أخبار الفجر المغربية/ تقرير: سعيد عطا
توصلت بأول دعوة كريمة خلال سنة 2023، الدعوة كانت شخصية وهذا ما زاد من أهميتها بالنسبة لي، كانت الدعوة من فرع الشبيبة الاستقلالية بالقنيطرة في شخص كاتبه حمزة كعوشي، شاب أعرفه شخصيا خلوق مثقف جامعي تقاطعت سبلي معه وتجاذبنا أطراف الحديث فأحسست أنه يحمل هم الوطن والمواطنين مثلي، كان هذا سببا كافيا لتلبية الدعوة، ولم أكن أنوي الذهاب إلى هذه الندوة للاتقاء بوجوه ألفت التقاءها وأنا مناضل في صفوف حزب الاستقلال وهياكله الموازية وأدرعه النقابية بمدينة القنيطرة، لأن ما تعرضت له من ازدراء وتجاهل وإقصاء ـ من طرف بعض الأشخاص الذين ما زالوا في دواليب الحـزب ـ تنـوء به الجبال، انسحبت من حزب تربيت فيه مكرها، وعدت أتلقى أخباره عبر وسائل إعلامه وعن طريق بعض الأصدقاء، ولكنني عزمت على مقاطعة كل أنشطته حتى لا أكون ديكورا يؤثث لمشاهد يراد بها حفظ ماء الوجه، أو كرسيا يزيد في أرقام عداد الحاضرين رقما آخر، لبيت الدعوة الكريمة وكلي أمل أن أشارك في إغناء النقاش كما طلب مني.
وصلت بوابة غرفة التجارة بالقنيطرة وهو المقر الذي اختارته اللجنة المنظمة لاحتضان هذه الفعالية في الساعة التي يحملها مطبوع الدعوة، (يوم السبت 11 مارس 2023 على الساعة الرابعة والنصف زوالا)، التقيت ببعض الأصدقاء الذين شاركوني النضال داخل دواليب الحزب، كان العناق والحضن قويا أبان عن تلك الرابطة الإنسانية العفوية التي تربطني بهؤلاء الأصدقاء، لم لا وقد انسحبت من النشاط الحزبي مكرها وكانت يدايا نظيفتين وجبيني مرفوعا، فنضالي في الحزب لم يكن يوما من أجل منصب أو كرسي، ولم أغير جلدي إلا حينما استهدفت مباشرة وبلغني التهديد بطريقة نبهني لها بعض الأصدقاء، أي نعم انخرطت في نقابة أخرى ولكن حماية لنفسي فأنا أعلم جيدا خبث بعض الأشخاص (الأطر النقابية) الذين يجاهرون بعدائهم للآخرين ويفعلون الأفاعيل من أجل الضرر بهؤلاء ولهم في ذلك قصص كثيرة لا مجال لذكرها هنا، المهم أنني حميت نفسي وهذا ما كنت أقصده بالانخراط في هذه النقابة التي لم أنشط بها كثيرا ولم أحضر إلا لاجتماعات معدودة خاصة بمكتبها الذي أقحمت فيه من أجل الإفادة والاستفادة حسب قول أطر هذه النقابة، أنا هنا لا أدافع عن نفسي فعودتي إلى النقابة طواعية بعد سقوط تلك الوجوه مع تغيير القيادة النقابية، دليل قاطع على أنني لم أبرح النقابة والحزب يوما من الأيام، المهم لأعود مرة أخرى إلى الفعالية ومساراتها.
دخلنا قاعة الندوات التي غيرت جلدها كلية حيث قام المسؤولون على غرفة التجارة فعلا بتجديد هذه القاعة لتصير في حلة جميلة، جلست على كرسي في الصفوف الأولى لأن القاعة كانت فارغة إلا من خمسة أو ستة أشخاص، وبدأ مع جلوسي مسلسل الانتظار اللعين الذي ألفته وأنا مناضل في الحزب، هذا المرض اللعين لا زال ينخر جسد سياستنا ولا زالنا في كل تظاهرة نريد حضورها نحشر في طابور الانتظار عيوننا على الأبواب وأعناقنا اعوجت من كثرة الالتفات إلى الوراء، في فترة الانتظار الطويلة هذه تجاذبت أطراف الحديث من أحد الأصدقاء، وأول هَمٍّ كان يحمله وهو مناضل قديم بالحزب تقاسمه معي بعفوية وبعبارة ألفتها: “الحضور قليل” هذه العبارة التي ترددت أكثر من مرة خلال مشواري النضالي وكنت أتساءل عن السبب، هل فعلا أن هنالك خلل ما يعيق التحاق مناضلي الحزب بالاجتماعات؟ أم أن هذه الاجتماعات لم تعد تهم المواطن المناضل أساسا نظرا لروتينيتها واجترار الكلم الغير المفيد فيها؟ أسئلة لن أستطيع الإجابة عنها ولكن يمكن القول بفشل أحزابنا الوطنية في عملية تأطير الشارع النابع أساسا من الجرعة المفرطة في عدم الثقة التي باتت تنخر العلاقة بين الأحزاب الوطنية والمواطن المغربي.

بعد أزيد من ساعة قضيناها في الانتظار وفي تبادل الأحاديث على هامش التظاهرة، انطلقت الفعالية التي كانت عبارة عن ندوة اختار لها المنظمون وسم: “برنامج عمل الجماعة؛ قراءات متقاطعة” اعتلى المنصة السيد حمزة زلماط عضو الشبيبة الاستقلالية فرع القنيطرة كمسير للفعالية، والأستاذ مبارك الطايعي أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن طفيل القنيطرة، والسيد ربيع الشهب مستشار بجماعة القنيطرة عن اللائحة المستقلة، والسيد إدريس شنتوف كاتب مجلس جماعة القنيطرة وعضو محلي في الشبيبة الاستقلالية، ومن خلال هذه الفسيفساء يتضح أن المنظمين أرادوا أن يجعلوا من مبدأ الرأي والرأي الآخر حاضرا، استهلت الندوة بتقديم لمسير الجلسة الذي رحب بالحاضرين وبروتوكول الشكر لكل المساهمين في الفعالية، وأعطى الكلمة كما جرى التقليد لكاتب الشبيبة الاستقلالية السيد حمزة الكعوشي الذي سار على العادة المتبعة في مثل هذه التظاهرات الشكر ثم الترحاب والتعريف بماهية النشاط الذي يدخل ضمن الأنشطة المعتادة لمنظمة الشبيبة الاستقلالية والذي يهدف بالأساس إلى انفتاح المنظمة محليا وإقليميا وجهويا على ما له راهنيته في الفعل السياسي المغربي.
انبرى الأستاذ الطايعي ليعالج مفهوم برنامج الجماعية على وقع مقاربة قانونية استطاع من خلالها تقريب هذه الوثيقة إلى أذهان الحاضرين، حيث رأى في قراءته على أنها قراءة نظرية قانونية مؤطرة لعمل الجماعة، مبرزا العناصر التنظيمية المؤسسة لهذه الوثيقة والتي رآها في جانبين الأول وهو الجانب القانوني والثاني هو جانب الروح العامة التي تؤسس لها هذه الوثيقة، وأكد السيد الطايعي على أن الوثيقة في حد ذاتها لا يمكن تقديمها بشكل منعزل لأنها على علاقة وطيدة بأهم خلية لتذبير الشأن المحلي، كما أن الدولة في للمجال الترابي اعتمدت رؤيا جديدة فيما يخص تدبير الشأن المحلي والجهوي، فهذه الوثيقة هدفت بالأساس إلى ثلاثة أبعاد رئيسية البعد الاجتماعي والبعد الاقتصادي والبعد البيئي، فمفهوم التنمية تغير ولم تصبح الدولة هي مركز هذه التنمية، وهنا تغيرت الاختصاصات أيضا التي انصبت على إعادة هيكلة الجهة، حيث أصبحت بحكم هذه الوثيقة عبارة عن جسم واحد تتفرع عنه خلايا، أصبح إدن مفهوم التنمية ذو رؤية شمولية، تطرق الأستاذ الطايعي إلى مفهوم الجهوية المتقدمة والذي يحبذه بالدرجة الأولى والذي يجعل من الدولة مشاركة في التنمية المحلية في حين أن الجهوية الموسعة تجعل من الدولة ترفع يدها عن المساهمة من هذه التنمية، ورأى الأستاذ أيضا أن الديمقراطية التشاركية تنتج عن تراكم مستوى الثقة بين الأفراد وعلاقات متينة بين الأفراد والمؤسسات، رأى الأستاذ الطايعي أن ما يعرقل هذا التقارب ما بين المؤسسات والأفراد هو نسبة الأمية التي لخصها في أرقام رسمية أي أن 40% من المنتخبين لم يتجاوزوا مستوى التعليم الإعدادي في حين أن 28% من هؤلاء لم تلج المدارس أساسا كما 18% من هؤلاء لم يتجاوزوا التعليم بالكتاتيب القرآنية وهذه معضلة تضعف لدى هؤلاء القدرة على التواصل، فيغيب بذلك أهم شرط من شروط الحوار ما بين المؤسسات والأفراد، إضافة إلى ذلك فالمغاربة في رأي الأستاذ غير مهتمين بالتقييم، رأى الأستاذ أيضا أنه من الواجب لنجاح المشاريع أن تبنى على مخططات قابلة للتنفيذ، كما رأى أن الإشكال موجود في التخطيط وليس في القوانين.
وفي كلمته حمل السيد ربيع الشيهب هموم المعارضة من خلال قراءة منهجية أبان فيها عن الهفوات والانزلاقات التي رافقت مرحلة إنجاز وثيقة الجماعة الخاصة بالمجلس الجماعي للقنيطرة، حيث رأى أن المجلس الجماعي لم يأخذ حقه في النقاش، ولم يمتلك تصورا واضحا للتنمية المحلية، كما أكد على أن البرنامج وجب وضعه بطريقة تشاركية وسجل من حيث المنهجية النقط التالية:
- غياب المقاربة التشاركية.
- المستشارون لم يشاركوا في إنجاز الوثيقة.
- لجنة القيادة وجب أن تضم مجموعة من المستشارين.
- عدم الانفتاح على باقي فئات المجتمع.
- لم يتم إسهام المجتمع المدني.
خلص السيد الشيهب إلى أن الوثيقة ليست في مستوى طموحات المدينة وانتظارات ساكنتها.
وفي كلمته شدد السيد إدريس شنتوف على أهمية الوثيقة كوثيقة مركزية اعتمدت ما سماها بالاتقائية والبعد التشاركي والتنسيق مع الجهات المشرفة (السيد العامل). وأكد السيد شنتوف من باب المسؤولية التي يتحملها داخل مجلس جماعة القنيطرة إلى أن هناك لقاء تشاوريا حضرته جميع فعاليات المدينة، كما أن الجماعة احترمت مجال السنة المخصص لإنجاز الوثيقة، رد السيد شنتوف على كل ما جاء في كلمة السيد الشيهب معتبرا كل كلامه مجانب للصواب لأن مرحلة إنجاز الوثيقة كانت مرحلة دقيقة تحتاج إلى شجاعة للخروج بهذا العمل من سراديب الإدارة إلى العموم في مدته الزمنية القانونية، أشار السيد شنتوف أن هناك جماعات لا زالت لم تنجز هذه الوثيقة وأن هناك جماعات أخرى كلفت مكاتب الدراسات من أجل إنجاز وثيقتها، وهو ما لم تقم به جماعة القنيطرة، وتأسف السيد شنتوف كون الانتخابات أفرزت خريطة سياسية غير منسجمة وهذا ما يزيد في عرقلة أعمال الجماعة كيفما كان نوعها.

لم أحضر النقاش مع كل الأسف لوعكة صحية ألمت بي، لكنني سأعمل على إدراج تصوري لما راج في الندوة، فهي أولا ندوة ذات بعد سياسي اجتماعي اقتصادي هام، إذ أنها بتت في أهم شق يخص الجماعة إلا وهو التنمية المحلية التي بدونها لن تعرف مدينة القنيطرة طفرة إلى الأمام، فالتنمية المحلية التي أصبحت بموجب وثيقة برنامج عمل الجماعة أساسية في الفعل السياسي، يجب أولا وقبل كل شيء أن تكون وثيقة تنتفي فيها الانتماءات الحزبية وتجعل من البعد الاجتماعي الشغل الشاغل لمنتخبينا لأنه هو المجال المستهدف من التنمية المحلية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا، هل المجلس البلدي الحالي قادر على الاطلاع بهذه المسؤولية الجسيمة؟؟ في الأوضاع الراهنة لا أظن ذلك، لن ألوم المجلس أو المنتخبين لأنهم نتاج فعل سياسي أفرزته أحزاب ابتعدت عن هموم المواطن البسيط وأصبحت تفكر في الكراسي داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية والجماعية قصد بلوغ المراد الذي هو الاستوزار أو رآسة المؤسسات سواء التشريعية أم الجهوية أم المحلية، فأحزاب غيرت جلدها واعتبرت النضال مسألة ثانوية وارتمت في أحضان المال عن طريق وضع “أصحاب الشكارة” على رأس لوائحها الانتخابية، موزعة تزكياتها بسخاء على أصحاب الأموال جاعلة مناضليها أشخاصا يكملون لوائحها ويحتلون درجات متدنية فيها، هؤلاء المناضلين الذين يقومون بالحملات الانتخابية ويناضلون من أجل بقاء وجود الحزب بل يدافعون عنه في شتى المحافل بغيرة كبيرة، لا حظ لهم في أن يكونوا أعضاء لا في المجالس الجماعية ولا في المؤسسات التشريعية، وهم من تمرسوا في السياسة لدرجة أنهم أصبحوا قادرين على قراءة كل البرامج السياسية قراءة نقدية، تعرف الغث والسمين وتفضي إلى إقرار برامج ذات حمولة اجتماعية تفيد بالإيجاب برامج الجماعات المحلية، أصبحت الحظوظ كلها إلى جانب أصحاب المال الذين يمولون الحملات الانتخابية للأحزاب التي زكتهم، وعينهم على المسؤولية من أجل خدمة مصالحهم وشركاتهم ومقاولاتهم، أنا هنا لست ضد أصحاب المال فهم مغاربة لهم الحق كل الحق في الترشح للانتخابات، ولكن أنا ضد أصحاب المال الذين لا ينتمون للأحزاب، وليست لهم رؤية سياسية واضحة بإمكانها أن تتحول إلى برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي شامل تستفيد منه البلاد والعباد، أنا ضد أولئك الرحل الذين يغيرون جلدهم كل مرة من أجل مصالحهم الشخصية، أنا ضد أولئك الأشخاص الذين ينزلون بالمضلات ويصبحون بين عشية وضحاها مسؤولين حزبيين كبار على المستوى الإقليمي يمحورون عمل الحزب على نقطة واحدة هي مصلحتهم الشخصية التي تفصل اللوائح الانتخابية على مقاسهم فتتحول اللوائح الانتخابية إلى شأن عائلي محض فترى المسؤول وزوجته وأبناؤه وأصهاره وأقرباؤه والمقربين له يسيطرون على اللوائح، في حين ترى المناضلين الحقيقيين للحزب مهمشين مضطهدين ينتظرون لحظة الفراق المؤلفة مع أحزابهم، ولقد وقع هذا لأحزاب وطنية كبيرة وهنا في مدينة القنيطرة وهذا لم يعد يخفى على أحد، هذا الفعل أصاب العمل الحزبي في مقتل وأصبح مناضلوه يفضلون عدم المشاركة في عملية التصويت، لأنهم لم يعودوا مقتنعين بها إذ تفضي هذه العملية إلى مجالس يغلب عليها أصحاب المال ويغيب عنها من يحمل هموم المواطن البسيط، ولقد زادت القوانين الانتخابية في الطين بلة هذه القوانين التي أعتبرها قوانينا إقصائية لأنها تقصي المناضلين الذين ليس لهم مالا وتعطي الحق لأصحاب الأموال ليتصدروا اللوائح الحزبية، القوانين الانتخابية التي تفرض اللائحة بأعدادها وبنسبها هي في الحقيقة إجحاف للأفراد، سيما حينما يتعلق الأمر بأشخاص لهم شعبية كبيرة في أحيائهم، يقدمون العون ليل نهار ودون أن ينتظروا مقابلا لذلك أو يبخلوا على الساكنة، وذلك عن طرق جمعيات المجتمع المدني أو بصورة شخصية، فالمجالس البلدية ليست هي التشريعية لأن عملها يكون بالدرجة الأولى عملا عن قرب وليس في دهاليز الرباط.
كانت هذه بمثابة مداخلتي التي كنت سأدلي بها في الندوة، ولو أنني أعلم أن مثل هذه الندوات تكون مقيدة بالوقت حتى لا يخرج الحديث عن لياقته، شكرا لمنظمي الندوة الذين أتاحوا لي فرصة المساهمة من خلال مادتي هاته.















































