جامعة ابن طفيل بالقنيطرة تحتضن  الدرس الافتتاحي لتكوين الدكتوراه في الصحافة والإعلام بعنوان: “التواصل السياسي في ظل الإعلام الرقمي”

Mohammed El Filali20 فبراير 2023آخر تحديث :
جامعة ابن طفيل بالقنيطرة تحتضن  الدرس الافتتاحي لتكوين الدكتوراه في الصحافة والإعلام بعنوان: “التواصل السياسي في ظل الإعلام الرقمي”

تغطية: أخبار الفجر المغربية / سعيد عطا

وأنا أتصفح الحائط الأزرق عبر جولة صباحية معتادة، استوقفني منشور يحمل إعلانا عن درس افتتاحي من تنظيم تكوين الدكتوراه بعنوان: “التواصل السياسي في ظل الإعلام الرقمي”، من تأطير السيد مصطفى بايتاس الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان الناطق الرسمي للحكومة، لم يكن موضوع اهتمامي هو السيد الوزير لكن ما احتواه الإعلان من كلمات مفتاحية هو ما شدني وزاد من فضولي، فأنا العبد الضعيف الذي مارس الصحافة لما يزيد عن أربعة عقود من الزمن ولا زلت أمارسها، تسابقت في ذهني أسئلة ملحة سيما وأن ميدان الإعلام يشدني إليه شدا، زد على ذلك أنني طالب جامعي استهوتني الدراسة الأكاديمية وقطعت علي تقاعدي وأرغمتي على ارتياد الجامعة من جديد كي أشفي غليلي من الحرمان الذي فرض علي منذ سنوات وزج بي في الوظيفة العمومية من أجل سد رمق العيش، لم أكن وقتها قادرا على مسايرة الإكراهات التي عطلت لذي كل تعلق بالدراسة الجامعية، وما بين حبي للدراسة الجامعية وعشقي للصحافة وجدتني أتقلب بين أسئلة حتمية من قبيل: “هل سأحضر هذا الدرس سيما وأن الدعوة عامة؟” “وهل سأستفيد من محتوى هذا الدرس؟”، “وهل سيكون للسيد الوزير الجرأة على الخوض في ما هو أكاديمي دون التطرق إلى ما هو سياسي ضيق أو حزبي؟” أسئلة لن أجد لها جوابا إلا إذا حضرت شخصيا للدرس، من هنا بدأت تتراكم على مخيلتي أسئلة أخرى: “بأية صفة سأحضر، بصفة الصحافي أم بصفة الطالب الجامعي؟” “وهل سأشارك في الحوار إن كان هناك حوارا أم سأكتفي بالحضور؟” “وإذا ما تدخلت ما نوع المداخلة التي علي الخوض فيها؟”، لم تكن الإجابات سهلة على أسئلتي التي طرحت، لكنني انصعت لفضولي الصحفي وتوجهت إلى المكان الذي سيحتضن الفعالية الثقافية، ما كان لي وقتها إلا تعطيل كل الأسئلة والاكتفاء بالصورة النمطية التي ارتسمت في ذهني والتي أخذت شريحتها من الذاكرة الشخصية، إذ اعتبرت اللقاء عبارة عن درس تقليدي سيلقى في حضور الطلبة والحضور، من أجل تلميع الصورة وملء القنوات الإعلامية بالخبر على اعتباره حدثا كبيرا استضاف شخصية بارزة في المجتمع المغربي.

رافقني ابني طارق الذي له اهتمام شخصي بالموضوع، وصلنا الجامعة هذه المرة غيرنا وجهتنا من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى فضاء المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير التابعة للمركب الجامعي بجامعة ابن طفيل، لم أكن أعرف موقع المسرح الجامعي المتواجد بها، لكن تواجد ابني معي سهل علي الأمر، فابني خبر المكان يعرف مسالكه ودروبه لأنه قضى به سنوات كثيرة، وصلنا المقر الذي سيحتضن التظاهرة فوجدنا القاعة فارغة دخلت وتوهت إلى الصفوف الأمامية ثم جلست، وبعد لحظات امتلأت القاعة عن آخرها وكأن الحدث فعلا غير عادي، وصل الوفد الرسمي: “السيد الوزير يرافقه السيد عز الدين الميداوي رئيس جامعة ابن طفيل والسيد محمد ازرو عميد كلية اللغات والآداب والفنون، والسيد محمد هموش رئيس مختبر تكوين الدكتوراه في الصحافة والإعلام الحديث”.

انطلقت فعاليات الدرس بكلمة للسيد هموش الذي قدم للحاضرين السيد بايتاس بكلمة قصيرة مركزة سرد من خلالها نبذة عن السيرة الذاتية للسيد الوزير، وشكر السيد الوزير على تلبيته للدعوة كما شكر السيد رئيس الجامعة والفريق البيداغوجي والطلبة الذين جعلوا من هذا الدرس أمرا واقعا بفعل مجهودهم الكبير، ثم أخذ الكلمة السيد رئيس الجامعة الذي شكر السيد الوزير وأثنى على مجهوداته الكبيرة التي تجمع ما بين المسؤولية الوزارية والأنشطة الثقافية والاجتماعية مؤكدا على ثقافته الواسعة سيما في مجال التواصل، كما شكر السيد الرئيس السيد هموش على مجهوداته الكبيرة التي تندرج ضمن التكوين الرصين والهادف الذي تسعى الجامعة إلى نهجه من خلال إدارتها وأطرها التربوية، مؤكدا على أن كل أعمال الجامعة هي بالأساس أعمال من أجل الرفع من المستوى الثقافي والعلمي لطلبة الجامعة، تحدث السيد الرئيس أيضا عن التقسيم الذي طرأ على بعض الكليات والتي يرى فيه السيد الرئيس دفعة قوية أعطت للكليات هويتها الخاصة وقوت من تواجدها ضمن الخريطة الجامعية المغربية، أكد في الأخير أن الجامعة لها هدف وحيد هو خدمة الطلبة بالدرجة الأولى.

عاد السيد هموش ليذكر الحاضرين أن هذا النشاط يدخل ضمن فعاليات انفتاح الجامعة على محيطها السوسيوثقافي، والهدف منه هو استكشاف العلاقات السياسية عن طرق التواصل الاجتماعي، ثم طلب السيد هموش من الحاضرين الإنصات الجيد للمحاضرة.

في كلمته أوضح السيد المحاضر، بأن المناصب التي تقلدها كانت في فترات متباعدة ولم تتداخل فيما بينها وذلك عبر مسيرة طويلة دامت عشرين سنة متفرقة، ثم عبر عن سعادته للدعوة الكريمة التي تلقاها لأنها أعادته إلى الجامعة مؤكدا أنه منتوج المدرسة والجامعة العمومية بامتياز، أعاد السيد بايتاس على الحاضرين لحظة اصطدامه مع محيط جديد في الجامعة حيث انتقل من مدينة صغيرة سيدي إيفني إلى مدينة مراكش العملاقة التي تحتضن بين مؤسساتها الجامعية طلبة من مختلف المناطق المغربية، كانت الجامعة بالنسبة للسيد المحاضر مرحلة انعطاف ثقافي وعاطفي.

انتقل السيد بايتاس لصلب الموضوع والذي اعتبر محتواه أمرا هاما، فالتواصل بالنسبة للسيد بايتاس موضوع متشعب لا يمكن القبض على ناصيته من خلال محاضرة واحدة، اعترف السيد المحاضر أنه ليس خبيرا في مسألة التواصل لكنه وجد نفسه يمارس هذه المهنة منذ سنوات، تحدث السيد المحاضر عن الصعوبات التي اعترضت سبيله في مجال التواصل والتي يمكن إجمالها في صراع الأجيال، حيث كان أصغر عضو في المجلس الجماعي وكانت قنوات التواصل عسيرة نوعا ما، فكيف سيقدم المعلومة المتوفرة للجميع في ظل إعلام رقمي يتطور باستمرار وبشكل رهيب، أعطى السيد المحاضر مجموعة من الأرقام التي بين من خلالها انتشار التقنية الحديثة في المغرب، فعلى سبيل المثال 33 مليون مغربي يستعملون الأنترنيت أي ما يناهز 88% من المغاربة، كما أن هناك أزيد من 50 مليون هاتف خلوي بالمغرب، وهاته الأرقام تؤكد لنا أن هناك اهتمام كبير بالعالم الرقمي في بلدنا.

انتقل السيد بايتاس ومن خلال الأرقام ليبين للحاضرين أن الأخبار الزائفة تروج ست مرات أكثر من الأخبار الصحيحة، وأن تسعة من بين عشرة وقعوا ضحية هذه الأخبار، كما أن 93% يتلقون أخبار غير موثوقة، يعود هذا حسب رأي السيد المحاضر إلى طبيعة النموذج الاقتصادي الذي بني على الربح عن طريق الإشهار، فمثلا فيسبوك وحدها بلغ إجمالي ربحها 22 مليار دولار، كما أن خُمُسَ سكان العالم ينشطون على مستوى هذه الفضاءات.

وفي حديثه عن الحرية وعلاقتها بالديمقراطية والتي قاربها من الناحية السياسية، رأى السيد الوزير أنه على المرء التمييز بين التعبير عن الرأي والفعل الديمقراطي، كما رأى أن ضعف المؤسسات السياسية في علاقتها مع المواطن من المعضلات التي تجعل هذه المؤسسات تفقد جاذبيتها، وتجعل الفضاء الإلكتروني بديلا لها لإبداء الرأي، ولكن المشكل يكمن في الانزلاق الذي قد يحول هذه الفضاءات إلى بديل للديمقراطية، لدرجة أن هذه الفضاءات الرقمية تصبح منافسا للفعل السياسي، وما ينبغي التفكير فيه هو إيجاد حل يعزز دور الصحافة في العالم الافتراضي، فما ينشره الصحفي حسب رأي السيد الوزير يكون ذا مصداقية أما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي نجده في نسبة كبيرة منه يجانب الصواب.

طرح السيد المحاضر سؤالا جوهريا عن كيفية الاستغلال والاستفادة من الفضاء الرقمي عن طريق التحصين لا عن طريق التقيد بالقوانين، فالسياسي لكي ينجح عليه أن يتواصل بشكل جيد، والتواصل يحتاج إلى الكثير من القرب، فالسياسي لا يمكنه حسب رؤية السيد المحاضر العمل بدون تواصل بالرغم من أن التواصل ينطوي على إشكاليات كبرى، فجميع السياسيين يعملون على ترك صورة جميلة لدى الرأي العام وذلك عن طريق نهج مسارين: إما أن يشتغل الفاعل السياسي على صورته الشخصية مباشرة، أو أن يعمل على التعامل مع الواقع بسلبياته وإيجابياته، فالحكومة الحالية حسب السيد بايتاس وجدت ثلاث أوراش كبرى هي التعليم والصحة والتشغيل، وهي مشكلات كبرى تحولت إلى إصلاحات مؤجلة منذ سنوات، جاءت الحكومة الحالية من أجل العمل على هذه الملفات الثلاثة، لكن حسب السيد الوزير ظهر سياق آخر جديد مختلف هو التضخم، وهذا عطل نوعا من التعامل مع الملفات الكبرى الأخرى وبرر السيد الوزير ذلك بأن السياسي حينما تناط به مسؤولية تسيير الشأن العام عليه إلا يفكر في صورته الشخصية، عاد السيد المحاضر بصورة ذكية إلى الوراء وأعطى مثلا بالمرحوم السيد عبد الرحمن اليوسفي الذي كان الإعلام ينهال عليه ليل نهار بالانتقادات، لكن حينما ولت فترة ولايته أصبح الإعلام يثني عليه ويحن إلى فترته، وهذا شيء بديهي في رأي السيد بايتاس وكأني بالسيد الوزير يقول بأن حكومتنا ستجد من يثني عليها مستقبلا سيما وأنها حكومة تولت مسؤولية البلاد في فترة عصيبة من كوفيد إلى الحرب الروسية الأوكرانية، حتى أن البعض نعتها بحكومة البرد وقد تصبح حكومة الشتاء، استطرد السيد المحاضر يقول بأن وظيفة السياسي تبنى دائما على التراكم، ورأى أن المعارضة ليست مخولة لتقييم الشأن العام لأنها ذات مصلحة، أردف السيد المحاضر يقول بأن الموضوعية تقتضي التجرد من الأفكار الواردة في الفضاءات الرقمية، والصحافي عليه أن يتجرد ولا ينساق ويكون ذا رؤية ناقدة ثاقبة، فمعالجة المشكلات لا يكون بالإحراج بل بإيجاد البدائل، ولا بد للصحافي أن يسلك مسارات مهنية لتقديم إجابات حقيقية للمواطن.

أما السيد مولاي عبد الملك الداودي عضو الفريق البداغوجي، فشكر بدوره السيد الوزير وأثنى على مداخلته القيمة، حيث رأى فيه أنه تحدث بمنطق السياسي المحنك جعله يتميز بنظرة ثاقبة وبعد نظر ثقافي واسع. فسح المجال للتدخلات الطلبة والسادة الحاضرين وكانت كل التدخلات في المستوى الرفيع مما أغنى المحتوى ورفع من قيمة المحاضرة كي ترقى إلى مصاف المحاضرات الجامعية الرصينة.

في رده كان السيد الوزير لبقا جعل من السياسة تتزاوج مع الإعلام في بعد ثقافي جعل من الصبيحة بحق صبيحة عمت فائدتها جميع الحاضرين، فالسيد الوزير الذي مزج بين الإعلام والصحافة بلمسة سحرية كانت قنواتها الصوت الهادئ والحركات المتناسقة والمحيا الذي لا تغيب عنه الابتسامة لدرجة تشعرك وكأنك تعيش قطعة فنية متكاملة الأركان، كانت المحاضرة فعلا ناجحة استعمل فيها السيد الوزير ثقافته السياسية وحنكته التواصلية لدرجة أنه استطاع إخراج محتوى المحاضرة من روتين الدروس النمطية التي ألفناها في جامعاتنا، السيد الوزير أبان عن مهارة نادرة في تجنب الخوض فيما هو سياسي بالطريقة المعهودة بل كانت محاضرته عبارة عن درس أكاديمي بَلَّغَ من خلاله رأيه في الانتماء السياسي الذي اعتبره ضرورة تقتضيها الديمقراطية ولا يمكن تعويضها بالفضاء الرقمي.

شكرا للسادة القيمين على هذا الدرس وشكرا للسيد الوزير على سعة صدره وتفاعله مع الحاضرين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!