
سعيد عطا / القنيطرة
نعيش اليوم على أخبار ما جرى في الموقع الحدودي الكركرات، والذي مع كل الأسف كان موقفا أقل ما يمكن أن يوصف به أنه موقف صبياني ارتجالي من جماعات تعيش خارج التاريخ، جماعات لا زالت تؤمن بالفكر الامبريالي وتسعى إلى تقسيم المغرب بإيعاز من شيوخ الحرب الجزائريين الذين أعمتهم أطماعهم إلى درجة أنهم سخروا كل إمكانيات الشعب الجزائري الشقيق لشراء ترسانة من الأسلحة المتطورة، متجاهلين معاناة شعبهم من الجوع والفقر اللذين عششا في بلاد يفترض أن يكون شعبها من المواطنين الميسورين عالميا، نتيجة امتلاك الجزائر لكمية هائلة من البترول، لقد أَسْمَيْتُ الجماعة الضاغطة والمتحكمة في زمام الأمور بالجزائر بشيوخ الحرب، ولن أطلق عليهم جنرالات الجزائر كما ألف البعض تسميتهم، لأن الجنرالات هم أناس ينتمون إلى الجسم العسكري تُحَرِّكُهُمْ استراتيجيات وتكون لهم عقيدة يؤمنون بها ويدافعون عنها نابعة أساسا من مصلحة مواطنيهم، أما هذه الشرذمة مع كل الأسف فهي كمصاصي الدماء تعتاش على افتعال المشاكل لتقمع شعبها مدعية أنها تعيش زمن الحرب مع الجار العدو، وذلك في غياب أي استراتيجية أو رؤية مستقبلية اللهم أجندات المستعمر الذي يفرض عليهم معادات المغرب من أجل إطالة أمد التوتر في المنطقة ومن أجل إيجاد ذرائع تخول لهم حكم الشعب الجزائري الشقيق بيد من حديد، متخذين من مؤسسة الرئاسة الجزائرية واجهة لتلميع صورتهم لدى الرأي العالمي.
الكل بات يعرف النوايا الخبيثة لشيوخ الحرب الجزائريين، والتي سعوا لها منذ بداية افتعال مشكل الصحراء المغربية، حيث كان الغرض الأساسي من تدخلهم السافر هو عزل المغرب عن عمقه الاستراتيجي في الصحراء المغربية والذي كان على مر العصور النقطة الرئيسية التي بنى عليها المغرب قوته منذ المرابطين مرورا بالموحدين ثم المرينيين ثم الوطاسيين فالسعديين وأخيرا العلويين، كانت الصحراء على امتداد هذه العصور الرافد الأساسي للقوة البشرية والمادية والمعنوية المغربية، فالصحراء المغربية لم تكن في يوم من هذه الأيام تسمى بهذا الاسم بل كانت جزءا أصيلا من المغرب، لكن حينما قُدِّرَ للمغرب أن يئن تحجت وطأة الاستعمار، بدأت هذه التسميات الخبيثة تدخل القاموس السياسي الذي فرضته الامبريالية العالمية، وأصبحنا مع كل الأسف نلوك هذه التسميات كما نلوك خبزنا اليومي لأن قوة المستعمر فرضت علينا نحن الضعفاء أن نعيد وراءهم كالببغاوات أسماء مثل الصحراء والشلوح والبرابر والأمازيغ واجبالة والعروبية وما إلى ذلك من أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، فالمشروع الفرانكفو ـ كولونيالي كان دائما يسعى إلى هذه التفرقة ويشجعها لأنه مشروع بني أساسا على الاعتياش على خيرات مستعمراته، ولقد انضاف إلى هذا المشروع مشروع جديد هو مشروع الشعبوية الجديدة بمفهومها الضيق والذي مع كل الأسف استقى مقوماته الأساسية من المشروع الفرنكو ـ كولنيالي، أي تفرقة أبناء الشعب الواحد وجعلها كيانات متطاحنة متنافرة فيما بينها لخدمة الأجندات الأجنبية، فعوض الوحدة نجد بعض الجماعات من بني جلدتنا يسعون إلى التفرقة لأنهم بها يَتَقَوَّوْنَ وبها يغتنون على حساب شعوبهم، وخير دليل على ما أقول عرقلة شيوخ الحرب الجزائريين لمشروع المغرب العربي الذي أسس له المرحوم الحسن الثاني وأجهضته شرذمة شيوخ الحرب الجزائريين، متناقضة مع نفسها حينما قالت: ” على المغرب أن يترك الشعب الصحراوي يقرر مصيره بيده”، وهي ترتمي في أحضان كيان يدعو إلى الوحدة لا إلى التفرقة.

أنا على يقين تام أن شرذمة شيوخ الحرب الجزائريين لو تركت الشعب الجزائري يقرر بنفسه لاختار وحدة المغرب بأغلبية ساحقة ولَنَبَذَ مشروع التفرقة التي تدعوا له هذه الشرذمة، ولتكن عند هذه الشرذمة الشجاعة ولو مرة واحدة وتنظم استفتاء وسط شعبها حول الصحراء المغربية، فسترى بأم عينها وستعيش تجربة قاسية تقلب كل تكهناتها لأن الشعب الجزائري المقموع يحمل من الحب والتقدير للشعب المغربي ما لا يقدر بثمن، وهذا الحب والتقدير هو متبادل بين الشعبين الجزائري والمغربي. فحتى لو أن التسميات أصبحت بفعل الزمن تسميات معتادة فإن التاريخ لو سألناه سيبين لنا تلك الوحدة الروحية والعرقية واللغوية التي تجمع ما بين شعوب المغرب العربي الكبير من ليبيا إلى موريتانيا وقد نضيف لها غرب مصر أيضا عبر عصور كان المغرب الإسلامي الكبير يعيش عهد الإمبراطوريات القوية التي استقلت بذاتها وقدراتها عن الشرق وعن الغرب، لا زلنا نعيش بأرواحنا وكياناتنا هذه الوحدة ونشعر بها بالرغم من تباعد الزمان والمكان فهذه لويزة حنون، رئيسة حزب العمال الجزائري تصرح من قلب الجزائر:
“ أنا أعبر عن موقف عدد كبير من الجزائريين الرافضين لسياسة البلاد الحالية تجاه قضية الصحراء المغربية، وأنا أدافع عن وحدة التراب المغربي كاملا، وأرفض انفصال الصحراء عن المغرب ”
هذا تصريح بين جلي واضح لا لبس فيه ولا غبار عليه صدر من جهة تمثل جزءا كبيرا من الشعب الجزائري اتسم بالشجاعة الأدبية والمعنوية وعبر عما يجيش في خاطر الأغلبية الساحقة من الجزائريين، لأن الشعب الجزائري الشقيق يمثل بالنسبة للمغاربة عمقهم القومي، فتضرر الجزائري هو تضرر للمغربي، وقد تبين ذلك خلال فترة استعمار الجزائر والتي تميزت باحتضان المغرب لعدد كبير من الجزائريين، ومد المقاومة الجزائرية بالسلاح والمال والرجال، وكانت مدينة وجدة معقلا لرجالات المقاومة الجزائرية وأطرها، لن أذكر الأسماء لأن معظمها باع ضميره للشيطان مقابل حفنة من الدولارات، ولا زالت الشواهد بينة على ذلك، المغربي فتح باب داره للجزائري وآواه وأغدق عليه بكل ما يملك دون أن يتردد أو يدخل في حساباته الربح والخسارة، وكان هم المغربي أن يوفر لأخيه الجزائري كل مقومات الراحة من أجل أن يساعد في مشروع التحرير الجزائري وفي بعض الأحيان كان يقدم نفسه أو أبناءه لأخيه الجزائري من أجل حمل السلاح والدود عن أراضي الجزائر الشقيقة بغية تحريرها من المغتصب الفرنسي، ولقد داق المغاربة الويلات من الفرنسيين حتى وهم محررين بل كان من أسباب استعمار المغرب دفاع أبنائه عن الجارة الجزائر. ولم يكن هذا الدفاع مشروطا أو لأسباب سياسية أو اقتصادية بل كان دفاعا عفويا نابعا من قناعة المغربي أن الجزائري هو أخ لا يمكن أن يهنأ المغربي إلا برفع الظلم والحيف الذي سلط عليه من طرف المستعمر. كان المغربي يتحرك لوازع ديني وقومي مشترك ولم يكن يتحرك لوازع ارتزاقي كما يفعل شيوخ الحرب الجزائريون حاليا.

الأشقاء الجزائريون يعيشون حاليا مأساة اقتصادية كبيرة عَمَّ فيها الغلاء وتدنت الخدمات الاجتماعية إلى مستوى كبير، والسبب الرئيسي بَيِّنٌ وواضح هو التمويل الجنوني لحرب الصحراء أي إغداق شيوخ الحرب الجزائريين على لقيطهم البوليزاريو بكرم فاق الحاتمي وذلك دون حسيب أو رادع، ولقد أوضح السفير والممثل الدائم للمغرب في الأمم المتحدة السيد عمر هلال من قلب مقر الأمم المتحدة تعقيبا على فقرة في تقرير الأمم الأخير تتحدث عن سوء التغذية لدى ساكنة تندوف حيث قال:
“ دبابة روسية واحدة من نوع T72 لدى البوليساريو تكفي لغذاء 7018 مواطن صحراوي في مخيمات العار طيلة سنة … وضمان التغطية الصحية لـ19355 صحراوي بتندوف طيلة سنة … ومصاريف تعليم 6186 طفل صحراوي في السنة … بما أن ثمن الدبابة الروسية يبلغ 1.2 مليون دولار.
هذه الدبابة، إلى جانب سيارة حاملة للمدفع والكلاش التي أشار إليها عمر هلال في الندوة، تتكفل بشرائها الجزائر وتمنحها للبوليساريو … وتدعو مقابل ذلك الدول الغربية والمنظمات الإنسانية لتقديم مساعدات غذائية لساكنة تندوف.

“واللبيب بالإشارة يفهم” هذا الكلام موجه أيضا لإخواننا الجزائريين الذين يعانون من ويلات قلة الحاجة بسبب الإفراط في تبذير ميزانية الشعب على تسلح مرتزقة البوليزاريو، فشيوخ الحرب عندكم لا تهمهم معاناة شعبهم بل كل ما يهمهم هو أرصدتهم المالية في البنوك الأجنبية والتي كدسوا في خزائنها أمولا باهظة بفعل المضاربات التي مارسوها في تجارة الأسلحة، إضافة إلى الإعانات التي يتلقونها من دول أوروبية تسعى إلى تكريس الوضع الحالي ليبقى ملف الصحراء ورقة رابحة يهدد بها الشعبان الجزائري والمغربي معا، هذه الإعانات التي من المفروض أن تصرف على الشعب الصحراوي المغرر به والذي تزداد معاناته في مخيمات الذل والعار بنتدوف، بل هذا الجوع والعطش الذي يعيشه إخواننا الصحراويون المحتجزون بمخيمات الويل والعار هو مفتعل لأن شيوخ الحرب الجزائريين مع كل الأسف يصرفون جزءا من هذه الأموال على شرذمة من المرتزقة الذين يأتون بهم من خارج المغرب أو حتى من خارج القارة من أجل الاستعراض وإظهار قوة زائفة للعالم يراد بها كسب عطف العالم المانح، أما الجزء الكبير فيذهب إلى أرصدة شيوخ الحرب الجزائريين في الأبناك الدولية، وأتحدى أي شيخ من هؤلاء الشيوخ أن لا تكون له أرصدة في هذه الأبناك، في حين أن الشعب الصحراوي الحقيقي محتجز يُلْقَى له بفتات الخبز، لهذا السبب وليس إلى سبب تقرير مصير الشعب الصحراوي لا زال شيوخ الحرب الجزائريون يصرون على تعنتهم ويطيلون في أمد قضية ولدت من أول يومها ميتة.

إلى شيوخ الحرب الجزائريين أقول لن تنالوا من المغرب ولا من وحدته الترابية مهما حاولتم، ولن يستطيع أحد إخراج المغرب من صحرائه حتى ولو استعنتم بكل المشاريع الإمبريالية العالمية، وحتى لو كدستم كل سلاح العالم، المسألة بسيطة حاول من هم أكثر منكم قوة وذكاء أن يجعل المغرب كيانات متناحرة ومتنافرة لكنهم فشلوا أمام صخرة العزيمة المغربية، فاسألوا التاريخ إن كنتم جاهلين، وحاولوا أن تقرأوا شيئا من تاريخ المغرب، ولو أنني متيقن أنكم لا تعرفون من القراءة إلا المذكرات التي تأتي لكم على شكل أوامر من أسيادكم، وأنا أشك في وطنيتكم، لأن الجزائريين جبلوا منذ القدم على حب العربي المسلم، ولم يَكِنُّوا يوما لإخوانهم المغاربة عداوة فجبهة التحرير التي تتحججون بها هي جبهة ولدت بالمغرب وكان تمويلها من المغاربة في شكل إعانات عفوية ولم تكن هذه الجبهة في يوم من الأيام مشروعا إمبرياليا بل كان مشروعا وطنيا قوميا يسعى إلى تحرير الجزائر ووحدة شعبه والدفاع عن امتداده وعمقه التاريخي في المغرب وفي كل البلدان المجاورة، لم تكن جبهة التحرير الوطني الجزائرية في يوم من الأيام مشروع تفكك وتشتت بل كان مشروع وحدة مغاربية، وما نشهده اليوم من حزب سمى نفسه باسم جبهة التحرير هو مخالف تمام الاختلاف لما أراده السلف لهذه الجبهة العتيدة، فلا تغرنكم الأسماء يا إخوتي في الجزائر، فجبهة التحرير انتهى دورها الريادي الوحدوي مع شرذمة شيوخ الحرب. ندائي لكم أن تستمروا في انتفاضتكم وثورتكم التي بدأتم بها قبل مجيء جائحة كوفيد فهي المُخَلِّصُ لكم من هذه الشرذمة المتسلطة على رقابكم.















































