عن الرياضة والسياسة علاقة جدلية، تحكمها مقومات الاقتصاد. ويؤطرها التكوين العلمي الرصين.

Mohammed El Filali30 ديسمبر 2020آخر تحديث :
عن الرياضة والسياسة علاقة جدلية، تحكمها مقومات الاقتصاد. ويؤطرها التكوين العلمي الرصين.

سعيد عطا / القنيطرة

لا يمكن بأي حال من الأحوال إبعاد الرياضة عن السياسة، فالسياسة هي الميدان الشامل الذي تدار فيه جميع الفعاليات المجتمعية منها الرياضة، ولا يمكن لأي نشاط رياضي أن يكون بعيدا عن السياسة لأنه أصبح يعتبر مقياسا تقاس به قوة الأمم، هذه العلاقة الجدلية التي تربط ما بين الرياضة والسياسة أصبحت مقياسا تقاس به فعالية الحكومات، فالحكومات كلها بدأت تأخذ من الرياضة السند القوي الذي يرفع من منسوب شعبيتها لدى العامة فمقابلة لكرة القدم لدولة ما لو رُبِحَتْ يرتفع منسوب الشعبية الخاص بحكومتها ولو خسرت يصب المواطن جام غضبه على هذه الحكومة، ولقد خَصَّصَتِ الدول وزارة لهذا الغرض تعددت تسمياتها حسب كل دولة، كما خُصِّصَتْ ميزانيات ضخمة لتنشيط الميدان الرياضي.

لكن ما يليق بالحكومات التي تحترم نفسها هي أن لا تتدخل في شؤون تسيير الشأن الرياضي بل تساعده وتراقبه من بعيد حتى لا يطاله الفساد، لأن الميدان له أصحابه وعلومه التي تدرس في المدارس العليا أي أصبحت الرياضة تدار بواسطة أطر أكفاء متخصصين في التسيير والتدبير الرياضي وفي الخطط والإدارة التقنية، ولم تعد الرياضة ذلك الميدان الذي يدخله من هب ودب،  فعلى الحكومات أن لا تتخذ من الرياضة مطية لأغراضها الانتخابوية الضيقة لأن هذه الفعلة هي التي تصيب الرياضة في مقتل، وهذا ما نريده من وزرائنا ورؤساء مجالس بلدياتنا وأحزابنا، لكن مع كل الأسف نرى ونلمس تطفل وزرائنا على الميدان الرياضي وهم لا يفقهون في الرياضة شيئا، كما فعل أحد الوزراء الذي يعد نفسه لولاية سياسية أخرى حين أعطى مبلغا كبيرا وبسخاء لأحد الفرق الرياضية، نفس الشئ يقع مع بعض الفرق التي يتدخل في شأنها التسييري رؤساء مجالس بلديات ويقرنون إعانة فرق مدنهم بشروط سياسية مقيتة.

الرياضة لم تعد ذلك الميدان الترفيهي الذي تلجأ إليه العامة من أجل الفرجة، الرياضة أصبحت ميدانا اقتصاديا يدر الأرباح الطائلة على الدولة، الرياضة أصبحت مؤسسات وشركات كبرى تدار بعقليات تجارية ربحية وتشغل آلاف بل عشرات الآلاف إن لم أقل مآت الآلاف من المواطنين ومن مختلف التخصصات، ففريق رياضي واحد أصبح مؤسسة كبيرة تبلغ ميزانيتها الملايير من الدولارات، هذه المؤسسة التي أصبحت مستقلة عن القرارات الرسمية تخضع للقوانين العامة للبلاد لكنها تسير من طرف مكتب مسير منتخب من طرف الأعضاء المنخرطين الذين يكسبون عضويتهم عن طريق مبلغ مالي سنوي يدفعه المنخرط للفريق ويدرج ضمن ميزانيته العامة، فهذا الانخراط السنوي في حد ذاته يكون بمثابة ميزانية قارة للفريق، تنضاف إليها مداخل أخرى مثل أثمنة تذاكر المباريات ومداخيل الإشهار، ومداخل المتاجر التابعة للفريق والتي تباع فيها أقمصة اللاعبين وتذكارات، إضافة إلى مطاعم وقاعات ترفيهية كل هذا يكون داخل الملعب الرياضي الذي يبنيه الفريق من ميزانيته الخاصة،

كما أن النقل التلفزي هو أيضا يكون دخلا مهما للفريق، ويلجأ النادي أيضا إلى بيع اللاعبين ولهاذا يحتاج إلى مدرسة لتكوين اللاعبين وتلقينهم ممارسة الرياضة وفق معايير عالمية أي يمكن للاعب أن يمارس هذه الرياضة في أي مكان بأريحية تامة، بالطبع مع لمسة الفريق وهويته، وهناك بعض الرياضات التي تلجأ إلى الرهان الذي يدر عليها أموالا طائلة، كرياضات الحلبة ورياضة ألعاب القوى مثلا، هذه الرهانات التي تعتمد على الغالب والمغلوب والتي تخصص مبلغا ماليا مهما للغالب ومبلغا هاما آخر أقل من الأول للمغلوب، كما أن البطولات العالمية والقارية هي بدورها تقوم على مبدأ ربحي محض أي “البيزنس” فالجامعات الدولية أو القارية التي تخصص أغلفة مالية كبيرة لبطولة ما هذا المال الذي تتنوع مصادره يوزع بسخاء على الفرق الرياضية واللاعبين الذين يحتلون المراتب الثلاث الأولى و ويكون الرياضي قد بلغ ذروة عطائه فيرتفع حس المنافسة الشريف إلى أعلى درجاته.

هذه هي الرياضة عالم قائم بذاته يمكن أن يرتقي بالأمم إلى مصاف الدول الراقية إن أحسن المسؤولون السياسيون استغلالها بعيدا عن المصالح السياسوية الضيقة، ويمكن أن تصبح عالة على الدولة والمجتمع إن تطفل عليها المتطفلون، فإلى المسؤولين عن الشأن الرياضي ببلدي أوجه ندائي ارفعوا أيديكم عن الرياضة فالعقليات التي سيرت هذا الميدان في بلدي عقليات بعيدة كل البعد عن التسيير الرياضي المبني على أسس علمية، فلا يكفي أن تكون صاحب مال كثير لتتسلط على فريق رياضي وتسيره بعقلية “مول الشكارة” أي عقلية صاحب القرار الأول والأخير، فالرياضة الآن هي ملاذ الفقراء في بلدي من أجل ضمان القوت اليومي لكن قد تصبح يوما ميدانا لتشغيل آلاف الشباب المغاربة إن حَسُنَ استغلالها من طرف المسيرين الذي وجب عليهم أن يكنوا مكونين تكوينا علميا رصينا في ميدان التسيير الرياضي، وهذا دور الدولة التي عليها أن تتدخل وتقنن هذا الشأن لتقطع الطريق أمام كل من هب ودب وسولت له نفسه أن يقطع رزق المواطن المغربي.

جدلية الرياضة والسياسة تبدأ من تغيير العقليات المسيرة أي على السياسيين أن يكونوا فعلا مؤهلين للميدان السياسي بعيدا عن سلطة المال، وعلى المسيرين الرياضيين أن يكونوا فعلا مكونين تكوينا علميا في المعاهد العليا الخاصة بالرياضة، يتقنون فن التسيير الرياضي، وأنا هنا لا أنفي أن يسير الرياضة سياسيون لكن عليهم أولا وقبل كل شيء أن يكونوا على دراية تامة بالتسيير الرياضي فقد ينجح المحامي أو رجل القانون في تسيير الشأن الرياضي لأن القانون الرياضي يحتاج إلى عارف بخبايا القانون وقد ينجح السياسي في تسيير الشأن الرياضي لكن عليه أن يأخذ من السياسة شقها الإيجابي وليس السلبي أي أن يعتمد السياسي على بلورة النادي وفق أهداف كبرى تضع نصب أعينها المصلحة العامة وليس مصلحة الشخص وحده. من هنا يمكن أن أقول بأن كل الأشخاص مؤهلين للتسيير الرياضي، لكن إن توفرت فيهم الشروط اللازمة لذلك. فلا تجعلوا من الرياضة البقرة الحلوب التي تدر عليكم الأرباح والمناصب وتتناسوا أن دور الرياضة بمؤسساتها الكبرى هو صلاح المجتمع ككل والرفع من منتوجه الفكري والاقتصادي.

 

 

هامش : هو موضوع استسقيته من نقاش دار بيني وبين الأخ عبد الرحيم سودادي عبر بوابة أخبار الفجر المغربية، بتاريخ 29/12/2020.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات تعليق واحد
اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
  • M.Q
    M.Q 30 ديسمبر 2020 - 1:27

    مقال ممتع أولا، ويضرب في العمق بطريقة جميلة جمعت بين الإنسيابية والضربات المباشرة لعمق القضية.

    والجميل أنك ابتعدت عن التيار التقليدي المندد بفصل السياسة عن الرياضة، وإنما واجهت أمر الواقع المؤكد لكون السياسة لا يمكن فصلها عن الرياضة، وإنما وجب الابتعاد عن ثنائية التحكم والخضوع، والعمل بمبدأ التكامل والإنتاج المؤدي إلى النفع المتبادل.

    تحياتي لك أستاذ سعيد 😊

error: Content is protected !!