
سعيد عطا / القنيطرة
لم يعد لا المنطق ولا القانون ولا الحق في بلدي شيئا معتبرا تعتمد عليه دواليب المسؤولية في تسيير شؤون المواطنين وتدبرها أثناء الأزمات، بل أصبح استعراض العضلات والقوة البدنية هو المتحكم في العقليات، وَفَقَدَ كل مسؤول في بلدي العقل وركب موجة العنف واستعملها ضاربا عرض الحائط بكل القوانين المدنية والجنائية، لم يعد الدستور كما علمونا هو روح كل القوانين المنظمة لجميع التعاملات مع الآخر: حيث جاء في الباب الثاني: الحريات والحقوق الأساسية:
الفصل 22
لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة.
لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية.
ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون.
هل فعلا هذا هو ما يطبق أم أصبحت الهراوة وقوة الأرجل والأذرع هي المُشَرِّعَ الحقيقي للقوانين في بلدي؟؟ هل هؤلاء الأشخاص غير عاديين فوق القانون لا يجري عليهم ما يجري على المغاربة؟؟ غُيِّبَ الحوار عنوة، لأن المسؤول ارتأى أن يفرض رأيه على الآخر بالقوة القاهرة، متناسيا أو متجاهلا كل القوانين والأعراف التي سارت عليها البلاد منذ القدم، فالتاريخ لا يرحم وكل زلة من زلات المسؤول ستبقى عالقة في الأدهان تختزنها دفات متون التاريخ، وتتذكرها الأجيال اللاحقة لِتُوصِمَ أصحابها بالخزي والعار.
عشنا مع كل الأسف أسوأ أيامنا مع مشاهد المطاردات البوليسية لرجال التعليم في شوارع الرباط، والتي تخللتها مشاهد العنف المفرط، من ضرب بالهراوات وسحل للأجسام الغضة لنساء ورجال التعليم، وتدخل مخزي لبعض أعوان السلطة الذين منحت لهم صلاحية التلاعب والتحرش برجال ونساء التعليم إلى درجة التفنن في العنف بشتى درجاته، وذلك كله تحت أعين المسؤول وبمباركة منه، لا يهم كيف ومتى وأين سيتم إسقاط هذه الأجسام وهل ستتعرض للضرر؟؟ المهم هو كيف سيعمل هؤلاء المُعَنِّفِينَ على بلوغ الكمال في العنف؟؟

فرجل التعليم الذي جاء إلى الرباط بوزرته البيضاء وطبشورته، اعترضته جحافل من رجال الأمن مدججة بأسلحة القمع الكثيرة والمتنوعة، ودون سابق إنذار تحركت الآلة القمعية بنظام وانتظام، تحصد الأخضر واليابس ولا تبقي على واقف أمامها، فسالت الدماء، وأصيب نساء ورجال التعليم بدعر كبير، كما أصيب عدد منهم بكدمات، وفقد العديد منهم وعيه، وانتهى التدخل برابح وحيد هو سيادة قانون العضلات المفتولة أو قانون الغاب، هذه المشاهد المخزية التقطتها عدسات الهواتف الذكية وانتشرت بسرعة في العوالم الافتراضية في كل وسائل التواصل المتاحة، فكانت الكارثة عظمى أن أصبح أعداء المغرب يتخذونها دريعة للخوض في إدراج بلدي الحبيب ضمن البلدان التي بها قمع ممنهج للمواطن المغربي الذي يطالب بحقوقه المهضومة من طرف المسؤولين، وكانت هذه الدريعة مع كل الأسف بابا فتح أما أعداء الوحدة الترابية للمغرب لقولوا للعالم كيف يمكن لبلد يقمع شعبه أن يحافظ على سلامة مواطنيه في كل ربوع البلد، لقد وجد أعداؤنا في الفضيحة مرتعا خصبا للتشدق بدفاعهم عن الديمقراطية وعن تقرير مصائر الشعوب، فالرعونة والهنجعية التي تعامل بها بعض رجال الأمن وأعوان السلطة إضافة إلى الأمر الذي تلقوه من طرف المسؤول لم يكن محسوبا بدقة، بل كان مع كل الأسف تصرفا خارج المنطق والقانون، فكيف بربكم يعامل رجل التعليم صانع الأجيال القادمة ومربيها بهذه الطريقة الوحشية أهو حقد أم جهل أم استهتار بالقوانين والأعراف.

كل هذا ممكن في ظل وضع يعيشه المغرب وبعد انتصارات ديبلوماسية ساحقة على أعداء وحدتنا الترابية، يعامل رجل التعليم، نخبة المجتمع بهذه الرعونة، من طرف أناس صبوا جام غضبهم عليه وكأنه عدو دخل إلى البلاد من أجل سلبها ونهب خيراتها، في حين أن رجال التعليم دافعوا عن حق مشروع هو استمرارية المدرسة العمومية التي يراد لها بفعل قرارات حكومية أن تندثر، التعليم العمومي الذي هو الملاذ الآمن لآلاف الأسر في القرى والمداشر والمدن، المدرسة العمومية التي هي طوق نجاة مجتمعنا من الهاوية، فهي التي بإمكانها إنقاد أبناء الطبقات المعوزة من الجهل كما أنها بمثابة صمام الأمان لهم من اللجوء إلى التطرف والأعمال الشاذة، التي يريد البعض أن يوصل المغرب إليها، فالتعاقد الذي خرج رجال التعليم من أجل إجهاضه، هو خطر يتهدد المدرسة العمومية ويصيب التعليم في مقتل، لأنه سيعمل على زحزحة الاستقرار الذي عرفه هذا الميدان منذ الاستقلال، فمصير رجل التعليم ومستقبله يجب أن يبنى على أرضية قارة وصلبة، لا على أرضية مهزوزة يكتنفها الشك، وتفكير المسؤولين في الميزانية التي يستهلكها التعليم هو تفكير قاصر يجب إعادة النظر فيه، ولا يمكن لأي جهة كانت أن تملي على المغرب سياسته التعليمية لأن هذه السياسة هي الوحيدة التي تمس الأمن القومي للبلاد وبالتالي كل انصياع لأوامر المنظمات المانحة للقروض أو لدول أخرى، هو مساس بالأمن القومي للبلاد وعلى كل مسؤول اختار هذا التوجه الأرعن أن يحاكم بتهمة المساس بالأمن القومي للبلاد، فالتعليم هو مستقبل المغرب وعلاقته وطيدة جدلية مع كل الميادين الأخرى، فإن فسد التعليم فسدت هذه الميادين وإن صلح التعليم صلحت جميع الميادين الأخرى، فاهتمام المسؤولين بالتعليم هو اهتمام بمستقبل المغرب، هذا الاهتمام الذي يبدأ مع الاهتمام برجال التعليم وتحسين وضعياتهم الاجتماعية والمالية، وتحسين هذه الوضعيات لن يكون بالتعاقد، بل يكون بوضعية قارة في الوظيفة العمومية تعطي لرجال التعليم أمنا مجتمعيا يؤهلهم للاطلاع بمهامهم على أحسن وجه، ودون تردد أو خوف أو شك في وضعيتهم.

أعود إلى مسألة التعنيف التي تعرض لها رجال التعليم والتي تكررت مع كل الأسف حتى باتت وضعية هيكلية، وأصبح رجال التعليم كلما نزلوا إلى الشارع يعلمون أن العنف سيطالهم، ويعرفون مسبقا أن أصحاب البدل الخضراء والزرقاء وغير ذلك سينهالون عليهم بالهراوات وسيسحلونهم في الشارع، ويشنفون مسامعهم بشتى عبارات السب والقدف، من هنا أتساءل هل فعلا سيدخل العون صاحب العضلات المفتولة في موضوع المساءلة القانونية الحقيقية؟؟، أم هو عيد المخدة الصيني فقط؟؟ هل فعلا سيطبق القانون كما جاء في النصوص؟؟ أم سيؤول ويفصل على مقاسات ذوي النفوذ؟؟ هل العون صاحب العضلات هو المسؤول عما جرى؟؟ أم هو عبد مأمور فقط علينا البحث بعمق لمعرفة من أصدر الأوامر؟؟
أسئلة أرفعها على الهواء وكلي أمل أن تجد إجابات شافية حتى لا تتكرر مثل هذه المأساة في بلدي فأبناؤنا ومستقبلهم في بلدي هو المدرسة العمومية فلا تعملوا على إقبار هذا الصرح الذي بدونه سيصبح مستقبل المغرب في خطر دائم ومستمر.
















































المهزلة الثلاثية ستعيق مسيرة النماء في بلدنا العزيز . المهزلة الثلاثية ابانت عن غياب مطلق للمثقف الذي يضبط لجام السياسي المتعجرف .
المهزلة الثلاثية رمت بنا الى سنوات الرصاص في الوقت الذي فتح باب الاصلاح و المصالحة و تسطير القوانين .