حملات الحد من الغرق لا يجب أن تكون على حساب منع السباحة

Mohamed Filali23 يونيو 2026آخر تحديث :
حملات الحد من الغرق لا يجب أن تكون على حساب منع السباحة

حملات الحد من الغرق لا يجب أن تكون على حساب منع السباحة.
لحسن كوجلي في مجرد رأي :
مع حلول كل فصل صيف، تتجدد المآسي المرتبطة بحوادث الغرق في السدود والوديان والشلالات، وتتجدد معها الدعوات المطالبة بمنع السباحة وتشديد إجراءات المنع والزجر. وفي إقليم أزيلال، الذي شهد خلال الأسابيع الأولى من هذا الصيف عددا من حالات الغرق بكل من أفورار وبين الويدان وشلالات أوزود، ارتفعت أصوات تدعو إلى تكثيف حملات التحسيس بمخاطر السباحة، بل إن البعض ذهب إلى المطالبة بمنعها بشكل شبه كلي في هذه المواقع.

غير أن معالجة الظاهرة بهذا المنطق تبدو قاصرة عن فهم طبيعة المشكلة وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية. فمن المفارقات أن بعض الجهات التي تنادي بمنع السباحة لم تبادر، على مدى سنوات، إلى إنشاء مسبح عمومي واحد أو فضاء ترفيهي آمن يستجيب لحاجيات الشباب والأطفال خلال فصل الصيف.

فالسباحة ليست مجرد نشاط ترفيهي عابر، بل هي جزء من الثقافة الصيفية للمجتمع، كما أنها تشكل أحد أهم أسباب استقطاب الزوار نحو العديد من المناطق السياحية. فسد بين الويدان، ومنتجع إسكا، وشلالات أوزود، وكاتيدرال إمسفران وغيرها من المواقع الطبيعية، تستقبل آلاف الزوار سنويا، ويأتي جزء كبير منهم بهدف الاستمتاع بالمياه والسباحة.

ومن الإنصاف الإقرار بأن عدد الأشخاص الذين يمارسون السباحة بهذه الفضاءات يعد بالآلاف، بينما تظل حالات الغرق، رغم فداحتها وألمها، محدودة مقارنة بحجم الإقبال الكبير على هذه الأنشطة. لذلك فإن حرمان الأغلبية من حقها في الاستمتاع بهذه الفضاءات الطبيعية بسبب تصرفات بعض المتهورين أو غير المتمكنين من السباحة، لا يمكن أن يكون حلا متوازنا أو مستداما.

إن المطلوب ليس منع السباحة، بل تنظيمها وتأطيرها. فبدل الاكتفاء بلوحات المنع والتحذير، ينبغي العمل على تحديد المناطق الآمنة للسباحة، وتوفير فرق للإنقاذ والمراقبة خلال فترات الذروة، وتعزيز حملات التوعية التي تركز على السلوك السليم داخل الفضاءات المائية، خاصة لفائدة الأطفال والشباب.

كما أن المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق المنتخبين والجماعات الترابية والمؤسسات المعنية، التي يفترض أن تستثمر في إنشاء المسابح العمومية ومراكز تعلم السباحة، حتى يكتسب الناشئة مهارات التعامل مع الماء بشكل آمن. فالسباحة ليست خطرا في حد ذاتها، بل إن الخطر يكمن في ممارستها دون تكوين أو في أماكن مجهولة العمق والتيارات.

ومن الجانب الاقتصادي، فإن أي توجه نحو المنع الشامل للسباحة في مناطق مثل بين الويدان أو أوزود ستكون له انعكاسات سلبية مباشرة على النشاط السياحي المحلي. فالزوار الذين يقصدون هذه الوجهات بحثا عن المتعة والاستجمام قد يختارون وجهات أخرى، وهو ما سيؤثر على مداخيل الساكنة المحلية وعلى مختلف الأنشطة المرتبطة بالسياحة.

إن مواجهة ظاهرة الغرق تتطلب رؤية متوازنة تجمع بين الحق في الاستمتاع بالمجال الطبيعي والحق في السلامة. ولذلك فإن الأولوية يجب أن تعطى لتعليم السباحة، وتوفير البنيات التحتية المناسبة، وتعزيز وسائل الوقاية والإنقاذ، بدل الاقتصار على منطق المنع الذي قد يحرم آلاف المواطنين من متنفسهم الصيفي دون أن يقضي بشكل نهائي على أسباب الغرق.

فقبل التفكير في منع السباحة، ينبغي التفكير في تعليمها وتنظيمها وتأمين شروط ممارستها. فالمجتمعات التي نجحت في الحد من حوادث الغرق لم تفعل ذلك بمنع الناس من الاقتراب من الماء، بل بتعليمهم كيف يتعاملون معه بأمان ومسؤولية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!