“الولد الصغير” و”الرجل البدين” اللذان أسقطا اليابان في الحرب العالمية الثانية

Mohammed El Filali9 أغسطس 2020آخر تحديث :
“الولد الصغير” و”الرجل البدين” اللذان أسقطا اليابان في الحرب العالمية الثانية

المهدي القشيني – صحافي بأخبار الفجر المغربية وطالب باحث بماستر تاريخ المغارب والعالم المتوسطي جامعة ابن طفيل

يتبادر إلى أذهان المتابعين عند سماع عبارة “الولد الصغير” أو “الرجل البدين” أن الحديث سوف يكون حول مشهد هزلي كوميدي خلال الحرب العالمية، أو ولد صغير ورجل بدين أغبياء ساهموا في إسقاط قوة الإمبراطورية اليابانية أثناء الحرب العالمية الثانية، لكن الأمر يتعلق بواحدة من أبشع الكوارث الإنسانية التي عرفتها الحقبة المعاصرة.

شهد العالم خلال الأسبوع الحالي كارثة انفجار ميناء بيروت التي أدت إلى وفاة ما يزيد عن 100 شخص مع مئات الإصابات، ومع كثرة القيل والقال حول الأسباب الحقيقة للقنبلة، إلا أن أول ما لفت الانتباه في هذا الانفجار هو السحابة الدخانية وشكلها المميز الذي أعاد إلى الأذهان شكل السحابة التي ظهرت بعد إلقاء قنبلتين نوويتين من طرف الولايات المتحدة الأمريكية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين أثناء الحرب العالمية الثانية.

لكن إلقاء القنبلتين؛ كان من الممكن أن تكون ثلاث قنابل، أثناء فترة الرئيس الأمريكي هاري ترومان جاء بسياق تاريخي أدى إلى إنهاء واحد من أقوى الحروب العسكرية عبر التاريخ. فكيف أدى هذا السياق بالولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ هذه الكارثة الإنسانية؟ وهل كانت مدينتي هيروشيما وناجازاكي منذ البداية هدف “الولد الصغير” و”الرجل البدين”؟

فرانكلين د. روزفلت، من رد على قصف بيل هاربر إلى وفاة قبل وضع لمسة الختام على المشاركة الحربية

يعتبر فرنكلين ديلانو روزفلت واحدا من الرؤساء اللذين أثاروا الجدل في تاريخ رؤساء الولايات، كيف لا و هو الرئيس الوحيد الذي حكم باسم الحزب الديمقراطي لأربع ولايات متتالية ما بين سنتي 1932 و 1942؛ رغم عدم استكماله للفترة الرابعة بسبب الوفاة، كما أنه الرئيس الذي دخلت في عهده الولايات المتحدة بشكل رسمي الحرب العالمية الثانية إثر قصف اليابانيين لميناء بيرل هاربر(Pearl Harber) الأمريكي الواقع في عرض المحيط الهادي.

استمر ف. د. روزفلت بمنصبه الرئاسي لولايتين متتاليتين من 1932 إلى 1940 قبل أن يتبعها بولاية ثالثة في سابقة بتاريخ رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية إثر استغلاله للأوضاع الحربية العالمية سواء على المستوى الداخلي بمساهامته الاقتصادية التي وجد صدى إيجابيا من الشعب الأمريكي، أو على المستوى الخارجي حيث ضيق الخناق على اليابان التي استفحل اقتصادها في شرق آسيا.

وبدون إطالة في سرد أحداث الحرب العالمية الثانية وتفاصيل مشاركة الولايات المتحدة فيها، يكفي أن نعرف بأنه خلال الحرب اتفق ف. د. روزفلت والزعيم البريطاني وينستون تشرشل على تحديد استراتيجية للدول الغربية تتواقف مع إيقاف زحف الرايخ الألماني أولا كونه الأكثر قوة، وهو ما تواقف مع توقعات الزعيم السوفياتي جوزيف و. ستالين الذي نادى بضرورة فتح جبهة ثانية.

وفي الوقت الذي كان يصبو روزفلت إلى الحصول على موافقة ستالين على تأسيس منظمة الأمم المتحدة في نيسان 1944 في سان فرانسيسكو، بعدما حصل رفقة تشرشل على وعد من ستالين بدخول روسيا حالا في الحرب ضد اليابان، كانت قد ظهرت علامات الإرهاق الجسدي على الرئيس الأمريكي منذ مؤتمر يالطا، ثم تضاعفت حالته إلى ما يعتقد أنه تصلب في الشرايين أو نزيف في المخ، المهم أن الأمر أدى في النهاية إلى وفاة فرانكلين ديلانو روزفلت في حدود الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر يوم 12 نيسان/أبريل 1945 عن عمر يناهز 63 عاما.

الموت المفاجئ يصنع رئيسا جديدا للولايات المتحدة الأمريكية

شكلت وفاة ف. د. روزفلت فرصة ذهبية لا تعوض لنائبه الأول؛ وخبير الشؤون الأمريكية الداخلية، هاري س. ترومان من أجل تولي مقاليد الحكم، ففي حالة وفاة أو عدم استمرار الرئيس في منصبه قبل نهاية فترة ولايته يذهب منصبه مباشرة إلى نائبه.

على الرغم من ذلك، كانت فرصة محفوفة بالمخاطر لترومان، فهو كما ذكرنا خبير بالشؤون الداخلية، لكنه أقل من ذلك خبرة في الشؤون الخارجية، إضافة إلى مرور ثلاث أشهر فقط على توليه المنصب الحساس، وهو نفس عدد لقاءاته مع روزفلت بشكل مباشر خلال الفترة المذكور (3 لقاءات).

لم تشكل خبرته الضعيفة عائقا أما فرض شخصيته في مؤتمر سان فرانسيسكو؛ المؤتمر التأسيس للأمم المتحدة و الذي شهد مشاركة ستة و أربعون دولة أضيفت إليها أربع دول في فترة لاحقة، حيث وبخ بكلمات حادة وزير الخارجية الروسي فياتشيسلاف م. مولوتوف بسبب عدم تقيد الاتحاد السوفياتي بالإتفاقيات المبرمة في مؤتمر يالطا.

هاري س. ترومان يوجه الضربة القاضية للإمبراطورية اليابانية

سحابة عيش الغراب، فوق المدينتين اليابانيتين عام 1945، هيروشيما (اليسار) وناجازاكي (اليمين)

بعد مؤتمر سان فرانسيسكو (1944)، شارك ترومان في مؤتمر بوتسدام في إطار سلسلة المؤتمرات التي ستشكل خارطة العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وأثناء تواجده هناك، تلقى ترومان سرا خبر نجاح تفجير قنبلة ذرية تجريبية في الولايات المتحدة، ليعطي ترومان فيما بعد الأمر بإلقاء القنبلة الذرية على اليابان بعدما أقنعه من حوله أن القنبلتين الذريتين سيدفعان اليابان للاستسلام وسيقلصان من قتلى الحرب.

كما كان قد أقلقه الزحف و تدخل السوفيات في شؤون حكومات شرق أوروبا، وخاف أن يشمل هذا الزحف اليابان أيضا مما قد يعطيها أفضلية تسديد الضربة القاضية التي تسقط آخر “دول المحور” الصامدة؛ من الذرائع التي اتخذت حول هذا الأمر تجاهل اليابانيين لقرار مؤتمر بوتسدام الذي منح مهلة محددة لليابانيين كي يقدموا استسلامهم، بالرغم من حديث غير مؤكد حول ترجمة خاطئة لرد اليابانيين على القرار المذكور.

“الولد الصغير” يسدد الضربة الكبيرة

طائرة الإينولا جاي وطاقمها الذين أسقطوا القنبلة “الولد الصغير” على مدينة هيروشيما

يعتبر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في نفس الوقت القائد الأعلى للجيش الأمريكي، فأي تحرك من هذا الأخير يحتاج لأمر تنفيذي من الرئيس، وهو ما استغله  كي يعطي الإذن بإلقاء القنبلتين الذريتين.

ألقيت القنبلة الأولى المسماة بـ”السلاح النووي الولد الصغير” يوم الإثنين 6 غشت سنة 1945 على مدينة هيروشيما نظرا لتوفر الأخيرة على مجموعة من القواعد العسكرية اليابانية، حيث انطلقت المجموعة (509) بسرب من الطائرات (393dB29) من القاعدة الجوية الشمالية بجزيرة تينيان غرب المحيط الأطلسي.

وبقيادة من الكولونيل بول تيبتس، تم إلقاء القنبلة النووية التي خلفت ما يعتقد أنه أكثر من 100 ألف قتيل من سكان مدينة هيروشيما، منهم من مات فور إسقاط القنبلة، ومنهم من مات لاحقا متأثرا بالجروح القاتلة التي سببتها شظايا النقبلة، وكذا الإشعاعات الناجمة عن إلقاء القنبلة مسببة مرض السرطان لأي شخص تفاعل معها ضمن مجال تأثير القنبلة.

مدينة كوكورا محظوظة، و”الرجل البدين” يسقط فوق ناجازاكي

الطائرة BOCKSCAR وطاقمها اللذين أسقطوا القنبلة “الرجل البدين” على مدينة ناجازاكي

أما الثانية التي حملت اسم “قنبلة الرجل البدين”،فقد انتظرت التاسع من نفس الشهر؛ الخميس 9 غشت 1945، و كان وراءها القاذفة الأمريكية (B-29BOCKSCAR) بقيادة الميجور تشارلز دبليو سويني، لكن المثير في القنبلة الثانية؛ إضافة إلى اسمها، كان أن الهدف في مرحلة أولية هو مدينة كوكورا.

لكن، ولظروف طارئة أثناء العملية؛ تتعلق بعدم التزام أحد الطيارين بالجدول الزمني المحدد ما سبب نفاذا غير مخطط له في خزان الوقود، أدى إلى تحويل الوجهة نحو المدينة الأقرب، والهدف الموالي ضمن مخططات العملية ألا وهي مدينة ناجازاكي، حيث نالت هي الأخرى نصيبا وافرا من عدد القتلى البالغ حسب بعض التقديرات ما بين 60 و75 ألف قتيل؛ مع عدم اختلاف أسباب الموت عن ضحايا هيروشيما.

وبعد مشاورات عدة داخل الأوساط اليابانية، أكد الإمبراطور الياباني هيروهيتو قبوله بالاستسلام، مع وجود تباين غير مؤكد حول إن كان الاستسلام بسبب الخوف من أسلحة الدمار الشامل الأمريكية، أو من الغزو السوفياتي القادم من الشمال، ويمكن ترجيح الاحتمال الأول نظرا لما حملته الأحداث اللاحقة بوضع الجيش الأمريكي لعدد كبير من جنوده في كل من هيروشيما وناجازاكي.

مراجع متعلقة بالموضوع:

  • الحسني سليم، مبادئ الرؤساء الأمريكيين، دار الإسلام للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2012.
  • زاوتر أودو، رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية منذ 1789 حتى اليوم، دار الحكمة، الطبعة الأولى، لندن، 2006.
  • السروجي محمد محمود، سياسية الولايات المتحدة الأمريكية منذ الاستقلال إلى منتصف القرن العشرين، مركز الإسكندرية للكتاب، الإسكندرية، 2005.
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!