مضيق هرمز واختبار القوة الأمريكية: حرب إيران في قلب التحولات الجيوسياسية العالمية
التوتر في الخليج لا يهدد استقرار الشرق الأوسط فحسب، بل يضع أسواق الطاقة العالمية والنظام الدولي أمام اختبار جديد، ويكشف حدود القوة الأمريكية في عالم يتجه نحو توازنات أكثر تعقيدا.
بقلم: إدريس زويني
في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الجغرافيا السياسية للطاقة مع تنافس القوى الكبرى، قد لا تكون المعركة العسكرية هي أخطر ما في الصراع. فالتوتر في الخليج لا يهدد استقرار المنطقة فحسب، بل يضع أسواق الطاقة العالمية أمام اختبار حقيقي، ويكشف في الوقت نفسه حدود القوة الأمريكية في عالم بات أكثر ترابطا اقتصاديا وجيوسياسيا.
فعلى الرغم من التفوق العسكري الواضح للولايات المتحدة وحلفائها، تكشف الأزمة مفارقة استراتيجية قديمة: امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم في نتائج استخدامها.
لقد تجاوزت المواجهة حدود الصراع العسكري المباشر لتصبح صراعا على الجغرافيا والاقتصاد العالمي في آن واحد.
وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية.
ولهذا فإن أي اضطراب في هذا الممر البحري لا يبقى مشكلة إقليمية، بل يتحول سريعا إلى أزمة دولية.
تشير لورين هولتماير، مراسلة الشرق الأوسط في S&P Global Energy، إلى أن الأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية للطاقة في الخليج ليست مجرد تعطيل مؤقت. فكل يوم تتوقف فيه الحقول والمنشآت عن العمل يزيد صعوبة استئناف الإنتاج ويرفع كلفة الإصلاح.
وفي الوقت نفسه، يوضح مات سميث، كبير محللي النفط في شركة Kpler، أن الولايات المتحدة، رغم كونها أحد أكبر منتجي النفط في العالم، لا تملك السيطرة الكاملة على أسعار الطاقة العالمية.
فالأسعار تحددها الأسواق الدولية، وأي اضطراب في الخليج ينتقل فوراً إلى أوروبا وآسيا.
كما أن النفط ليس سلعة متجانسة بالكامل، إذ تعتمد العديد من المصافي في آسيا وأوروبا على خام الشرق الأوسط تحديدا، ما يجعل تعويض الإمدادات المفقودة أكثر تعقيدا مما يبدو.
لكن الأسواق لا تتفاعل فقط مع النقص الفعلي في الإمدادات، بل أيضا مع الخوف من حدوث هذا النقص.
وهنا يشير ريتشارد نيفيو، الدبلوماسي الأمريكي السابق وخبير العقوبات، إلى أن الأسواق العالمية تسعر اليوم ليس فقط ما حدث بالفعل، بل ما قد يحدث لاحقا.
وفي البحر تبدو الصورة أكثر هشاشة. فبحسب تومر رعنان، محلل المخاطر البحرية في Lloyd’s List، لم يغلق مضيق هرمز رسميا، لكنه أصبح عمليا منطقة عالية المخاطر، مع ارتفاع تكاليف التأمين البحري وتردد بعض شركات الشحن في العبور.
وفي مثل هذا السياق لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق بالكامل، يكفي أن يصبح المرور فيه محفوفا بالمخاطر ليؤثر في حركة التجارة العالمية.
وهنا يظهر التحدي الاستراتيجي الحقيقي. فالولايات المتحدة قادرة بلا شك على تحقيق تفوق عسكري في المواجهة، لكنها لا تستطيع بسهولة التحكم في التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية التي قد تنجم عن ذلك.
وهذا ما يعيد إلى الواجهة مفهوم (النصر البيروسي)، أي الانتصار العسكري الذي يأتي بثمن استراتيجي مرتفع.
وقد استحضر الأكاديمي المغربي حسن أوريد هذا المفهوم في تحليلاته للصراعات الدولية، مشيرا إلى أن التاريخ مليء بلحظات انتصرت فيها الدول في المعركة لكنها خسرت الاستقرار الذي كانت تسعى إليه.
لكن ما تكشفه الأزمة حول إيران يتجاوز حدود الصراع نفسه. ففي مراكز التفكير العالمية، من Chatham House في لندن إلى Brookings Institution في واشنطن، ينظر الباحثون إلى الشرق الأوسط باعتباره مختبرا لفهم التحولات الكبرى في النظام الدولي.
تشير دراسات Sanam Vakil في Chatham House إلى أن المنطقة تتجه تدريجيا نحو نظام إقليمي متعدد الأقطاب، حيث تتراجع الهيمنة الأمريكية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة لصالح توازنات أكثر تعقيدا بين القوى الإقليمية.
أما أوروبا، فتجد نفسها مرة أخرى أمام هشاشة أمنها الطاقوي. فبعد أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، أصبحت القارة أكثر حساسية لأي اضطراب في أسواق النفط والغاز العالمية.
وفي عالم شديد الترابط اقتصاديا، لا تبقى تداعيات هذه الأزمات محصورة في الشرق الأوسط. فأزمة في مضيق هرمز يمكن أن تهز الأسواق العالمية وتدفع حكومات بعيدة جغرافيا إلى إعادة حساباتها الاقتصادية.
وفي النهاية يبقى السؤال الأهم: ليس ما إذا كان يمكن ربح الحرب عسكريا، بل ما إذا كان يمكن إدارة نتائجها.
فالقوة قد تكسب المعارك، لكنها لا تضمن النصر الاستراتيجي.
وفي عالم مترابط مثل عالم اليوم، قد يكون أخطر أنواع الانتصار هو ذلك الذي يفتح الباب لأزمة أكبر.
إدريس زويني
باحث في سلك الدكتوراه في القانون والعلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة. مستشار التوجيه، ورئيس جماعة ترابية سابق، ورئيس بالنيابة سابقا لغرفة التجارة والصناعة والخدمات. كاتب رأي مهتم بالجهوية والحكم الذاتي و بالجيوسياسة والاقتصاد السياسي.















































