أخبار الفجر المغربية / سعيد عطا
على هامش فعاليات قراءة في كتاب الأستاذ الفاضل عبد الأحد السبيتي الموسوم: “من عام الفيل إلى عام الماريكان، الذاكرة الشفوية والتدوين التاريخي” المنظم من طرف شعبة الأنثروبولوجيا والمجلة الإفريقية للعلوم الإنسانية والاجتماعية والمحتضن من طرف كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل القنيطرة بتاريخ 13 دجنبر 1922 على الساعة 10 صباحا.
التقى الحاضرون في ساحة الكلية بعد انتهاء النشاط العلمي، وانتشروا في جماعات تفرقت بين جنبات الساحة، ومن حسن حظي أن كنت ضمن جماعة ضمت أستاذين جليلين محمد حبيدة ومحمد مزيان إضافة إلى أربعة طلبة، دار الحديث في سياق الصدى الذي تركة اللقاء العلمي وكانت رمزية عنوان الكتاب حاضرة بقوة، حيث الزمن والحدث والوقائع التاريخية والعمق الجغرافي فرضت نفسها سيما وأن الحقبة الفاصلة ما بين الواقعتين واقعة الفيل التي قامت بها جيوش أبرهة الأشرم والتي كان المقصود منها هدم الكعبة وإزالة قدسيتها والتي وقعت حسب المؤرخين في سنة 571م وهي نفس سنة ميلاد الرسول (صلعم)، وواقعة الإنزال المعروفة بطورش والتي قام بها الأمركيون في سنة 1942 ببعض الشواطئ المغربية. هذين الواقعتين اللتين يفصل بينها أزيد من ثلاثة عشر قرنا من الزمن لم تغير من تفكير الإنسان وتصوره للزمن إلا في استثناءات تميز بها المثقفون، وتبقى الثقافة الشعبية حاضرة بموروثها الثقافي ترسم معالم الفكر الإنساني وتوجهه لمسارات تعود به إلى الوراء مستحضرا الأمجاد والبطولات التي قام بها الأسلاف. ولعل ترديد مصطلح النية الذي طغى على المغاربة خلال كأس العالم لكرة القدم المقامة بقطر، والذي صدح به مدرب المنتخب السيد وليد الرگراگي واستعمله كعدة شحن لنفسية اللاعبين لم يأت من فراغ فهو مصطلح يندرج ضمن قاموس الثقافة الشعبية الموروثة، والتي نلجأ لها كلما عجزنا عن فك شفرات الوقائع والأحداث ولعله في نفس الوقت يحيلنا على شيء بالغ الأهمية هو أن المغاربة لهم ثقافتهم الخاصة تحركها الوقائع والأحداث وتبقى ضمن المخيال الجماعي ثابتة راسخة نستعين بها كلما احتجنا لذلك.

نعم نحن مسلمون نؤمن بالقضاء والقدر وبقدرة الخالق على فعل كل شيء، لكن علينا أن لا نسقط في الغيبيات التي نفسرها في بعض الأحيان بالأسطورة والخرافة، أن يصل تفكير مثقفينا إلى درجة الاعتقاد بأن الكرة لمست العارضة مرات ولم تدخل الشباك بفضل النية أو البركة فهذا غير مقبول، لأن كرة القدم مجرد لعبة وليست قضاء وقدرا، قد نتحدث عن الحظ متجاوزين كل الاعتبارات الأخرى فهذا سيكون مقبولا نوعا ما، لكن إذا ما عدنا إلى التفكير المنطقي فكرة القدم لم تعد لعبة تعتمد على الحظ بقدر ما أصبحت علما مركبا يجمع بين عدة علوم أخرى، أن تعد لاعبا محترفا عليك أن تتوفر على العدة البشرية والمادية اللازمة، المدرب ومساعدوه، طبيب الفريق المعد البدني المعد النفسي المساعد الاجتماعي محلل مباريات الخصوم مستكشف المواهب إضافة إلى مكتب بمثابة السلطة السياسية التي تقرر في الفلسفة التي يجب على الفريق اتباعها وعلى الميزانية التي يجب توفرها والبنية التحتية التي يجب إعدادها.
وبين هذا وذاك ما هي سياسة الدولة التي ينتمي لها الفريق وماذا تريد من كرة القدم؟ هل تريدها لعبة من أجل الملهاة أم تريدها لعبة تحرك قاطرة الاقتصاد في البلاد؟ وإذا كان الأمر كذلك على الدولة أن تدرج كرة القدم والرياضة عموما ضمن سياستها وتوفر لها العدة المادية والمعنوية والبشرية اللازمة، المغرب سار على هذا الطريق ولكن بخطى محتشمة والدليل أن جل اللاعبين الذين يكونون الفريق الوطني محترفون في الخارج، وإذا ما سطع نجم في البطولة الوطنية اختطفته الفرق الأوربية أي أن البطولة لم تعد جاذبة للاعبين المحلين بل هم كل لاعب في البطولة الوطنية هو الاحتراف، أما عن أكاديميات كرة القدم المتواجدة في المغرب فهي مشتل لتكوين لاعبين تكون وجهتهم في غالب الأحيان البطولات الأوربية، تعود هجرة اللاعبين إلى السياسة العامة التي تنتهجها الدولة والتي جعلت من كل الطاقات سواء في الكرة أو في شتى مناحي العلوم، ويمكن تسمية ذلك بهجرة العقول والأرجل والأيادي الذهبية، أي أن كل من سطع في ميدان من الميادين يجد نفسه مرغما على البحث عن العيش الأفضل في أوربا وأمريكا ودول أخرى، ولن يستقيم الحال إلا إذا احتضنت الدولة هؤلاء الشباب بخلق فرص حقيقية لهم من أجل الاستقرار “وحتى قط ما كيهرب من دار العرس”.

أعود إلى العنوان لأقول بأنه ليس عنوانا لكتاب، هو فقط إرهاصات لما عشناه نحن المغاربة مع عالم المستديرة الساحرة، أصبحنا والحمد لله جسدا واحدا يصدح بالدعاء للاعبي الفريق الوطني كي ينتصر في مبارياته التي يخوضها في نهائي كأس العالم المقام بقطر، كأس العالم الثاني والعشرون الذي أقيم لأول مرة في دولة عربية وبطقوس عربية إسلامية محضة، وبعيدا عن إملاءات جماعات الضغط الأوربية، كأس العالم الذي عملق دولة مجهرية على خارطة العالم وجعلها تتبوأ قمة التنظيم، حيث أبان إخواننا القطريين عن قدرتهم الفائقة في مجارات أكبر الدول وأعثاها بل تفوقت شقيقتنا قطر على جميع الدول التي سبقتها في التنظيم، ترتفع الأصوات النشاز وخاصة منها الأوربية من أجل تبخيص المجهود العملاق التي قامت به دولة قطر، بل سبقت أبواق الدعاية الأوربية المضادة انطلاق كأس العالم وحاولت تشويه سمعة قطر لكن قطر الدولة العربية أبانت للعالم أجمع أنها الأحق والأقدر على تنظيم هذه التظاهرة.
وسيبقى كأس العالم هذا عالقا في أذهان المغاربة لأنه الكأس الذي جعل من الفريق الوطني المغربي لكرة القدم يصل إلى دور النصف نهائي أي أصبح مع الأربعة الأوائل في العالم ليس في ترتيب الفيفا وهذا له ما له وعليه ما عليه، ولكن فوق المربع الأخضر ومع عمالقة كرة القدم العالمية كما يحلو للبعض تسميتهم، سقطت البرازيل وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وانتقل إلى المربع الذهبي المغرب مع فرنسا التي انتصرت علينا بشق الأنفس بالرغم من الإصابات والغيابات الكثيرة حيث سيطر الفريق الوطني المغربي على بطل العالم وكان قاب قوسين أو أدنى من التعادل لولا أخطاء الدفاع المكون من لاعبين ليست لهم خبرة دولية.

سوقنا للعالم لاعبين كبار أمثال أوناحي جوهرة البطولة الحالية لكأس العالم ولمرابط المجالد الذي تجده يغطي رقعة الملعب كاملة وهو يحمل ضمادات ويصارع ألما بظهره، وبونو حارس عرين الأسود الذي تألق وحافظ على نظافة الشباك المغربية وحصل في مناسبتين على لقب رجل المقابلة، وأوگرد الذي انبعث مع زهرة حلالة لتفوح رائحته العطرة في ملاعب قطر، ورومان سايس الذي قاوم الإصابة ودافع عن مرمى الفريق الوطني، وحكيم زياش المشاغب الذي دافع قبل أن يهاجم مستبسلا ومدافعا عن حظوظ الفريق الوطني، وحكيمي الولد الذي جعل من الرواق الأيمن للفريق الوطني مصدر خطورة بالنسبة للخصوم، وبوفال الذي جعل من الخصوم لقمة سائغة بمراوغاته، ومزراوي الذي لعب دورا جديدا غير متعود عليه ضمن الرواق الأيسر وأثقنه بالرغم من الإصابة، وأملاح الفتى المحارب الذي قوى وسط ميدان الفرق الوطني، والفتى الطائر النصيري فكاك لوحايل، وبدر بانون المدافع الاحتياطي الذي قام بدوره على أحسن وجه، وعطية الله مفاجأة البطولة الوطنية المحلية لكأس العالم، والياميق السلم الذي سد الثغرات وكان أحسن بديل لسايس، وأبوخلال وباقي اللاعبين الاحتياطيين الذي ساهوا أو كانوا في لائحة الاحتياطيين فالكل كان له دوره إما في الميدان أو خارجه.

أما المدرب الظاهرة وليد الرگراگي فحدث ولا حرج، أصبح عالميا بخطتة بعد أن كان مغمورا حمَّس اللاعبين وأدخلهم عالم التحدي بآليات مغربية معتمدا على الهوية المغربية ومثيرا الحس الوطني لدرجة أن اللاعبين أخرجوا كل ما عندهم وقاوموا إعصار الإصابات، وعلينا أن لاننسى الطاقم المساعد الذي قام بدور كبير إضافة إلى الجامعة الملكية المغربية في شخص رئيسها فوزي لقجع، كما علينا استحضار الدور الذي قام به الجمهور المغربي الذي طبع دورة قطر بطابع خاص بأهازيجه وهتافاته، إضافة إلى الدور الذي قام به الإعلام المغربي الذ تصدى للأعلام المناوئ لنجاحات الفريق الوطني، فوق كل هذا علينا أن لا ننسى دور الجمهور العربي والإفريقي في شتى بقاع العالم والذي كان بمثابة محفز كبير للاعبين المغاربة، وكان العنوان البارز لهذه المغامرة المغربية الشيقة هو: “ديرو النية” هذا الشعار الذي تزامن مع سقوط المطر في المغرب بعد انحصاره لمدة طويلة لدرجة أن أستاذي الفاضل محمد حبيدة أطلق على الفترة الزمنية: “عام النية” وبهذا ختم النقاش الذي دار بين الطلبة والأساتذة ومن هنا جاءتني فكرة الموضوع الذي عنونته من عام الفيل إلى عام النية.















































