هنري الثاني: أحد ملوك العصر الوسيط الذي حاول إدخال إنجلترا للإسلام

Mohammed El Filali13 أبريل 2020آخر تحديث :
هنري الثاني: أحد ملوك العصر الوسيط الذي حاول إدخال إنجلترا للإسلام

خلال القرن الثاني عشر، إثر تشنج العلاقة بين الملك هنري الثاني ورئيس أساقفة كانتربري، هدد ملك إنجلترا هنري الثاني بالتخلي عن المسيحية من أجل الإسلام. ولكن ما مدى جديته؟ وماذا كان سيحدث لو أنه تحول بالفعل؟

في ربيع عام 1168م، كتب هنري الثاني، ملك إنجلترا، إلى البابا ألكسندر الثالث؛ بحيث كانت المراسلات بين الملك والبابا مسألة واردة، رسالة ملحوظة بالخطر الذي تهدف له. لأن هنري كان يهدد من خلالها باعتناق الإسلام.

لم يكن من الغريب أن يصدر هنري تهديدات، فقد كانت أساسية في ترسانة ملكيته، وهي حيوية مثل نوباته المدوية المدروسة بعناية، ودبلوماسيته، والسرعة الأسطورية التي قاد بها جيوشه وحرب الحصار التي لا يمكن تجاوزها من أجل إثارة الرعب بين الأعداء. لم يميز هنري بين متلقي تهديداته، من البابا إلى ناخبيه المتواضعين في وينشستر، الذين أمرهم ذات مرة بإجراء انتخابات حرة ولكنه منع انتخاب أي شخص ما عدا ريتشارد كاتبه الشخصي.

لكن هذه المرة كان الأمر مختلفا تمامًا، فمنذ عام 1097م، كان الصليبيون الأوروبيون يقاتلون قوى الإسلام في الشرق الأوسط ويتشبثون بعناد بغزواتهم: لمملكة المقدس وإمارة أنطاكية ومقاطعات الرها وطرابلس، بحيث كان ينظر إلى المسلمين على أنهم أعداء العالم المسيحي.

إضافة إلى هذا، لم يكن هنري مجرد ملك لإنجلترا، كان أيضًا دوق (الدوق هو شخص نبيل، تاريخيا أقل رتبة من الملك أو الملكة) لنورماندي وأكيتن(بوردو حاليا)، كونت مين، أنجو(أنجيه حاليا) وتورين، مسيطرا على مساحات شاسعة من فرنسا، كأحد أقوى الرجال في العالم، كان له نفود واسع، مسيطرا من الحدود الاسكتلندية إلى الشرق الأوسط، حيث حكم أعمامه مملكة بيت المقدس اللاتينية. إذن، إذا كان هنري جادًا، فستكون العواقب زلزالية في جميع أنحاء أوروبا في القرن الثاني عشر.

  • هل يمكن أن يكون هذا أعظم من تلك القرارات السابقة لهنري؟ هل من الممكن أن يقصد ما قاله؟

كان هنري على دراية بالإسلام. كان يدرس أعمال ” بطرس الفونسي”، طبيب جده هنري الأول ، الذي كتب أقدم رواية موثوقة (كما يعتقد) للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، فبحكم مكانته المهيبة أمر بطرس الجليل، بأول ترجمة للقرآن إلى اللاتينية، على الرغم من أنه رأى الإسلام بدعة، إلا أن بطرس يعتقد أنه أعظم من كل الهرطقات – تلك التي تستحق أن يتم الرد عليها.

إلى جانب اهتمامه بالإسلام، كان هنري أيضًا يكن إعجابا واهتماما لتعلم اللغة العربية في سن مبكرة، بحيث حصل على تعليم متميز على يد علماء متمكنين من المعارف “الجديدة” التي كانت تنشر من صقلية وإسبانيا والشرق الأوسط، فلم تشهد أوروبا الغربية أبدًا مثل هذا التحصيل والمستوى الفكري كما كان في القرن الثاني عشر -الذي أطلق عليه لاحقًا عصر النهضة الثاني عشر- مستفيدين من إعادة اكتشاف المفكرين الكلاسيكيين في اليونان وروما (خاصة روما المسيحية بعد تحول قسطنطين)، ومن خلال الاحتكاك مع العالم العربي وتقاليده الفكرية الغنية في علم الفلك والطب والموسيقى والهندسة المعمارية والرياضيات.

واستجابة لدرس من الراهب ويليام من مالمسبوري عندما قال: “إن ملك بدون حروف (مجرد) حمار يضع تاج” استأجر والدا هنري أفضل المدرسين في أوروبا، وكان من بينهم العربي واللغوي والعالم الشهير “أديلارد الباثي”، الذي كان له تأثير عميق في تعليم هنري، سافر أديلارد لمدة سبع سنوات في إيطاليا وصقلية وأنطاكية والساحل الجنوبي لما سيصبح تركيا حاليا، وكرس نفسه لـ”دراسات العرب”، اشتهر بترجماته إلى اللاتينية كتابات عربية في علم الفلك، وقدم ابتكارات عربية في الرياضيات إلى إنجلترا وفرنسا. أهدى أديالارد عمله “De opera astrolapsus” المتمحور حول الابتكار العربي للإسطرلاب (آلة فلكية قديمة وأطلق عليه العرب ذات الصفائح) إلى للملك هنري.

إلى جانب اهتمامه بالإسلام ، كان هنري أيضًا يكن إعجابا واهتماما لتعلم اللغة العربية في سن مبكرة

استمرت اهتمامات هنري في فترة المراهقة بحيث كان يرحب بالعلماء المسافرين في بلاطه ومنهم عدد مهم من العرب، كانت له معرفة كافية عن اللغة العربية لطلب نصوص محددة من دبلوماسيين يسافرون إلى صقلية ومملكة المقدس. وقد أعجب هنري بالفنون الإسلامية لدرجة أنه  أمر ببناء قصر لعشيقته روزاموند كليفورد ، في مدينة وودستوك، محاكاة للقصور بالمملكة النورمانية في صقلية ، بنوافير مائية وأفنية مزخرفة. تم تدمير القصر في وقت لاحق ولكن الأسلوب الذي يتميز بزخارف عربية ، كان فريدًا في شمال أوروبا.

  • لماذا هدد هنري الثاني بالتحول إلى الإسلام؟

يعتبر هذا تقديرا كبيرا لهنري الثاني نحو ما يكنه تجاه للإسلام والثقافة العربية، ولكن ما الذي دفع هنري إلى طرح هذا التهديد في أول الأمر؟ يكمن الجواب في رسالة هنري، حيث أخبر البابا ألكسندر “قد نقبل، عاجلا، أخطاء علاء الدين، سلطان حلب، ونعتبر كفارا… على أن نعاني من سيطرة طوماس بيكيت على كاتدرائية كانتربري…”.

أصبحت الآن الأمور أكثر وضوحًا، وسط عام 1168م، وخلاف هنري مع صديقه السابق توماس بيكيت في عامه الخامس المرهق، إذ سبق أن رفع هنري بمكانة توماس عالياً، وعينه في منصب المستشار بعد وقت قصير فقط من رفقته، ليعتبر في المرتبة الثانية بعد الملك. كان لدى هنري ثقة كبير في توماس ليحل محله، خصوصا بعد وفاة ثيوبالد، رئيس أساقفة كانتربري عام 1161م، لقد كان يشدد بقوة ضد أي معارضة لتولي بيكيت المنصب المزدوج، كمستشار ورئيس للأساقفة، وعلى الرغم من تحذيرات والدته، الإمبراطورة ماتيلدا، ومن توماس نفسه، بحيث اعتقد توماس أن الأمر كان سخيفًا، محتجا على الملك وهو على علم تام أنه “من المؤكد أنه إذا تمت ترقيتي لهذه المنزلة، فسوف أضطر إما لفقدان  خدمة مصلحة الملك أو … خدمتي لله القدير”.

“يعلم بيكيت أن أب هنري سبق له أن أقام حكم الإخصاء على بعض رجال الذين لعصيانهم الأوامر.”

تجاهل هنري جميع الاعتراضات، ولم يبد أي اعتبار لوالدته بل وهدد رهبان كانتربري (الذين لم يرغبوا في أن يكون توماس رئيس أساقفتهم) بغضبه إذا فشلوا في انتخاب مرشحه، كان هم هنري الأساسي هو ضمان الخلافة بتتويج ابنه الأكبر الباقي على قيد الحياة. وفي حياته، كانت محاولته هذه لتجنب سباق إراقة الدماء من أجل العرش، بعد موته – كما يحدث عند وفاة كل ملك، باستثناء ستيفن، منذ الفتح النورماندي- كان الحق في تتويج ملوك إنجلترا من اختصاص أساقفة كانتربري، وتوقع هنري أن يوافق توماس على رغبته.

وبدلاً من ذلك، اكتشف هنري أنه أقام قرارا متعصب، لأن جنديه الآن أصبح  في خدمة المسيح الأبدي بدلاً من خدمة فترة حكمه، كان هنري غاضبًا عندما استقال توماس من منصب المستشار؛ وسرعان ما انغمس الملك والأساقفة في معركة السيادة بين الكنيسة والدولة حتى انقسمت موازين التسوية إلى أشلاء – الذي من خلالها يسلم الملوك الشرعية للرهبان… والذين يسعون بدورهم لإرضاء ملوكهم.

  • هنري الثاني ضد توماس بيكيت: ما هو الشر العدائي، غير المقدس، الذي أدى إلى وفاة رئيس أساقفة كانتربري؟ و ما هي اقدم كنيسة في إنجلترا؟

بلطجية الأباطرة

كان الإشكال الرئيسي للاحتكاكات، يدور حول سؤال أي محكمة -الملك أو الكنيسة- يجب أن تحكم رجال الدين المتهمين بارتكاب الجرائم؟ كان هنري قلقًا من أن المحاكم الكنيسية المنفصلة تعمل جنبًا إلى جنب مع محاكمه، لكنه كان أيضًا مستاءً من أن العقوبات التي يفرضونها تكون ضئيلة، فلا الملك ولا الأسقف لهم الحق في تغييرها.

عندما أراد هنري، أن يخلص نفسه من توماس، اتهمه بإهانة السلطة الملكية، والاختلاس في عام 1164م، توقع توماس سجنه، أو الإعدامـ وقد تم تذكيره من قبل بعض أباطرة هنري، الأشد وطأة، بأن والد الملك، جيفري من أنجو ، قد أخصى بعض رجال الدين لديه بسبب عصيانهم، وأجبرهم على حمل أعضائهم أمامه في حوض. وفي حالة رعب، هرب توماس إلى بلاط لويس السابع في فرنسا، حيث عُرض عليه ملاذًا بكل بهجة. كان لويس، أول زوج لزوجة هنري، إليانور من آكيتاين، جد مسرور لإثارة المشاكل لأقوى لورد -هنري- لأن هنري مدين بالولاء للملك الفرنسي على أراضيه في القارة.

  • ماذا حدث للقتلة الذين قتلوا توماس بيكيت؟

كان لويس تقيا تماما كما كان هنري مع العالم، قدم ملاذا ليس فقط لتوماس، بل ومنح البابا ألكسندر الثالث ملجأ عندما غادر روما عام 1159م بعد انتخابات انقسامية أسفرت في أول الأمر الى سلسلة الباباوات المزيفين لاعتلاء العرش البابوي.

بما أن البابا ألكسندر مدين كثيرًا لهنري الذي دعمه إلى جانب لويس احتاج ألكسندر إلى دعم هنري، لكن النزاع حول بيكيت جعله في وضع مستحيل للدعم، على الرغم من أنه قد تعاطف مع توماس الأليم، إلا أنه اضطر إلى السير في مسار حذر. في السنوات القليلة التالية كان يتماطل، حتى في السماح لتوماس بالتحدث عن تدمير هنري للكنيسة من خلال “عاداته الشريرة”. (كما اتضح، كانت مخاوف بيكيت مبررة، فلقد قُتل بعد عامين من كتابة هنري لرسالته إلى البابا). كان تهديد هنري بالتحويل، إلى الاسلام، حادا، ولوح أمام البابا بقوة لإقناعه بإزالة توماس من منصبه، لقد هدد ألكسندر بنجاح من قبل.

وقبل ثماني سنوات، سعى للحصول على إعفاء بابوي للسماح لابنه البالغ من العمر خمس سنوات بالزواج من ابنة لويس، مارجريت، مما مكنه من معرفة مقاطعة فيكسين، وهي مقاطعة فرنسية رئيسية كانت مهر مارغريت، لقد قام بمضايقة سفراء ألكسندر ليظنوا أنه سيدعم منافس البابا، فيكتور الرابع، إذا لم يشق طريقه، واستسلم ألكسندر. ومع نجاح العملية لمرة سابقة كما ورد الذكر، اعتقد هنري على الأرجح أن البابا سوف يستسلم مرة أخرى في مواجهة تهديده الغريب، كما أنه على حد علمنا، لم يستجب ألكسندر لهذه المضايقات مباشرة، بل استمر في الضغط من أجل المفاوضات بين هنري وبيكيت.

رجل العالم

حول ما إذا كان هنري سينفذ التهديد، ظاهريا، هذا مستبعد كليا. كممارس للسياسة الواقعية، كان على دراية كاملة بالمخاطر المحتملة. على الرغم من قبضته على السلطة ، لم يكن هنري قادرًا على إنكار أن له حق إلهي مقدس في عرش إنجلترا انبثق من المسيحية. كان المجتمع المسيحي منظمًا بطريقة مختلفة تمامًا عن الإسلام. كان في المقام الأول مجتمع زراعي وإقطاعي. في حين يسمح المجتمع الإسلامي بمستوى عالٍ من الحركة الاجتماعية وكان أقل جمودًا بكثير من الإقطاع الغربي المسيحي. لكن إمبراطورية هنري، تستند إلى نظام معقد من الالتزامات والتعهدات.

من المفترض أن تحويل هنري كان يتطلب التحول الجماعي لجميع الشعوب المختلفة في الأراضي الواقعة تحت حكمه، من نورثمبرلاند إلى آكيتين، في حين كانت الآثار الإدارية وحدها هائلة، ماذا كان سيحصل لآلاف الأساقفة والكهنة؟ هل كانت العربية ستحل محل اللاتينية كلغة عامة لكل الناس؟ هل كان هناك منهج جديد في الجامعات؟ هل كان هنري سيطور اللغة العربية بدلاً من القانون الإنجليزي؟ مع أي خليفة كان سيقيم تحالفاته الجديدة؟ ما هو التأثير الذي كان سيطرأ على الحروب الصليبية؟

“من المفترض أن تحول هنري إلى الإسلام كان يتطلب التحول الجماعي لجميع الناس تحت سيادته”

لك أن تتخيل مئات السنين من الفوضى التي أثارها سليل هنري، هنري الثامن، بانفصاله بإنجلترا عن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية -الفوضى التي أدت إلى حرب أهلية وإعدام ملك في نهاية المطاف- يمكننا فقط أن نتخيل المهاد الذي كان سيترتب على ذلك لو أقر هنري الثاني التحول إلى الإسلام، لقد حدثت التحولات في كلا من الاتجاهين(بين الاسلام والمسيحية)، لا سيما في المسيرات حيث التقت المسيحية والإسلام ، لكن جل الذين أقروا التحول لم يكونوا ملوك أو ملكات، لأن مثل هذا المشروع كان سيتجاوز القدرات الدبلوماسية والإدارية حتى لملك استثنائي مثل هنري الثاني.

  • إصلاح هنري الثامن الوحشي: الواقع الدموي لانفصال ملك تيودور عن روما.

إذا كان هناك أي شيء يمكن تعلمه عن هنري من هذه الحلقة، فربما يكون هو اهتمامه بالأمور الدنيوية أكثر من المقدسة، على الرغم من كونه رجلًا خرافيًا، إلا أن هنري لم يكن متدينًا، شن المؤرخون اعتراضًا على افتقاره للتقوى، مدعين أنه لم يجلس أبدًا في الكنيسة، إن تهديده بالتحول إلى الإسلام يدل على ان الدين لا يعني له شيء، ونتيجة لذلك، طالما استاء من السلطة البابوية عندما كانت تقف في طريقه، ولجميع الأسباب التي قد يكون الإسلام قد ناشدها هنري، فإن أكثرها جاذبية هو بالتأكيد أنه؛ على عكس المسيحية، لم يكن لديه سلطة مركزية، ولا قوة فوق وطنية، ما أروع الفكر: فلا يوجد بابا مسلم يمنعه من إقالة رئيس أساقفته.

كلوديا جولد مؤرخة ومؤلفة كتاب King of the North Wind: The Life of Henry II in Five Acts (William Collins, 2018)

تم نشر هذه المقالة لأول مرة في إصدار فبراير 2020 من مجلة بي بي سي للتاريخ

ترجمة: يوسف اسليلم

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!