
من مِنا لم يفتح محفظته المدرسية، ليحشر أنفه داخلها و يبدأ بشفط رائحة الكتب و الدفاتر و ينعم بالرائحة المميزة لأغلفة البلاستيك التي يشير كل لون منها لمادة، الأزرق للمحادثة، الأصفر للتمارين، الأخضر للحساب، الأبيض للإملاء وصولا للغلاف المرعب البني الخاص بالامتحانات و الذي يحتفظ به المدير داخل خزانة مكتبه.
هذا طبعا لمن ساعده الحظ و اقتنت له أسرته محفظة بسيطة دون جيوب داخلية و دون مقبض. الميسورون و المحظوظون، فقط من كان لهم شرف التباهي بمحفظات محمولة على الظهور، و بأقفال مذهبة ذات مفتاح صغير يعلق على الجانب. أما باقي الطبقة فتكدس كتبها و دفاترها في كيس بلاستيكي، أو قد تستغني عن ذلك حتى.
نفس النخبة الميسورة هي التي كان بوسعها اقتناء قطع ضخمة من”جبان كول و بان” و أقداح “السيطرون”، المثلج، و “الشامية”، و ” كوجاك الجاهلية”، و كذا ” حلوة الكذوب” و “بو خنو”. كما كان بوسعها لعب الكازينو عند صاحب الطاولة الذي صممها خصيصا لكي تخسر في كل مناسبة، حيث يتحكم في دوران العجلة برجله، فيزيد او ينقص من سرعتها، حتى يستقر اللسان البلاستيكي المثبث على الرحى بين مسمارين لا جائزة بينهما. الغريب في الأمر أن النصاب صاحب المشروع، يجعلك تلعب و تلعب و أنت واثق من نزاهته التي تُخلِّد لها تعابير وجهه الصارم.
المحظوظون كانوا يلبسون آخر صيحات الأحذية الرياضية. كانت بُنيّة اللون يأتي بها المهربون من شمال المملكة إلى سوق سبتة و يعرضونها بأثمنة خيالية قد تتجاوز الأربعين درهما.
كان تعداد القسم لا ينزل عن أربعين تلميذا، كلهم تقريبا من عامة الشعب و من البسطاء. و كان يجلس في الطاولة عن يساري في الصف الأول و قبالة مكتب المعلم، تلميذ لم يُسمع صوتُه و لو مرة واحدة. كان ينام طول الوقت و يتقلب ذات اليمين و ذات الشمال على مرفقيه اللذين اتخذ منهما وسادة.
و في أحد الأيام، و أنا عائد إلى البيت، وجدت مرميا على الطريق، كتاب المطالعة الذي يخص مستوانا، و كانت المطالعة في حالة سيئة و تنقصها العديد من الصفحات. بعد أن نفضت الغبار عنها، حشوتها في محفظتي المتواضعة.
و عند وصولي، أخرجتها لأنظفها و أتصفحها، على كل حال أصبحت في أحسن حال، لكن عيبها الوحيد هي الورقات الكثيرة التي انتُزعت منها.
و جاءتني فكرة على التو، لماذا لا أبحث عن الأجزاء المبتورة و هكذا يصبح لدي كتابان من المطالعة، لا لشيء إلا ليكون لي أكثر من الآخرين و يكون ذلك إنجازا عظيما و رضى شخصيا عن النفس.
و بما أن صديقي “بياض الثلج”، لا يهتم و يغط دائما في نوم عميق، فسيكون هو مزودي و مموني بما أحتاج إليه لإنجاح مشروعي الثقافي.
و بدأت كل يوم أحرص على تمزيق ورقة من كتابه و هو نائم، و عند عودتي للبيت، أخرج الورقة المسروقة و أدسها بمكانها و أحفظ رقم الورقة التالية الغائبة، كل ذلك في جو من الغبطة و السرور . و توالت الأيام و زاد جشعي حتى إني بدأت أسلب جاري بدل الورقة ورقتين، ثم ثلاثة، ثم سبعة….حتى أتممت الكتاب، و صرت أقلب صفحاته و أعيد.
كان ذلك بالنسبة لي، لعبة لا أكثر، لعبة حقيرة كنت أظن أني أحقق بها ذاتي و لكن على حساب الغير.
و في إحدى المناسبات، كلفتني والدتي باقتناء بعض الزيتون لإضافته إلى طبق العشاء، لكن عند خروجي، لمحت عن بعد زميلي، و هو يمسك بيد رجل مسن، لحيته بيضاء و يحمل عصا بيضاء. لقد كان الرجل أعمى و يمتهن التسول، و كان يهتدي بخطوات الطفل الذي يطلب الصدقة و يناول الضرير ما جاد به المارة مع سيل من الدعاء الصالح.
الآن فقط أدركت لماذا ينام صديقي داخل قاعة القسم، إنه يجوب المدينة طولا و عرضا و حتى ساعة متأخرة من الليل طلبا للصدقة. و كان ذلك مضنيا و منهكا لطفل في السابعة من عمره.
تملكني مزيج من الحزن و الأسف و الندم على طيشي و تهوري.
و في حصة الصباح حملت معي كتاب المطالعة الثاني الذي ألفته عن طريق الخيانة، أيقظت صديقي بكل هدوء و سألته سؤالا غير مباشر حتى لا أجرح شعوره :”أين يشتغل والدك ؟ “، فأجابني و عيناه موصدتين :” أبي لا يشتغل، أبي أعمى !” و عاد لسباته.
حينها احتقرت نفسي فأنا لم أعطه لا صدقة و لا صداقة، حتى أنني لم أعد له كتاب المطالعة.
مع محبتي.
عدنان السباعي















































