المعضلة الفلسطينية الجرح النازف في جسم الكيان العربي.. ما بين التطبيع والممانعة ماذا قدم العرب لقضيتهم الأولى؟؟

Mohammed El Filali14 مايو 2021آخر تحديث :
المعضلة الفلسطينية الجرح النازف في جسم الكيان العربي.. ما بين التطبيع والممانعة ماذا قدم العرب لقضيتهم الأولى؟؟

سعيد عطا / القنيطرة

نعيش اليوم وقد تسمرت عيوننا على التلفاز، نشاهد وابلا من القنابل الذكية والبليدة والفوسفورية والفراغية والانشطارية وأخرى لم نعرف أسماءها بعد، وهي تدك أرض فلسطين في قطاع غزة، تتطاير أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ، وتهدم البنايات فوق رؤوس ساكنيها من الأبرياء، فتعلو أصوات سيارات الإسعاف ويهرع المسعفون لانتشال الجثث من تحت الأنقاض، تجوب أسراب من الطائرات المتطورة سماء غزة لتقدف بآلاف الأطنان من القنابل والمتفجرات والصواريخ الذكية، كما تتجول الطائرات الاستطلاعية الإسرائيلية في كل شبر من سماء الأرض المحتلة باحثة عن أهداف، يقال أنها من كوادر المقاومة أو منصات لإطلاق الصواريخ.

في المقابل تمطر المقاومة الأراضي المحتلة برشقات من الصواريخ المحلية الصنع، كما تتأهب فصائلها لتقيم جدارا على حدود غزة مستعدة لكل توغل قد يحدث مع توعد جيش العدو بإيقاع أكبر عدد من الأسرى والقتلى. سيناريو عهدناه وأصبح يتكرر وكأنه مسلسل حلقاته لا تنتهي، أصبح الدم وإزهاق الأرواح وصور الأشلاء مشهدا مألوفا عندنا، وأصبحت بيانات التنديد والاستنكار والشجب والإدانة، التي تصدر عن أنظمة عربية وغير عربية هي السلاح الذي أعددناه لأعداء الأمة، فلم نعد نقوى على توجيه فوهة بندقية صغيرة لصدر أو حتى لكمة لوجه أي عنصر من عناصر الجيش الإسرائيلي، فبالأحرى قتله.

يخرج علينا المتحدث العسكري الإسرائيلي ببيانات مفادها أن حماس الإرهابية تتحمل مسؤولية هذه الحرب لأنها تتخذ من الأبرياء دروعا بشرية وتعرض حياتهم للقتل والتشريد بفعلتها، ويخرج المتحدث باسم المقاومة ببيان يتوعد فيه العدو الصهيوني بشتى صنوف القتل والأسر، معلنا عن استراتيجية جديدة في المعارك وعن أنواع جديدة من الصواريخ التي ستطال أبعد نقطة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وبقوة تدميرية كبيرة، وبين هذا البيان وذلك تخرج أمريكا كعادتها بتصريحها التقليدي: “لدولة إسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها وعن مواطنيها” وتخرج بعض التصريحات الشاذة من بعض العرب محملة المسؤولية لحماس “الإرهابية” وناعتة الفلسطينيين بأنهم باعوا أرضهم وهم وحدهم من يتحملوا مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع. في المقابل تأتي تصريحات من البعض، داعية الطرفين إلى ضبط النفس رافضة كل أنواع العنف الذي يمارس ضد المدنيين العزل، ويأتي طرف ثالث لينعت الإسرائيليين بأنهم المسؤولين المباشرين على ما آلت إليه الأوضاع بصفتهم المحتلين لأرض ليست أرضهم.

بين هذه التصريحات والبيانات ضاع الرأي العربي في متهات الأخبار اليومية التي أصبحت عبارة عن ناي ومزمار يبعث الحماس، ودعوات مشحوذة في الجوامع طالبة النصر من العلي القدير، ورشفات من الحماسة الزائدة في المقاهي والمنتديات، وكوفية فلسطينية تبعث الدفيء في أعناق الخطباء، وسيول بشرية تجوب شوارع المدن الكبيرة وهي تصيح بأعلى صوتها لنصرة فلسطين والفلسطينيين، تتخللها لافتات ويافطات حملت كل عبارات الحماسة وصورا للصواريخ الفلسطينية، وبين هذه السلوكات والمظاهر خاض العرب حروبهم التحريرية لفلسطين.

أمطرنا شعراؤنا بوابل من القصائد الوطنية الخاصة بالقضية الفلسطينية، وكتب أدباءنا مجلدات مثقلة بهموم ومآسي الفلسطينيين، وغطت صحافتنا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الحياة المأساوية اليومية التي يعيشها الفلسطينيون، وقرأنا آلاف التحاليل بصبغة عقائدية أو سياسية عن الاحتلال الإسرائيلي، حتى بتنا نعيش القضية الفلسطينية بكل جزئياتها، بل أصبحنا نحن جزءا لا يتجزأ منها، وأضحت أدبياتنا تنهل من القضية الفلسطينية مصطلحات أدرجناها بعفوية في ثقافتنا الشعبية والعالمة معا، أصبحت تعابيرنا اليومية رهينة بأدبيات القضية الفلسطينية، وبطريقة عفوية عبرنا عن رفضنا للتطبيع الذي اعتبرناه خيانة لقضيتنا الأم.

لم نكن في يوم من الأيام ننتصر لمعسكر سواء معسكر التطبيع أو معسكر الممانعة، ولكننا وبحكم العقيدة والقومية التي نشأنا عليها كنا دائما ضد الاحتلال الإسرائيلي بحيثياته التي خرجت عن كل الأعراف والتقاليد الإنسانية، حيث اعتمد هذا الاحتلال سياسة التهويد بالجبر وقوة السلاح، خرجنا من الاستعمار الذي دقنا ويلاته وتعاطفنا مع كل الشعوب المستعمرة، منادين بتحريرها وعتقها من ويلات الاستعمار، فالكيان الصهيوني الذي تمادى في بناء المستعمرات ومصادرة بيوت المواطنين وضيعات الفلسطينيين وجرف الأشجار وهدم البيوت على ساكنيها وإقامة جدار العزل العنصري على المستعمرات الفلسطينية وأسر آلاف الفلسطينيين بمختلف فآتهم وأجناسهم، وإغارات بطائراته وقدف بمدفعيته الثقيلة مدنا آهلة بالسكان، لم يترك لنا خيارا سوى مناصرة الشعب الفلسطيني الأعزل، وما المقاومة إلا ردة فعل طبيعية من شعب حوصر ومنعت عنه أبسط مظاهر العيش الكريم:

فكيف يمكننا أن نتخلى عن نصرة هذا الشعب وقد نصرته أقوام ليست من بني جلدتنا؟؟ هل تريدون منا أن نتخلى عن إنسانيتنا وعقيدتنا وقوميتنا ونتبع لعنة السياسة التي أوصلتنا إلى هذا الدل والهوان؟؟ بربكم هل تؤمنون بما تقولون؟؟ أم هو مجرد إرضاء لأسيادكم وذوي نعمكم في الغرب؟؟

ماذا فعلنا نحن كعرب للقضية الفلسطينية غير الندم والعويل والبكاء وبيانات التنديد والشجب والإدانة والاستنكار؟؟ ما ذا فعلنا غير رفع المشاهدة التلفزية للقنوات الإخبارية التي تنقل مباشرة المآسي والويلات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني؟؟ ماذا فعلنا غير الانزواء في المساجد ورفع الدعاء على الصهاينة بأن يقطع الله نسلهم ويرينا فيهم يوما اسودا؟؟

ماذا فعلنا غير شعر نظمناه ونتر كتبناه ومسيرات شاركنا فيها وزيناها بلافتات ويافطات احتوت كل غضبنا، وهددت بصور لأسلحة بدائية أعداءنا؟؟ ماذا فعنا نحن كعرب للقضية التي سميناها بالقضية المركزية والأساسية غير مؤتمرات وندوات حملت آلاف القرارات التي لم تبارح رفوف المكتبات والخزائن حتى اعتلاها الغبار وناءت لثقلها الرفوف؟؟ ماذا فعلنا نحن كعرب لهذه القضية التي اعتبرناها مصيرية غير تليين مواقفنا التي مع الأيام انتقلت من الشدة إلى اللين والانبطاح فصارت في أيامنا هاته تطبيعا؟؟

هذا مصير طبيعي لأمة تمتلك كل الخيرات وتنتظر من الآخر أن يمدها بمقومات الحياة، هذا مصير طبيعي لأمة بإمكانها إن امتلكت إرادتها أن تصبح سيدة العالم، هذا مصير طبيعي لأمة تخلت عن قول الله تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم“، هذا مصير طبيعي لأمة لا تنتج دواءها وسلاحها وقوتها وملبسها، بل تعتمد على الآخر في ذلك.

هذا مصير طبيعي لأمة أعداؤها من بني جلدتها، هذا مصير طبيعي لأمة لم تقدر حتى على توحيد صيامها وصلاتها، هذا مصير طبيعي لأمة باعت خيراتها لغيرها وكدست الأموال في بنوك أعدائها، هذا مصير طبيعي لأمة تفشى فيها الجهل والأمية والبطالة والمرض، هذا مصير أمة اعتبرت النموذج الغربي نموذجا مثاليا لكنها لم تأخذ منه غير القشور وتخلت عن عاداتها وتقاليها الحميدة وتشبثت بالخرافة والشعوذة، وجعلت من زيارة الأضرحة والقبور أولوية.

هذا مصير أمة جعلت من التعليم ديكورا وأفرغته من روحه التي تجعل من المواطن مواطنا مثقفا منتجا قادرا على العطاء والتصدي لكل فكر مخرب دخيل، هذا مصير أمة أفرغت جامعاتها من دورها الأساسي المتمثل في البحث العلمي، وصرفت على مهرجانات الرقص والغناء الفاحش أضعاف ما خصصته للبحث العلمي، هذا مصير أمة احتقرت شعوبها وزجت بهم في غياهب الفقر والجوع، حتى باتت شوارعها تعج بالمتسولين وبالخارجين عن القانون، هذا مصير أمة ضاع أمل شعوبها فيها ولم تعد كل الوعود بتحسين الأوضاع تجدي نفعا، فحتى الإعلام الرسمي لم يعد من اهتمامات المواطنين لأنه بكثرة جرعات الوعود التي بلغت درجة التخمة، أصبح المواطن محصنا يعزف بتلقائية عن كل ما تأتي به القنوات الرسمية من أخبار ووعود، أعيدوا النظر في سياساتكم لأن القضية الفلسطينية موجودة في وجدان وضمير كل عربي سواء أكان مسيحيا أم مسلما علمانية يساريا يمينيا أم إسلامويا، بل أصبحت هذه القضية في ضمير كل إنسان حر يُعْمِلُ عقله قبل حواسه في التعامل مع القضايا الإنسانية الكبرى، فلسطين آخر مستعمرة بشرية هي وصمة عار في جبين الإنسانية في القرن الواحد والعشرين، فلا تسقطوا غصن الزيتون من أيادي الإنسانية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!