
اقرؤوا التاريخ ففيه العبر!
كان جعفر بن عثمان وزير الحكم بن عبد الرحمن الأموي، وواليه على الأعمال الكبار، وممن تفرد بتدبير دولة هشام بن عبد الحكم الأموي بالأندلس بعد عزله عن الحكم, وجبره داخل قصره، فبلغ المنتهى، وسوغ برهة من دهره ما اشتهى، فسما دون سابقة، وارتقى رتبا لم تكن لأهل بيته مطابقة، وتجرد للعليا، وتمرد في طلب الدنيا، فلم يزل على تلك الحال إلى أن أحكم ابن أبي عامر الزمام، وأمسك الخطام، فانفصم عن جعفر كل در مكنون، وترحلت عن مجالسه بهرجة الفنون، وانبرت إليه النوائب، وتسددت له الخطوب بسهام صوائب، وتعاوره الإدبار، وساوره من المكروه ما فيه اعتبار، فقضى دَين كل إساءة، فأغص حلقَه كل مساءة، إلى أن تكورت شمسه، وفاضت بين أنيابه المحن نفسه، فحبس ذليلا بسجن المطبق، والشجون تسرع إليه وتسبق، ومن بديع ما زبرته أنامله، ما فيه عبرة لقائله وكاتبه وناقله:
صبرت على الأيام لما ولت وألزمت نفسي صبرها فاستمرت.
فيا عجبا للقلب كيف اصطباره والنفس بعد العز كيف استذلت.
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن طمعت تاقت وإلا تسلت.
وكانت على الأيام نفسي عزيزة فلما رأت صبري على الذل ذلت.
وقلت لها: يا نفس موتي كريمة فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت.
وقد أثر عنه أنه لما أمر بالزج به إلى سجن المطبق قال:” أرتقبه منذ أربعين سنة” فسئل عما ذكره فقال: رفع على فلان أيام الناصر, وسعي به إليه، فأشرفت على أعماله، فآل أمره إلى ضربه، وتغيرت نعمته، وإطالة حبسه، فبينما أنا نائم ذات ليلة، إذ أتاني آت، فقال لي: أَطلِق فلانا فقد أجيبت دعوته فيك، ولهذا أمر أنت لابد لاقيه، فانتبهت مذعورا، وأحضرت الرجل، وسألته إحلالي، فامتنع علي، فاستحلفته على إعلامي بما خصني به من الدعاء، فقال:” نعم، دعوت الله أن يميتك في أضيق السجون كما أعمرتنيه حقبة”, فعلمت أنه قد وجبت دعوته، وندمت حيث لا ينفع الندم”.
اقرؤوا التاريخ ففيه العبر..
وما هذه الأيام إلا سحائب على كل أرض تمطر الخير والشرا.
وما جهم (وسيم) بن يوسف إلا نقطة في جمل التاريخ ودواوين العبر، نفث سحره الإعلام، ولبس عباءة شيوخ الإسلام، فظن أنه مفتي الأنام، ومبعوث السلام ..
يا نسمة الصفع هبي على قفا المتنبي.
إن كان هذا نبيا فالقرد لا شك ربي.
وسِحْر الإعلام دواؤه رقية أهل الصدق وقت الدجى في جوف السحر، فلا تبقي من اسمه ولا رسمه بعر ولا أثر..ضل قوم ليست لهم عظة فيمن غبر.
لا تأمنَنَّ من الزمان تقلبا إن الزمان بأهله يتقلبُ.
يا جهم! هذا جزاء الوقيعة فيمن صحح المتن والسند، وميز المرسل من المسند، وحصر الرواة، وأحصى الضعفاء والثقات..
مثل الفراش يلوذ بالمصباح كي يحيا فيردى بالذي هو لائذ.
يا جهم! فهل أدركت مرارة ما كنت تشتهيه، وعاقبة ما كنت لغيرك ترتجيه؟
إذا هان حرُّ عند قوم أتاهمُ ولم ينأ عنهم كان أعمى وأجهلا.
ولم تُضرب الأمثال إلا لعالم وما عوتب الإنسانُ إلا ليَعقلا.
يا جهم! هذا جزاء من سلك مسلك المعرِّي، وتجرد عن التديِّن وعُرّي، وأبدى الغلوّ، وتعدى الحق المجلوّ..
إذا رأيت امرأً وضيعا قد رفع الدهرُ من مكانِه.
فقد سمعنا بأن كسرى قد قال قديما لترجمانِه.
إذا زمان السباع ولى ارقص إلى القرد في زمانِه.
اقرؤوا التاريخ ففيه العبر!
ياجهم! لا تؤمل نفسك بنبي الله يوسف صلى عليه ربنا وسلم، فشتان بين مَن سُجن ظلما فنال غُنما، وبين من زُج به خلف القضبان جُرما وأدّى غُرما..
خلت أيام من لمز صفوة العباد، وأكثروا في الأرض الفساد، ونالوا من أهل الهدى والرشاد، وغفلوا سنة الله -الانتقام- من كل طاغ وعاد، فخوت نجومهم، وعفت رسومهم، ولم ينس التاريخ جريرتهم، فلحقتهم من معرة العار ما سيحفظ مدى الأزمان، فلم يشفع لهم قرب سلطان، ولا ما أُوتوا من فصاحة وبيان، وتسلّط لسان..
خذ سنة الله بين خلقه أبدا ولْتجعلنْها لديك خير قرطاسِ
فالْحظ بعين كمال الفضل قدرَهم واخضع لهم دائما بالقلب والراس.
اقرؤوا التاريخ ففيه العبر!
يا قارئ المقال! جاء في ترجمة أحدهم، ممن أوتي براعة الخط، مع صحة النقل وقوة الضبط، لكنه قصر علمه على أهل الدرهم بل الدينار، ولم ينحط لسواهم، فكانت عاقبته أن قذفته النّوى، وطردته عن كلّ ثوى، فرئي في غاية الإملاق، وفي ثياب أخلاق، واعتلاه من الصغار ما لم تغب عنه شمس النهار، ولسان حاله يقول:
سجدنا للقرود رجاء دنيا لها ميل إلى نسل اليهودِ.
وفي الدنيا لذائذ طيبات حوتها دوننا أيدي القرود.
فما بلّت أناملُنا بشيء وقد جئنا عِطاشا للورود.
وما عدنا سوى بالضيم عنه وما نِلنا سوى ذلَّ السجود.
فاعتبروا ياأولي الأبصار بتصرف الأقدار، فقد دلت على ذلك شواهد الآثار، وتواترت بذلك الأخبار..
تمنى الناس بعد العز موتا لذل قد غدوا منه حيارى.
فيا رباه فارحم ثم فرّج بفضلك واستفق قوما سكارى.
فاللهم لا شماتة..
د. وديع عمر غوجان
















































جميل جدا