحريم لم يرد صراحة:
“يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”، “إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون” ) المائدة:90-91 (،”يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير”) البقرة:219 (، لتمس مواد لم يرد ذكرها في مصادر التشريع الإسلامي. ويتعلق الأمر بالشاي والقهوة والتبغ في فترة معينة من تاريخ المغرب، إذ أفتى بعض الفقهاء بالتحريم، بينما مال بعضهم الآخر إلى الإباحة. علما أن الأدبيات العربية والإسلامية لم تخلو من حديث عن الخمريات والمجون والغلمنة سواء في العصر الأموي أو العباسي أو في الشعر والأدب الحديث. وهو حاضر أيضا على قلته في الشعر المغربي وفي قصائد الملحون وغيرها.
والجدير بالذكر أن تاريخ المغرب والخمر يعود إلى الحقبة الفينيقية والرومانية، حيث وصل إنتاج وتصنيع الخمور حيثما وصلوا في مستعمراتهم ومدنهم التي أنشأوها على طول سواحل البحر الأبيض المتوسط. حيث اصبحت أرض بلاد المغرب القديم سوق واسعة للبضاعة الفينيقية والشرقية، وبعدها الرومانية، فاتحة عهد جديد في تاريخ هذه الشعوب والقبائل في شتى أصنافها، وهو ما تعبر عنه بقايا فخار فينيقي وتجهيزات ورسوم رومانية ذات علاقة بصناعة واستهلاك الخمور. كما تشهد على ذلك بعض النقود الرومانية ضربت في المنطقة تحمل رسوما للعن، تم العثور عليها في مليلة، وليكسوس، وشالة… ويشير “محمد حسين فنظز” على وجود الكروم من النوع البري تدعى “المزاري” ” Massari”أو “أمبولوسيا” ampelusia’d “وأن مع دخول الفينيقيين بدأت عملية تدجين هذا النوع بأنواع وفصائل كنعانية في بلاد المغرب القديمi.
ومع الفتح الإسلامي وانتشار تعاليمه الدينية، بقيت رواسب إنتاج الكروم وتصنيع الخمور واستمر بعض ساكنة المغرب في معاقرة الخمر وغيرها من الموبقات، متجاوزين بذلك سلطة المقدس والتحريم. وهو سلوك لم يقتصر عل فئة دون أخرى، ولا على الرجال دون النساء في المغرب كما في الأندلس، وكان للجواري نصيب من هذه الظاهرة.
وحق القول إن كتاب “جوانب من تاريخ المشروبات المسكرة بالمغرب الوسيط” للدكتور مصطفى نشاط، يعتبر مرجع مهم في رصد تاريخ تطوّر الخمر في مغرب العصر الوسيط، وثقافة احتسائه بين مكونات البيئة الاجتماعية والدينية وحدود الإباحة والحظر بحثا عن الحرية والمتعة غالبا تحت سياق من الخفاء والريبة. وهو الأمر الي يميط اللثام عن المسكوت عنه في تاريخ المغرب، فالتاريخ كما يؤكد ابن خلدون في مقدمته “فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم و سياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا”.
لقد استمرت ساكنة المغرب بعد الفتح الإسلامي على معاقرة الخمور، وتفيد رواية للواقيدي تقول أن: حاكم وجدة الملقب ب “الأبلق الفرطاس”، أثناء الفتوحات الإسلامية للمنطقة، كان “مولعا باللذائذ والخمر والطيب والنساء”ii.
وبعد أربعة قرون من دخول الفاتحين إلى المنطقة، تسجل المصادر بعض الحالات لمعاقرة الخمور، وقد ألف الرقيق القيرواني المتوفى ما بعد 417هـ كتابا سماه “قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور”، لفضح المشتغلين في صناعة الخمورiii.
وقد كان للمرابطين موقفا صارما من ظاهرة انتشار الخمر، وكانت رسائل أمراء المرابطين تأمر القضاة بالتشديد وكسر دنان الخمر ومتابعة شاربيها في المغرب والأندلس. وفرضت السلطات المرابطية رقابة على الحانات، وتابعوها ابتغاء منع الخمور وأمروا قضاتهم بتشديد تنفيذ العقوبة بحق شاربيها. وعلى الرقم من كل هذه الإجراءات الصارمة إلا أن المرابطين فشلوا في منع انتشار الخمر.
أما الموحدين فقد كان لهم موقف متشدد أكثر مع ظاهرة معاقرة الخمر وانتشارها في المغرب الوسيط، حيث حارب محمد ابن تومرت هذه الظاهرة واستنكر مشروب “الرُّب” أو “أنزير” كما يشير إلى ذلك الإدريسي، وقد عبر أبو عثمان بن الشيخ أبي جعفر بن ليون التجيبي عن طريقى صناعة “الرب” شعرا يقول:iv
الرب طبخ صفو ماء العنب
بعد قعود ثقله المجتنب
للثلث في الطيب أو للربع
في العنب الردريء ذا الباني رع
واطبخه مع ماء يزاد وتزال
رغوته مدة طبخه اتصال
ولم تقتصر مادته الأولية على العنب، وإن طغت عليه، بل استعملت أيضا جملة من الفواكه، بعد طبخها بالماء وتصفيتها، مثل التوت والسفرجل والرمان والتمر، دبس التمر أو عسله …
وقد عرف “الرُّب” بعد العصر الموحدي أسماء أخرى ك ك “الدُّبس والصامت” وغيرها من الأسماء التي اختلفت عبر التاريخ والجهات.
وعلى العموم حارب المهدي ابن تومرت الخمر بكل مشتقاتها، ونهج نهجه عبد المؤمن بن علي الكومي، الخليفة الثاني لدولة الموحدي، وأمر بإراقة كل المسكرات وقطعها والتحذير بعقاب الموت على استعمالها، حيث وجه رسالة إلى كل ولايات الأندلس يأمر فيها بإخلاء الحوانيت التي يباع فيها الخمر وجعلها حوانيت مخصصة لما هو حلال من المبيعات.
ورغم كل هذه الجهود الموحدية في منع تعاطي الخمور والحد من انتشارها، لم يتمكنوا من المنع القطعي، ليستمر انفصام ملحوظ بين واقعين وخطابين: أحدهما يدعو إلى محاربة المشروبات المسكرة، والآخر يقر بوجوبها وترويجها بين بعض المكونات الاجتماعية، فالشروط المتحكمة في الظاهرة في المغرب هي ذاتها التي تحكم عادة كل محظور في المجتمعات العربية الإسلامية. وهو الأمر الذي تؤكده بعض المصادر المغربية، مثل ابن عذاري المراكشي في كتابه “البيان المغرب” والحميري في كتابه “الروض المعطار في خبر الأقطار” والواقيدي في مؤلفه “فتوح افريقية”…
واستقر الأمر عليه في عهد الدولة المرينية والوطاسية كما كان عليه في عهد الموحدين، لم تغير شأنا للكثير من المحظورات. يشير إلى ذلك بوضوح مسافر برتغالي عند مروره بنواحي القصر في الشمال، فذكر أن أكثر سكان هذه الجهات… يستكثرون من، السمن في طعامهم، إذ ليس لديهم زيت لشدة غلائها، ولأنها تأتي من بعيد، وسمكهم قليل، ولكن فواكههم كثيرة لذيذة، وأكثرهم يشربون الخمر بدون تحفظ.v وهو الأمر الذي أكده ليون الإفريقي.
وجاء على لسان صاحب نفح الطيب:
“دخلت مكناسة هذه مرارا عديدة، وقد أبلى الدهر محاسنها التي كانت في زمان لسان الدين بن الخطيب جديدة، واستولى عليها الخراب، وتكدر منها بالفتن الشراب، وعاث في ظاهرها الأعرابvi“.
وفي عهد يعقوب المنصور المريني، نشطت تجارة المغرب مع الخارج، حيث كان ميناء سبتة يجتذب سفن البندقية ومونتبليون وجنوة ومرسيليا وغيرها فتصدر إلى المغرب الملف والمنسوجات والسلاح والخمر والخردوات والثوب والكتان…vii
ويبدو أن تعاطي الخمر استمر في العصر المريني والوطاسي، وظل استثنائيا لا يرق إلى مستوى القاعدة، إذ أن المسكرات –إلى حدود دخول المعمرين الفرنسيين إلى المغرب- لم تكن من المواد العادية والمتداولة على الموائد المغربية، وقد ظل الحصول عليها وتناولها، يتم في إطار نفس الأجواء التي تطلب فيها المحظورات.
أكثر من ذلك تسربت الخمور الأوربية إلى المغرب الوسيط مع تدفق أعداد من الأوربيين المسيحيين في إطار اتفاقيات دولية، وتشهد النصوص التاريخية على هذا الحضور الذي استمر بالمغرب في العصر الموحدي، وبلغ قمته في العصر المرينيviii. حيث توافرت لهم كل شروط الإقامة من فرن وكنيسة… وخمارة، وفنادق، بل استطاع بعضهم امتلاك دور لهم. وإن طانت هذه الخمور في أصلها موجهة للمسيحيين فقد تحول جزء جزءاً منها إلى المغاربة بطرق مختلفة، وغالبا ما كانت على شكل هدايا. لينتهي المطاف إلى تخصيص دكاكين بالفنادق الأوربية تحت مراقبة وكلاء أو تجار تعينهم السلطة بالمراسي.
وفي العهد السعدي كانت هناك محاولة لإلغاء زراعة الكروم المخصصة أعنابها للخمر، وتعويضها بمزروعات أخرى بديلة، وعلى رأسها قصب السكر التي أصبح المغرب السعدي من أكبر مصدري سكر القصب، لدرجة أن الفشتالي قال بأن تارودانت كانت محاطة ب “معاصر السكر الجاثمة حواليها جثوم أهرام مصر… “ix. وأشار مجهول برتغالي إلى أن بلاد سوس غنية بالسكر. بل أكثر من هذا أمر السلطان أحمد المنصور الذهبي بإراقة الخمر الذي كان يذخره بعض خدامه وأعوانه، ويبدوا أن أمر السلطان في هذا الشأن لم تكن فيه هوادة ولا أدنى مسامحة، وهذا شيء ليس باليسير في حد ذاته. وقد عرف المغرب في الفترة الأخيرة من حياة أحمد المنصور انتشار الوباء والغلاء بالإضافة إلى انتشار عادة التدخين (تدخين التبغ) وكل ذلك كان له تأثير على الحياة الاجتماعية بالمغرب.
لكن مع توافد العنصر الأندلسي على بلاد المغرب بصفة عامة والمغرب الأقصى بصفة خاصة، بعد سقوط بغرناطة سنة 1492م، توافدت معهم عناصر يهودية التي يعود تواجدهم في المغرب إلى القرن الثالث قبل الميلاد على عهد الفينيقيين، فرارا من محاكم التفتيش التي اضطهدتهم إلى جانب المسلمين، فاندمجوا في المجتمع السعدي اندماجا كبيرا، بل صارت لهم الحظوة، لما وفر لهم الشرع الإسلامي من حماية. وبدخولهم أدخلوا بعض العادات السيئة على المجتمع السعدي مثل: إشراف أو امتهان مهنة البغاء، وعادة شرب الخمر، التي كانت رائجة في الحانات اليهودية، مما جعل السلطة تلجأ إلى تقن ين تجارة المشروبات الكحولية، وتمنع اليهود من بيعها لجيرانهم المسلمين والمسيحيين، كما تمنع تقديمها لهم عند دعوتهم لتناول الطعامx.
i – مها عيساوي، المجتمع اللوبي في بلاد المغرب القديم” من عصور ما قبل التاريخ إلى عشية الفتح الإسلامي، أطروحة الدكتوراه العلوم في تاريخ المغرب القديم، جامعة منتوري، قسنطينة، ،2010-2009 ص. 184.
ii – محمد الواقدي، فتوح إفريقية، تونس، 1966، ج. 2، ص. 110.
iii – مصطفى نشاط، جوانب من تاريخ المشروبات المسكرة بالمغرب الوسيط، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2006، ص. 11.
iv – محمد ياسر الهلالي، مجلة زمان، ع. 28.
v– الحياة الاجتماعية والاقتصادية في عهد بني مرين، دعوة الحق، ع. 86، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المشور السعيد – الرباط – المغرب.
vi – نفسه.
vii – نفسه.
viii– مصطفى نشاط، جوانب من تاريخ المشروبات المسكرة بالمغرب الوسيط، ص. 27.
ix– عبد العزيز ابو فارس الفشتالي، مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا، دراسة وتحقيق عبد الكريم كريم، مطبوعات و.أ.ش.إ، الرباط، 1993، ص. 254.
x – حاييم الزعفراني، يهود الأندلس والمغرب، ج،2. تر جمة: أحمد شحلان، الرباط: مطبعة النجاح الجديدة، 2000، ص.370.
الإحالات
















































