في وقتٍ تشهد فيه مختلف مناطق المغرب موجة حر غير مسبوقة بفعل تأثير رياح “الشرقي”، تنفرد مدينة تطوان وشريطها الساحلي الممتد من سبتة إلى واد لاو بأجواء مغايرة كليًا. أجواء يغلب عليها الهواء الرطب وانخفاض محسوس في درجات الحرارة، إلى درجة أن الجلوس في الفضاءات الخارجية أصبح متعذرًا مساءً بسبب البرودة.
وهنا يطرح سؤال طبيعي نفسه: لماذا يظل شرقي تطوان بارداً، في حين يحول “الشرقي” باقي المدن إلى أفران لاهبة؟
على سبيل المثال، سجلت مدينة العرائش القريبة من تطوان 42° يوم الأحد، بينما لم تتجاوز الحرارة في تطوان 27°.
عوامل متعددة تفسر هذا الاستثناء المناخي:
● عامل الرياح:
الرياح تلعب دوراً محورياً في تحديد طقس تطوان، ويمكن تصنيفها إلى نوعين:
-
الرياح الغربية: قادمة من المحيط الأطلسي، تصل إلى تطوان بعد عبور اليابسة والجبال، فتفقد رطوبتها وتتحول إلى رياح حارة وجافة في الصيف.
-
الرياح الشرقية (الشرقي): أصلها من الصحراء الكبرى، لكنها تمر فوق البحر الأبيض المتوسط قبل بلوغ تطوان، فتصبح محمّلة بالرطوبة وتصل إلى المدينة بأجواء منعشة نسبياً.
وهنا يظهر تباين واضح:
-
شرقي تطوان: يتميز صيفًا برطوبة مرتفعة ودرجات حرارة منخفضة، على عكس باقي المناطق المجاورة كطنجة وأصيلة ووزان والعرائش، التي تشهد درجات حرارة مرتفعة جدًا (العرائش سجلت 43.4° كأعلى رقم لها في يونيو).
-
شرقي باقي المغرب: يمتاز بجفاف شديد وحرارة مفرطة، ويُعرف بتسميات مختلفة حسب المناطق مثل “الشرڭي”، “الشاوم”، أو “الحومان”.
● عامل التضاريس:
تلعب التضاريس الجبلية المحيطة بتطوان (سلاسل الحوز وغورغيز حتى كيلتي) دوراً كبيراً في التحكم في حركة الكتل الهوائية، سواء الشرقية أو الغربية.
-
هذه الجبال تعيق وصول الرياح الرطبة من الغرب مباشرة، فتفقد الأخيرة رطوبتها قبل بلوغ الساحل.
-
كما ترفع الرياح الشرقية الرطبة عند وصولها، فتتكاثف وتتحول إلى ضباب وغيوم، ما يجعل تطوان من أقل المدن المغربية تسجيلاً لأيام التشميس.
التأثير على الإنسان ونمط الحياة:
رغم أن “شرقي تطوان” يجنّب السكان الحرارة المفرطة، إلا أن رطوبته العالية – التي تتجاوز 75 إلى 85% طوال السنة – تجعل مناخ المدينة من الأصعب من حيث التكيف البشري.
الآثار الصحية تشمل: زيادة حدة الربو، ضعف التركيز، الشعور بالإرهاق المستمر، صعوبات في الاستيقاظ، وأعراض كالدوخة والصداع.
كما تؤثر الرطوبة على المزروعات، الأزهار، والأبنية وحتى الممتلكات الخاصة كالسيارات والنوافذ والأبواب الحديدية التي تتعرض للصدأ والتلف بسرعة.
في الختام:
شرقي تطوان هو استثناء مناخي بامتياز، يحمل جانبًا من الراحة والانتعاش، لكنه في الوقت ذاته يحمل تحديات بيئية وصحية جدية لسكان المنطقة.
الصراع بين الإنسان التطواني و”شرقيه” قصة مستمرة، فيها من البركة بقدر ما فيها من المعاناة.
















































