بقلم سعيد عطا: “هل تعيش الإنسانية حاليا تنافس بريمثيوس وأخيه أبيمتيوس؟”

Mohammed El Filali19 مارس 2023آخر تحديث :
بقلم سعيد عطا: “هل تعيش الإنسانية حاليا تنافس بريمثيوس وأخيه أبيمتيوس؟”

بقلم: سعيد عطا

تحلينا الميثولوجيا الإغريقية إلى مجموعة من المواقف التي نعيشها في حياتنا اليومية الراهنة، وكأن هذه الميثولوجيا كانت بمثابة نظرة استشرافية ثاقبة اخترقت كل الأزمنة لتحكي لنا عن مستقبل بعيد ستعيشه الإنسانية، تستهويني قراءة الأساطير لأنني تربيت وعشت عليها منذ الصغر، حينما كانت والدتي وعمتي رحمهما الله تقصان علي قصص سيدنا علي، والغول، وعنترة، وسيف ذي اليزل، وحديدان لحرامي، وجحا، وغيرها من القصص التي تمزج بين الخيال والواقع، هذه القصص التي كنت أنام على وقعها وأحلم بمغامراتها بل كنت أشارك أبطالها في بعض الأحيان، فمرة أقوم مفزوعا وأنا أتجنب ضربة سيف أو لعنة جن أو لمسة سحر، كنت في غالب الأحيان أنتصر وأتلافى المكائد وأنا أطير في الهواء أو أتحول من مكان إلى آخر في رمشة عين، كانت النار لا تحرقني والماء لا يغرقني والتعب لا يصيبني، كنت فعلا جبارا ماردا قاهرا للجن والإنس، كان كل هذا بالطبع في منامي وليس في يقظتي، استمرت معي هذه القصص وهذه الحكايات لترسم لي طريقا مليئا بالتحديات في حياتي اليومية، هذه التحديات التي دفعتني إلى قراءة ومشاهدة وسماع كل وثيقة كانت تنطوي على أسطورة، وكانت الميثولوجيا اليونانية من الميادين التي استهوتني وزجت بي زجا في قاعات السينما أتمتع بأفلام هوليود التي حكت عن أساطير هرقل وشمشون وسبارتكوس وإليس والجبابرة وآخرون، حاكت الصناعة السينمائية لهوليود هذه الأساطير بحبكة درامية عالية لدرجة أن المشاهد لها كان يعيش الحدث وهو يصارع كل المخاطر التي يتعرض لها البطل، لدرجة أن هذه الأفلام أصبحت ملهمة لعدد كبير من أبناء جيلي، كنا نحكي عن البطل صاحب القوام الرشيق والعضلات المفتولة بفيض من المشاعر الجياشة، لدرجة أننا كنا نسمي بعضنا بأسماء هؤلاء الأبطال الذين كنا نعرف أسماءهم الحقيقية أكثر مما نعرف أسماء أدبائنا وعلمائنا.

لنعد إلى خرافنا وإلى موضوع مادتي هاته، تقول الأسطورة الإغريقية أن برومثيوس وأخوه أبيمتيوس كانا من (التايتن) العمالقة، وأن حربا وقعت ما بين العمالقة والآلهة بقيادة زيوس كبير الآلهة، وكان برومثيوس ذا حكمة بالغة عرف عن طرق تنبؤه بالمستقبل بهزيمة العمالقة، فانحاز إلى الآلهة في حربهم ضد بني جلدته وتبعه أخوه أبيمتيوس وجبابرة آخرون، وبعد هزيمة العمالقة أرسل زيوس من يعاقب العمالقة وعفى عن برومثيوس ثم جازاه بأن جعله مستشارا له، بل أكثر من هذا منحه مهمة صنع البشر ومنح أخاه مهمة صنع الحيوانات، أسرع أبيمتيوس في صناعة الحيوانات وأخذ لذلك كل أسباب القوة واضعا إياها في الحيوانات من قوة وسرعة وفرو وأنياب ومخالب ولم يترك لأخيه الذي كان يفضل التريث في صناعة الإنسان، ولما فطن بريمثيوس بأن أخاه لم يترك له سببا من أسباب القوة، التجأ إلى الحيلة وسرق قبس الحكمة من الآلهة وأصبح الإنسان حكيما يُعْمِلُ عقله في كل شيء، لدرجة أنه استطاع أن يدجن الحيوانات بالرغم من امتلاكها لكل أسباب القوة، فعقل الإنسان وحكمته تفوقت على قوة الحيوانات وبالتالي صنع بريمثيوس مخلوقا مثاليا قادرا على أن يتحكم في عناصر الطبيعة كلها، هذا مختصر الأسطورة ، ولكن بعدها الفلسفي أكبر من أن يقف عند هذا الحد، فالإنسان بدون عقل هو كالحيوان يمكن أن يصير أضعف مخلوق على وجه البسيطة لأنه وبكل بساطة لا يملك تلك القوة التي أودعها الله في سائر المخلوقات الأخرى، فبدون العقل يعتبر الإنسان حيوانا ضعيفا.

اليوم يا سادتي يتجرد الإنسان من عقله عبر سياسة ممنهجة يراد بها تركيع العقل أمام الجهل، اليوم يا سادتي يعيش الإنسان بين الجهل المقدس والجهل المؤسس حسب رأي المفكر الراحل محمد أركون، اليوم يا سادتي نرى بأم أعيننا اغتيال مسيرة الفكر الإنساني التي رسمت حضارات سادت ثم بادت، منذ حضارة بلاد الرافدين إلى الحضارة الفرعونية إلى الحضارة اليونانية الهيلينية إلى الحضارة الرومانية إلى الحضارة الإسلامية إلى الحضارة الغربية التي مرت من مخاض عصر النهضة ثم عصر الأنوار بلوغا إلى حضارة انتصار العقل بشتى حقوله المعرفية، اليوم يا سادتي نعيش فترة انتحار العقل أمام حماقة السياسي الذي محور كل الأنساق الفكرية حول المعطى البراغماتي، وجعل من المادة نقدا ومن الإنسان سلعة ومن الأخلاق نعتا تنعت به الجماعات الضعيفة، اليوم تنتحر الفلسفة على محراب الساسة وتتآكل الحكمة على منصة التفاهة، اليوم كل نهيق أصبح فنا وكل الأوساخ أصبحت لوحات تشكيلية، اليوم تتباكى حروف الأدب من شعرها ونثرها على صفحات جرائد العالم الافتراضي، اليوم كل الإبداعات الإنسانية تتمحور حول البوز وحول اللقطة، اليوم أصبح الكذب والرياء لغة السياسي، وأصبح المظهر واللحية سيميائة المتدين، وأصبح التقوقع والتخفي سمة المثقف، اليوم أصبح السؤال الفلسفي إلحادا وأصبح البذخ السياسي موضة، اليوم أصبح إعمال العقل تهمة وأصبح الحمق فنا وإبداعا، فبالله عليكم هل عاد التنافس بين بريمثيوس وأخاه أبيمتيوس ليصبح قائما؟ وهل انتصرت سذاجة الارتجال على رزانة حكمة؟

كنت قد شرعت في كتابة موضوعي هذا منذ أزيد من شهر خلى، وما كنت أنوي التسرع في الخوض فيه لولا خاطرة لزميلي العزيز كريم شوكري التي استفزتني وفرضت علي فتح الموضوع من جديد فهذه الخاطرة تستحق القراءة أكثر من مرة أدرجها هاهنا كاملة:

الجهل نور والعلم عار..

بين الجهل المقدس و الجهل المؤسس حسب تصنيف المفكر الراحل محمد أركون، يثوي قاسم مشترك مؤداه اغتيال ملكة العقل النقدي لفائدة وعي قطيعي ظل يستنفر رموز المدرسة العقلانية منذ فجر الحكمة اليونانية، مرورا بلفيف من التيار الكلامي علم الكلام (théologie) و رواد الفلسفة الإسلامية (الكندي، الفارابي، أبو بكر الرازي، إخوان الصفا، ابن رشد…)، ثم زخم العقلانية الحديثة لعصر النهضة الاوروببة (ديكارت، سبينوزا…) قس على ذلك الأثر السحيق الذي تركه مفكرو عصر الأنوار (لوكو، فولتير، مونتيسكيو…) علاوة على الطفرة المجهضة لمشروع النهضة العربية (رفاعة الطهطاوي، خير الدين التونسي، عبد الرحمان الكواكبي…)..

كل هذا الرصيد الترافعي الذي حاولت من خلاله أجيال الريادة العقلانية على مر أزمنة السؤال الفلسفي والعلمي لم يفلح في تعطيل آلة إنتاج الظلام، ذاك الظلام الذي استحال إلى غباء آدمي مزمن لا يكف عن استفزاز معيشنا اليومي..

عزاؤنا واحد في اغتيال العقل ألف مرة من طرف مهندسي محفل البلادة الذين يناضلون دون هوادة لأجل مطلب “تاريخي” قوامه صيانة “جيولوجيا” التخلف..
انتقل العقل إلى جوار الرفيق الأعلى.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!