سيدي قاسم تكتب فصلها السينمائي الخامس والعشرين… حين تصير العدسة مرآة للمجتمع
بقلم: يونس الركيك
في مدينة تُراهن على الفن كخلاصٍ ثقافي وتنويري، وتؤمن بأن السينما ليست ترفاً بل ضرورة حضارية، تستعد سيدي قاسم لاحتضان الدورة الخامسة والعشرين من مهرجان الفيلم المغربي القصير، ما بين 7 و10 نونبر 2025، تحت شعار لافت وعميق: “السينما مرآة للتحول المجتمعي”.
شعار ليس عابراً في زمن يضج بالتحوّلات، ولا هو مجرد تيمة بروتوكولية تُجمّل الواجهة. بل هو إعلان ناضج عن إدراك المهرجان لدوره كمنصة لتشريح الواقع المغربي، بعيون المبدعين، وبكادر يلتقط ما لا تراه السياسة ولا تقوله البلاغة الرسمية.
العدسة التي لا تجامل منذ ربع قرن، ظل هذا المهرجان يتطوّر على مهل، كتجربة تتعثر حيناً وتتوهّج أحياناً، لكنه أبداً لم يفقد البوصلة: الانتصار للسينما الجادة، المؤمنة بقيمة السؤال، وبقوة الصورة في زعزعة القناعات الكسولة.وفي دورة اليوبيل الفضي، لا تكتفي اللجنة المنظمة ـ وعلى رأسها جمعية النادي السينمائي بسيدي قاسم ـ بالاحتفال بالتاريخ، بل تمضي أبعد: نحو إعادة تأسيس المشروع الثقافي على أرضية صلبة من النقد والوعي والتجديد.
أفلام تنافس.. وأفكار تتصارع البرنامج الفني للدورة يعد بمنافسة سينمائية حامية بين أفلام مغربية قصيرة تمثل أجيالاً ورؤى مختلفة، تسعى كلها لاقتناص الجوائز، لكن الأهم أنها تسعى لاقتناص لحظة صدق مع الذات المغربية.
وسيكون للجمهور موعد مع لجنة تحكيم وازنة، يرأسها المخرج فؤاد السويبة، المعروف باختياراته الجمالية الدقيقة، إلى جانب وجوه فنية ونقدية راكمت تجربة معتبرة، ما يضفي على التقييم مسحة من الجدية والنزاهة الجمالية.
السينما ليست حفلاً عابراً ليست الجوائز سوى جزء من المشهد. فالمهرجان يراهن، كعادته، على الأنشطة الموازية كرافعة للتكوين والتأطير والانخراط المجتمعي ورشات في السيناريو، الإخراج، والمونتاج، ندوات فكرية حول “السينما والتحول الاجتماعي”، لقاءات مفتوحة مع مخرجين شباب ورواد، كل ذلك يُحوّل المدينة إلى فضاء حي للنقاش والتعلم والتفاعل.
هي دعوة مفتوحة لسكان المدينة، لطلابها، لمثقفيها، وحتى لزائريها، كي يشهدوا كيف يُمكن لصالة عرض بسيطة، أن تُحوّل مساءً عادياً إلى لحظة وعي حين تكون السينما موقفاً ما يميز مهرجان سيدي قاسم ليس فقط فنيّته، بل وفاؤه الدائم لثلاثية نادرة: الاستمرارية، القرب، والجرأة.
فهو مهرجان لا ينغلق داخل صالات العرض، بل ينفتح على الساحات، على المدارس، على الهامش الذي تُهمله الأضواء. هو صوت للمغرب غير الرسمي، للقصص التي لم تروَ، للوجوه التي لم تُصوَّر، وللأسئلة التي لم تُطرَح بعد.
كلمة أخيرة…في زمن يسيل فيه الحديث عن “التحول المجتمعي” من أفواه الساسة والخطباء، تبدو السينما المغربية القصيرة، كما تُحتفى بها في سيدي قاسم، أصدق من كل الشعارات. لأنها تُصوّر أكثر مما تشرح، وتلمس أكثر مما تُنَظِّر.
فهل نُصغي جيداً لما ستقوله الكاميرا في نونبر القادم؟ هل نملك شجاعة أن نرى أنفسنا، كما نحن، في مرايا المخرجين الشباب؟ الجواب هناك…في دار الشباب، في صالة العرض، في فيلم لا تتجاوز مدته ربع ساعة، لكنه قادر على تلخيص وطن بأكمله.















































