الدراجات النارية بين تشديد المراقبة وضرورة مراعاة البعد الاجتماعي
لحسن كوجلي / عرفت مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة نقاشاً واسعاً حول توجه بعض الجهات المسؤولة عن السلامة الطرقية نحو تشديد المراقبة على الدراجات النارية، من خلال استعمال آليات متطورة لرصد السرعة، وما يترتب عن كل مخالفة من غرامات مالية ثقيلة قد تصل أحياناً إلى الحبس.
هذا التوجه، ورغم أنه يأتي في سياق الحرص على التقليص من الحوادث المرورية، يطرح تساؤلات عميقة حول انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية، خاصة إذا علمنا أن المغرب يحتضن ما يزيد عن مليوني دراجة نارية تتجول يومياً في مختلف المدن والقرى، ما يجعلها وسيلة نقل رئيسية لشرائح واسعة من المجتمع، خصوصاً في العالم القروي حيث تندر البدائل.
يُروج أن الدراجات النارية تساهم بشكل ملحوظ في ارتفاع عدد الحوادث، غير أن السؤال الجوهري هو: من يتحمل المسؤولية الفعلية عن هذه الوضعية؟
هل هي الدولة التي تسمح باستيراد هذا النوع من الدراجات، وغالباً ما يكون مصحوباً بقطع غيار غير ملائمة و مساهمة في تأزيم الوضع؟
أم أولياء الأمور الذين يتركون هذه الوسيلة الخطيرة بين أيدي القاصرين والمراهقين؟
أم الشباب أنفسهم، الذين تدفعهم المراهقة وغياب التأطير والتحسيس إلى الاستعمال الطائش؟
الواقع أن الحوادث مرتبطة أساساً بعوامل بشرية، في مقدمتها تهور الشباب، في غياب بدائل ترفيهية وفرص عمل وأطر قادرة على تأطيرهم. بينما نجد أن الفئات الناضجة والمسؤولة، التي تستعمل الدراجة النارية لقضاء شؤون الحياة، تدرك جيداً حجم المسؤولية وتتفادى المغامرة بحياتها.
رغم حملات الترقيم والمراقبة الصارمة التي عرفتها السنوات الأخيرة، إلا أن مؤشرات الحوادث لم تعرف التراجع المنتظر. وهو ما يدفع للتساؤل عن جدوى المقاربة الزجرية وحدها، دون الالتفات إلى الأسباب العميقة للمشكلة.
فالحد من السرعة إلى 50 أو 60 كلم/س قد يبدو منطقياً داخل المدار الحضري، لكنه يصبح شبه مستحيل في المناطق الجبلية والطرقات القروية، حيث يعتمد المواطنون على هذه الوسيلة في التنقل لمسافات طويلة وشاقة. دراجة نارية عاجزة عن تجاوز سرعة 60 كلم/س لن تكون قادرة على الصعود في الطرق الوعرة أو تلبية الحاجيات اليومية لفئات واسعة من البسطاء.
إذا كان الهدف هو تقليص الحوادث، فإن الحل لا يكمن فقط في تشديد المراقبة وتغليظ العقوبات، بل في اعتماد مقاربة شمولية تراعي:
انواع الدراجات المستوردة و منع دخول قطع الغيار الغير اللائقة و إشراك الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام في توعية الشباب، توفير فضاءات ترفيهية وفرص عمل تقلل من نزعة المجازفة، التمييز بين من يستعمل الدراجة بمسؤولية ومن يتهور.
بينما يسعى العالم إلى تطوير السرعة في مختلف الصناعات، من الطائرات إلى القطارات، والى المواد الاستهلاكية الاخرى ، لا يمكن أن يظل الحل في المغرب محصوراً في إرجاع الدراجة النارية إلى سرعة تكاد توازي سرعة الدواب. المطلوب اليوم هو رؤية متوازنة تحقق هدف السلامة الطرقية، دون الإضرار بمصالح ملايين المواطنين الذين يعتمدون على هذه الوسيلة في حياتهم اليومية خصوصا في البوادي و قمم الجبال.















































