ضجة الفيفا..محاولة للفهم

Filali19 يونيو 2015آخر تحديث :
ضجة الفيفا..محاولة للفهم
MANDELA_BLATTER_280515

لا شك بأن المبادرة الأمريكية التي عجلت بإطلاق حملات التحقيق الجنائي في وجه قيادات الفيفا المتهمة بالارتشاء و الابتزاز المالي، قد ألحقت بهذه المؤسسة الكروية رجة غير مسبوقة من شأنها تقويض أسسها الهيمنية بعد أن ظلت على مدى عقود خلت مزهوة بحصانة مؤسساتية متعالية عن منطق الأشياء.

فمجمل السيناريوهات المتداعية عن التحريات التي يقودها كل من مكتب التحقيق الفيديرالي الأمريكي ثم جهاز الإدعاء العام السويسري، تكرس الإنطباع بأن ثمة إصرار حثيث على تعديل هندسة القرار الكروي العالمي، سيما بعد استقالة جوزيف بلاتير أسبوعا فقط عقب إعادة تنصيبه للمرة الخامسة، ثم تجميد الأرصدة البنكية للمشتبه فيهم، و كذا تهافت الجهاز التشريعي السويسري قبل ذلك على صياغة قانون يقضي بتجريد الإتحادات الرياضية الموجودة فوق الأراضي السويسرية من أية حصانة قضائية و بالتالي تحويل قضايا الفساد الصادرة عن أجهزتها و أعضائها إلى تهم جنائية بدل تركها في عهدة التفاف إداري ملتبس.

إجراءات فارقة و غير مسبوقة استهدفت إذن “إمبراطورية بلاتير” و هزت أركانها لدرجة أصبح الرأي العام الدولي يكثف من مساعي استيعاب الأبعاد الحقيقية لما جرى، خصوصا و أن روائح التدليس و الفساد قد ظلت منذ عقود تزكم دهاليز الفيفا دون أن تستنفر المجتمع الدولي..فلمذا يا ترى تفجير هذا المسلسل الفضائحي في هذا الظرف بالذات؟؟..

لقد ظل الأتحاد الدولي على مدار عقود مديدة من الزمن الكروي يكتسي طابع الكيان الإمبراطوري الذي لا يشق له غبار، إلى درجة مضاهاته لمنظمة الأمم المتحدة من حيث القيمة الإعتبارية حسب ما استخلصه مؤسس معهد العلاقات الدولية و الإستراتيجية “باسكال بونيفاس”، الأمر الذي تمخض عنه مع مرور الزمن تطاولا مبالغا فيه من طرف صقور الفيفا على بعض ثوابت النظام العالمي المنضبط راهنا لمقومات الثقل السياسي، الإقتصادي و الإيديولوجي للتنين الأمريكي الذي لم يستسغ كبوته “الكروية” أمام كيان مجهري متمركز فوق رقعة ضيقة من صحاري شبه الجزيرة العربية و جنوب غرب آسيا إسمه قطر.

 فمنذ حسم الفيفا في الوجهة القطرية، أطلقت القوى الغاضبة حملة تجييش متعددة الأبعاد الغاية منها تشكيل رأي عام دولي حانق على مؤسسة بلاتر، كمقدمة لإشهار مخطط الإطاحة بها جنائيا استنادا على قرائن و أدلة مستخلصة في غمرة معركة سرية قادها قطب أوروبي-أمريكي محكوم بتحدي إرجاع الإتحاد الدولي إلى جادة الصواب، معركة اتخذت أبعادا اقتصادية إعلامية و استخباراتية عجلت بتهجين مؤسسة كروية انطلت عليها ربما تلك اللعبة التي ظلت متدثرة خلف اتفاقية العمل المشترك مع جهاز الأنتيربول في إطار مشروع مكافحة الفساد الرياضي داخل الأندية و الإتحادات الوطنية و القارية، قبل أن تتحول في الكواليس إلى قاعدة خلفية لمخطط استخباراتي أنيط به تزويد الحلف الأمريكي و الأوروبي بمفاتيح العلبة السوداء لإمبراطورية “بلاتر”..

نخلص إلى القول على هدي ما سلف ذكره بأن المعطيات الناظمة لموازين العلاقات الدولية كانت دائما و ستظل هي المتحكمة في كل مفاصل النسق المؤسساتي الدولي، فما على شعوب العالم سوى ترقب خضة تاريخية أخرى لتوطين فرز إيديولوجي عالمي بديل مؤسس على منطق الإنصاف و تكافؤ المصالح حتى لا تظل حملات تحريك الفضائح الرياضية الكبرى مرتهنة فقط لغضب و مزاجية القوى العظمى.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!