تكريم الأستاذ الفاضل سعيد البوزيدي بمؤتمر ثقافي علمي دولي بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية… تكريم للأستاذ وأساتذته وتشريف لطلبته

Mohammed El Filali1 مايو 2023آخر تحديث :
تكريم الأستاذ الفاضل سعيد البوزيدي بمؤتمر ثقافي علمي دولي بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية… تكريم للأستاذ وأساتذته وتشريف لطلبته

تعليق: سعيد عطا / عدسة: المهدي القشيني

تسارع السؤال بكل إيقاعاته يحرك أدواته في ذهني، ويأخذ مني راحة البال ويؤرق مقلتاي ويمنع عنهما النوم، نواقيس الحوارات الذاتية شحذت هممها لتسن لي قوانين الرومان، وتسربل بنات أفكاري بفلسفة اليونان، تحملني عبر دفات الحقب التاريخية في إطلالة سريعة على أعرق الحضارات الإنسانية، من بلاد الرافدين، إلى حضارة الفراعنة، من الحضارة الصينية والهندية إلى حضارة الإنكا والمايا، من الحضارة الإسلامية العربية إلى الحضارة الغربية، سفر ذهني طويل مملوء بالمصطلحات التاريخية الكثيرة والمتشعبة، ولا زال السؤال العنيد يلح علي ويدخلني في فترات البيات الشتوي منكمشا مبتعدا عن الحركة، باحثا عن زاوية تحتضن سذاجتي وتعطي المشروعية لسؤالي البريء الذي يصل درجة الجنون، سيما وأن المكان الذي احتضنتني جدرانه كانت تشتم منه رائحة التاريخ المعتقة بأقدم لغة في المغرب.

كانت أول زيارة لي للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالرباط الذي احضن فعاليات النسخة السابعة من المؤتمر الدولي حول التراث المادي لما قبل العهد الروماني في الشمال الإفريقي، والذي حمل تيمة: “السكن والتمدين بإفريقيا الشمالية قبل الاحتلال الروماني” صبيحة يوم الخميس 27 أبريل 2023، ولم تكن زيارتي الأولى هذه علمية ولا ثقافية بقدر ما كانت زيارة استطلاعية غلب عليها الفضول الصحفي، حيث كنت أنوي استكشاف المكان والإنسان وهو يخلق الحدث من خلال فعالية علمية، كانت الدعوة عامة ولكن الحقائب لم تكن تعطى إلا لأشخاص بعينهم، أي نعم لا يمكن للكل أن يستفيد فهناك دائما إكراهات مادية تطرح، لكنني لم أستطع أن أعرف ما يوجد في تلك الحقائب حتى أتمكن من تقييمها والحديث عنها، فأنا طالب التاريخ الزائر للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أعتبر نفسي واحدا من المعهد بحكم جذوري الأمازيغية، لكنني في نفس الآن أثمن نشاط المعهد لأنه ينبني على أسس علمية محضة ويبحث عن تاريخ الثقافة الأمازيغية وفق معطيات تاريخية وأركيولوجية، ولعل الفعالية العلمية التي يحتضنها في هذه اللحظة والتي تعود بعقارب التاريخ إلى ما قبل الفترة الرومانية هي من الحقب التاريخية الهامة، التي وجب على كل مغربي مؤرخ وغير مؤرخ الاهتمام بها بغية معرفة الأصول الحقيقية لنا نحن كمغاربة جميعا، دون السقوط في فخ الأدلجة والتعصب الذي يعمي أعيننا عن الحقائق، الحضارة الأمازيغية التي هي ديدن المعهد والتي تدخل في صلب اهتماماته وأعماله اليومية، تحتاج منا جميعا التظافر من أجل البحث عن إظهارها للعلن وفرضها على جميع المؤرخين كحضارة لها مقوماتها وخصائصها التي لا يمكن التغاضي عنها.

في قلب هذا الحدث الاستثنائي بالنسبة لي شخصيا جاء حفل تكريم ثلاثة من المؤرخين المغاربة الذين بصموا حقل التاريخ القديم بأعمالهم القيمة، كان حفل التكريم بالفعل حفلا مميزا لأنه جعل من أحد أساتذتي الأفاضل يعتلي منصة التتويج، وتقال في حقه كلمات تثني على أعماله وأخلاقه العالية، كان أستاذي الفاضل سعيد البوزيدي عريس المناسبة إلى جانب كل من الأستاذين الفاضلين عبد الله علوي وحسن ليمان أستاذين بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، فأستاذي الفاضل سعيد البوزيدي يحمل هم التاريخ القديم شأنه شأن زميليه المتوجان معه، وهو أستاذ التاريخ بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، التحق بالمنصة وكما عهدته منتصب القامة مرفوع الرأس تعلو محياه ابتسامة الرضى وقد غلب على حركاته ذلك التنسيق الصارم النابع من شخصيته البسيطة والمتواضعة.

الأستاذ سعيد البوزيدي الذي عرفته منذ أول درس حضرته بالمدرج “أ” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل القنيطرة، في خريف الموسم الجامعي 2019، كنت وقتها طالبا بالفصل الأول شعبة التاريخ والحضارة، وكانت المحاضرات التي يتمحور حولها الدرس تدور في فلك موضوع جديد بالنسبة لي، استطاع أستاذي الفاضل أن يُبَسِّطَهُ بطريقة غريبة جعلت منه سهلا بالنسبة للطلبة الذين كانوا يحضروه، ولا أظن أن طالبا واحدا تغيب عن حصة أستاذنا منذ أن حضر أول محاضرته، الأستاذ البوزيدي يعطيك ويأخذ منك، يعطيك المعلومة في طابق من ذهب واضحة لا لبس فيها، ويأخذ منك الاهتمام البالغ بدروسه الشيقة التي تجعلك أسير سياقاتها المعرفية، كانت الديمقراطية اليونانية هي عنوان الوحدة، لكن أستاذنا الفاضل حولها من حكم الشعب للشعب الذي تعارفنا عليه إلى حكم إعمال العقل في التعامل مع المعلومة التاريخية، لم نشعر ونحن نتابع محاضرات الأستاذ البوزيدي أن الجامعة كيان غريب مختلف عن حياتنا اليومية، بل تمكن أستاذنا الفاضل من جعل الجامعة جزءا من هذه الحياة، حيث استطاع أن يربط الماضي السحيق للإنسانية بحاضرنا وكأننا نعيش هذا الماضي بكل تجلياته في قالب علمي بسيط، كانت هذه هي الوصفة السحرية التي تميز بها أستاذنا الفاضل سعيد البوزيدي، حيث استطاع من خلال محاضراته أن يُبْحِرَ بنا في عوالم السياسة والاقتصاد والاجتماع بطريقة سلسة، وأن يربط الماضي بالحاضر ويجعل من المعلومة التاريخية تستقر في أذهاننا دون عناء، لقد جعل من التاريخ فعلا في متناولنا ولم يكلفنا عناء شحذ أذهاننا بالأرقام والأحداث والوقائع والأسماء، بل جعل من الكتاب المفتوح طريقة للتعامل مع المعلومة في امتحاناته أي أنه كان يريد منا أن نحسن الطريقة التي نتعامل بها مع المعلومة عوض أن نكون أسرى المعلومة التي يرى فيها أستاذنا أنها متوفرة وموجودة في عصرنا بكثرة، لكن كيفية استغلالها وتوظيفها بطريقة علمية هي ما يسعى إليه أستاذنا الذي أقحمنا باكرا في ميدان البحث العلمي الصحيح.

أستاذي الفاضل سعيد البوزيدي الذي تعاملت معه طيلة ثلاثة مواسم جامعية، ما عرفته إلا مبتسما محبا لطلبته مدافعا عنهم إلى درجة الاحتضان، لم أعرف عن الأستاذ سعيد البوزيدي إلا صدرا رحبا وآذانا صاغية ومكتبا دائم الاستقبال للطلبة، كان همه دائما هو مصلحة الطالب من خلال مصلحة الشعبة ومصلحة أساتذتها الأفاضل، كنت كلما وجدت نفسي في الجامعة باكرا توجهت نحو مكتبه الذي وجدته مفتوحا، لم أكن أجد معاناة في البحث عن أستاذي الفاضل البوزيدي فكلما احتجته وطرقت بابه إلا وأجابني، واليوم أنا طالب بسلك الماستر الذي ينسق له الأستاذ البوزيدي بيداغوجيا، عشت من الذكريات أجملها مع أستاذنا الفاضل الذي أبحرت سفينته العلمية هذه المرة من الآلية القانونية التي استعملها الرومان في شمال إفريقيا، وكانت الدروس شيقة لدرجة أسرتنا وطافت بنا في ربوع الممالك المورية العريقة والضاربة جذورها في عمق التاريخ، كانت محاضرات أستاذنا الذي حرص على إبلاغنا لمحتوياتها بطريقته المعهودة راقية في أساليبها بسيطة في محتوياتها، إذ جعل أستاذنا منها مادة دسمة بالمعلومات أخرجتنا من الروتين اليومي للمحاضرات ومنحتنا القوة على معرفة خفايا الفكر الاستعماري الغربي الذي لم يتغير في تركيبته السياسية والفلسفية منذ العصر الروماني، لقد فهمنا الأحداث والوقائع التاريخية الحالية والآنية من خلال النسق الفكري الروماني السائد في ذلك الوقت، وبالتالي فالتاريخ إن تمكنا من قراءته قراءة علمية صحيحة يمكن أن نعرف حاضرنا جيدا.

شكرا أستاذي الفاضل سعيد البوزيدي على محاضراتك وعلى معاملتك لنا، شكرا أستاذي تستحق كل تكريم وكل احترام وتقدير، وما الكلمة التي ألقاها في حقك أستاذك الفاضل مولاي علي الواحدي إلا اعتزاز وفخر نوشح به صدورنا نحن طلبتك، فكلمة أستاذك الفاضل التي أثنت على مسارك العلمي لا يمكن أن تخرج عن تلك الأحاسيس النبيلة التي نشعر بها نحوك، أنت قدوة وستبقى بالنسبة لي شخصيا الأستاذ الذي طبع مسيرتي العلمية ببصمة قل نظيرها لأنك أخرجتني من تلك العلاقة ما بين الأستاذ والطالب المبنية على التلقين المفضي إلى الامتحان، إلى علاقة تبدأ بالامتحان قبل التلقين، فامتحانك لنا كان حول ما مدى قدرتنا على اكتشاف أنفسنا أولا وتكوين شخصيتنا ثانيا ثم البحث عن موضع قدم لنا في ميدان الثقافة العلم، وهذا لعمري من أصعب الامتحانات التي يجد الطالب وسط تياراتها دون أن يقدر على الخروج منها سالما، لكن بفضلكم أستاذي استطعنا أن نجد الطريق القويم الذي من خلاله بدأنا نرسم أول أجمل اللوحات التشكيلية لمساراتنا العلمية، لا يهم اللون هنا ولا الفرشاة ولا اللوح الوبري، فكل الألوان وأدوات الرسم متاحة لنا لأنك علمتنا أن نرسم اللوحة بفكرنا وحواسنا قبل أن نرسمها بأيادينا.

علمتنا أن التاريخ علم يعتمد على ملكات النقد والاستشكال الفلسفي قبل أن يعتمد على المعلومة الجاهزة، علمتنا أن لا نقبل بالجاهز بل علينا أن نزحزح كل الطابوهات ونقتحم كل الممنوعات من أجل البحث عن الحقيقة، علمتنا أن التاريخ مجال مفتوح للتفكير العميق وليس سردا ولا حكيا ولا أرقاما ومصطلحات استهلكت ولا زالت توظف من أجل تفسير ظاهرة تاريخية قد نجد تفسيرها في منطق علمي تفسيرا يسيرا، علمتنا أن التاريخ علم يحتضن جميع العلوم ويبحر بها ومن خلالها ليعانق الإنسان في كل مكان وزمان، فشكرا لك أستاذي الفاضل على ما قدمته لنا وعلى إخلاصك وتفانيك في مهامك الجسيمة التي تقوم بها بكل طواعية وحب حتى في أحلك الظروف.

لا زلت أتذكر وقفتك أمامنا في الفصل وأنت منهك مريض تعلو الحمرة محياك وتأسر جسدك الحمى، وتغيب نبرات صوتك وتختفي وراء بحة بينة، سألناك لأننا نهتم لأمرك فأجبتنا أن السبب وعكة صحية حرمتك وقتها حتى من التمتع بحاسة السمع، لم أكن مطمئنا وقتها فألححت على السؤال حينما انفردت بك فأجبتني بأنك تعرضت لتسمم، وقتها طلبنا من جميع الطلبة أن يرفعوا أكف الضراعة للخالق من أجل شفائك، وفعلا كانت الدعوات نابعة من القلب والحمد لله أن استجاب لها، هذه هي علاقة أستاذي الفاضل مع طلبته ويكفي أن أذكر هذه الواقعة الأخيرة لأضع القارئ وسط تيار الحب الجارف الذي يربط الأستاذ البوزيدي بطلبته، وهذا الحب وحده لا يمكن أن تعوضه مراسيم التكريم مهما كثرت وتنوعت، ويكفينا فخرا نحن طلبة الأستاذ سعيد البوزيدي أن تم تكريمه لأن في تكريمه تشريف لنا وافتخار لأننا طلبة هذه الشخصية الرائعة العالمة الإنسانية، فألف شكر لكل الجهات المنظمة لحفل التكريم، ألف شكر لكل الأستاذات والأساتذة وكل من شرف بالحضور، ألف شكر لطلبة الأستاذ البوزيدي الذين حضروا مراسيم التكريم، وكل عام أستاذي الفاضل وأنتم بألف خير.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!