
سعيد عطا / القنيطرة
كعادتي ورغم الوعكة الصحية التي أمر بها، بادرت إلى تأدية فواتيري لاتصالات المغرب، الأنترنيت، والهاتف النقال، كنت حريصا دائما على الوفاء بالالتزامات التي تعودت تأديتها، منذ سنوات خلت، لم أتخلف يوما عن هذا الموعد حتى في أحلك الحالات، حينما كنا نتوجه إلى المكاتب الخاصة بالإداء والتي كنا نقضي فيها ساعات طوال، ننتظر دورنا في الطوابير الطويلة والمملة، كنا نتشاحن في بعض الأحيان، ونمطر بعضنا بعضا بنكت تخفف عنا عناء الانتظار، كل هذا لم يكن يمنعني من أداء واجباتي التي اعتبرتها دائما دينا على رقبتي، وحتى في الأوقات التي كنا نتدمر من ضعف الصبيب في الأنترنيت، أو انقطاع حرارة الهاتف الثابت، لم أعمل يوما على تأخير تأدية واجباتي، كانت أياما تتم فيها المعاملات بطريقة مباشرة، حتى أصبحنا زبناء معروفين عند موظفي الوكالة التي كنا نؤدي فيها واجباتنا، أكثر من هذا أصبحت لنا علاقة صداقة حميمة مع بعض الموظفين، كان كل شيء عاديا يسري وفق آليات إنسانية، قبل أن تحل الآلة اللعينة، وتفرض علينا تعاملات جديدة تتم في أغلبها عن بعد، لست ضد التقانة ، ولا ضد العالم الرقمي، بل بالعكس كنت مشجعا دائما لولوج العالم الافتراضي وسبر أغواره، لأنني ومنذ سنوات كنت أومن بأن مصير تقدم العالم في امتلاك ناصية الرقمنة، وجعلها مطواعة في يد المغاربة، خاصة الشباب منهم، والحمد لله كانت الفرحة تغمرني كلما سمعت بفتح لشباب مغاربة في المجال الرقمي، فشبابنا والحمد لله تفوق ودخل مجال البرمجة بامتياز، لكن علي أن أعترف أن عددا كبيرا من المغاربة حتى المثقفين منهم لا زالت تحتضنهم الأمية الرقمية، ولا زالوا لم يستطيعوا فك أبسط شفراتها، وبالتالي فكل خطوة في هذا الباب عليها أن تكون مؤطرة من طرف تقنيي اتصالات المغرب، وأن لا تكون مجرد وصلات إشهارية يراد بها تمرير أشياء تمس جيوب المواطنين بالدرجة الأولى، لأنها بذلك ستكون وبالا على هذه الشركة المحترمة التي شاءت أم أبت تحمل مشعل المستقبل الرقمي في المغرب.
قد يتساءل البعض عن ما علاقة عنوان الموضوع بما كتبت؟ فالعلاقة وطيدة لأنني أخاطب الآن شركة لها دور خطير في المجتمع المغربي، فهي مسؤولة بعد وزارة التربية الوطنية عن تربية أجيال المستقبل في بلدي المغرب، وهذا الدور لن تظهر نتائجه آنيا بل في المستقبل القريب، فكل نقرة زر أو لمسة شاشة هاتف أو لوح ذكي، هي دخول مباشر لعوالم افتراضية، قد تفيد أو تضر بجيل كامل، فلا تجعلوا من هذه العوالم تغيب عن أنظاركم، لأنها هي العوالم الحاضنة لبدرة تربية الأجيال، وما الطفل فيها إلا مقلد حاضن لمساوئها ومحاسنها، أعلم جيدا أن هناك أشخاص سيعارضونني لأنهم ينادون بحرية الأنترنيت، وكل متصفح له الحق في أن يختار ما يشاء وقتما شاء، وأنا معهم لكن حينما يتعلق الأمر بأطفالنا الأبرياء لا يصبح هذا مقبولا تماما، فبالرغم من برامج المراقبة على الأطفال في الأنترنيت يبقى الطفل طفلا جامحا غير قادر على التحكم في أحاسيسه، وكثرة الآلات التي أصبحت أبوابا مفتوحة على الأنترنيت، لا تمكن الآباء من مراقبة أبنائهم، وقد تكون فلتات لا يحمد عقباها، تدفع إلى الانتحار، أو تصيب الأطفال بأمراض نفسية أو مجتمعية خطيرة، وهذا ما لا نريد الوصول إليه.

أعود إلى خِرَافِي من جديد، وبعد أن أصبح السيد “عن بعد” يتحكم في تعاملاتنا، وبعد أن التزمت بتأدية فواتيري عبر بوابة اتصالات المغرب كعادتي الجديدة، تفاجأت بزيادة في فاتورة هاتفي النقال بلغت 100 درهم، أديتها حسب القاعدة التي علمونا إياها: “خلص وسير اشكي” لكنني حملت الهاتف واتصلت بمصلحة زبناء الهاتف النقال لاتصالات المغرب، بعد سلسلة من النقرات، على أزرار هاتفي والتي تأتي بعد اختيارات يفرضها علي المعد الآلي، رسوت في الأخير على شاطئ العربية، “بونجور ماروك تيلي كوم أفوتر سيرفيس” أهذه هي العربية التي رسوت على شاطئها؟ أريد أن أتساءل من فضلكم، من عادتي تأدية 202.80 درهما في كل شهر مقابل مكالمات الهاتفية على رقمي الخاص، مع بعض الخدمات الأخرى المعتادة، وهذا الشهر تفاجأت بمبلغ 307.88 درهما فماذا حدث؟ تجيبني المضيفة بكل احترام، وبصوت هادئ: شاركتم في خدمة إم تي بوكس تيفي MTBoxTV: أواه متى شاركت؟ لا أعلم! هل توجد عقدة تؤكد ذلك؟ لا الخدمة تتم عن طريق الأنترنيت، أنا لم أقم بأية مشاركة من هذا النوع ولم أستفد نهائيا من أية خدمة تابعة لهذا التطبيق، ربما شاركت بنقرة، ألم تتوصل برسائل قصيرة من رقم ـ ـ ـ ـ (أفضل عدم تدوينه)، هي رسائل كثيرة أتوصل بها وأتجاهل غالبيتها لأنها رسائل إشهارية لا تهمني، المهم أنك مشارك في هذه الخدمة، يا سيدتي الفاضلة ما تقولينه هو الحمق بعينه، أقول لك أنني لم أشارك يوما في هذه الخدمة وتقولين لي أنك مشارك فيها، وهل أصبحت النقرات بالنسبة لاتصالات المغرب، عقدة رسمية تمرر من خلالها أسماء الزبائن ومعلوماتهم الشخصية، لأصحاب الخدمات الأخرى حتى ولو كانت تابعة للشركة، لن أفيدك في شيء وسأرفع طلب اعتراضكم هذا، وستتلقون ردا عليه خلال 48 ساعة، جواب سبق وأن تلقيته في أكثر من مناسبة، وكأن مصلحة الردود على الزبناء أصبحت مبرمجة على مثل هذه الردود، لا أهتم لهذه الردود ولا لغيرها، وما يهمني هو سمعة شركة وطنية رائدة، اتصالات المغرب التي عملنا جميعا على الرفع من مستواها وارتدنا عوالمها منذ كانت خدمات الأنترنيت بالمغرب في العهد الحجري، حيث كان الصبيب سما زعافا، وكنا لا نضجر ولا نمل، وكنا نحمل بعض البرامج الصغيرة كالوين زيب أو الوين رار ونحن أمام حواسبنا لساعات، لكن كنا نؤمن بأننا نشجع المنتوج الوطني، وأننا نقدم خدمة لوطننا ولشركاته، لم نكن نشتكي ولا نوقف اشتراكاتنا، واليوم بعدما مررنا إلى الصبيب العالي عن طريق الألياف البصرية، أصبحنا ضحية نقرة غير مقصودة لأحد أبنائنا وقد يكون أحد أحفادنا، مع العلم أننا نعلم أن شركة محترمة مثل اتصالات المغرب، لا يفوتها الأمر بهذه السهولة، فإخبار الزبون لا يكون عن طريق رسائل قصيرة، بل عن طريق رسائل مكتوبة يؤكد فيها الزبون مشاركته في أية خدمة يريد، أما أن يكون التأكيد بضغطة زر واحدة فهذا يعني أن النية السيئة سبقت العمل ككل، وهذا يفيدنا فيه رجال القانون أكثر، فكم من مغربي أمي يمتلك هاتفا ذكيا، فهل يلام حينما يقوم بنقرة لا علم له بعواقبها وتفرض عليه زيادات مالية هو في غنى عنها، وهل سنلوم الآباء إن كانوا يمتلكون هاتفا واحدا في منزلهم يتنقل من يد ليد، ليصل في الأخير إلى الابن الصغير الذي لم يتجاوز الثلاث سنوات، فهل سنلوم الأب أم ابنه الصغير الذي أراد أن يلمس الهاتف الذكي كما فعلت أخته وأخاه اللذان يدرسان وفرض عليهما التعليم عن بعد.

لا أريد أن أجعل من الموضوع مجرد زلة ستمر، فالموضوع يمس إحدى أهم الشركات المغربية، الشركة التي احترمناها وعاشرناها لسنوات وهي تؤثث لجنبات منازلها بهواتفها وصناديقها المشعة، أصبحت مألوفة عندنا وأصبح اسمها يتردد على ألسنتنا كالماء والكهرباء، فلا تحرمونا من خدماتكم، وكونوا لنا السند في أوقات الضيق، ولا تعبثوا بمقدراتنا المالية، لأننا نعاني الأمرين من أجل أن يمر الشهر مع استحقاقاتنا التي اذخرناها طول العمر وأصبحت لا تغني ولا تسمن من جوع، وما بت أخافه هو أن تتفق عبقرية جديدة تجعلني أشارك في تطبيقات لا علم لي بها، وتستهدف جيوبي المتهالكة أصلا، فكونوا رحماء بنا، ولا تجعلوا ثقتنا بكم تهتز أكثر.















































