
سعيد عطا / القنيطرة
أيها المواطن المغربي، لا تتعجب ولا تستغرب، أعرف أنك تتساءل في قرارة نفسك عما يجري في الشارع المغربي حاليا، وأعرف أنك تستغرب للحمى التي اسْتُعِرَتْ وفاقت حمى كوفيد 19، وأعرف أنك حائر متردد في تصديق ما يقال من كلام في الحملات الانتخابية التي انطلقت وبلغ بها المسير إلى دروب وأزقة الأحياء الشعبية، نفس الخطاب ونفس الوجوه، ونفس البرامج وكأنها نسخة طبق الأصل، لم تتغير ولم يطرأ عليها جديد، نفس الوجوه القديمة لم تقدم لناخبيها سوى الوعود.
الكل جاء بشعار التغيير، وهو نفس الشعار الذي رُفِعَ من قبل في جميع الفيضانات الانتخابية، يستغفلونك ويستحمرونك ويضنون أن ذاكرتك قصيرة مثل ذاكرة السمك، يضنون أنه بورقة نقدية سيشترونك، أو بوليمة سيذهبون فطنتك، تناسوا أنهم السبب فيما بلغته البلاد والعباد من فقر وهشاشة، يقدمون أنفسهم على أنهم الخلاص وما بعدهم إلا الطوفان، بأريحية تامة يطرقون أبوابكم بملابس رثة بالية، وهم يركبون الدراجات الهوائية، يقبلون صغاركم وشيوخكم، وتعلوا وجوههم تقاسيم الياس والتأسف على أوضاعكم، اطلبوا ما شئتم وسيلبون طلباتكم، بل طلباتكم أوامر، يجلسون فوق الحصير ويأكلون من موائدكم المتواضعة بنهم وكأنهم جوعى فعلا للطعام، وما هم في الحقيقة جوعى إلا للمناصب والكراسي، تناسوا أنهم وخلال خمس سنوات مضت لم يطرقوا بابا ولم ينصتوا لنبض الشارع مرة، بل كانوا يأمرون من وراء مكاتبهم، كل المشاريع التي حققوها وأنجزوها كانت لصالح رجال الأعمال ولم تكن لصالحكم، كدسوا الأموال وراكموا الممتلكات من شقق فاخرة وضيعات وسيارات فارهة، تركوا لنا إرثا ثقيلا من المشاكل ومن المصائب.

واليوم جاؤوكم من جديد بعدما غيروا جلدتهم وانتماءاتم الحزبية، فلا نضال ولا انتماء لهم سوى الكراسي والمناصب، حَوَّلُوا الأحزاب الوطنية مع كل الأسف إلى مقاولات عائلية، يتحكمون فيها كيفما شاؤوا بقدرتهم المالية، صاحب “الشكارة” هو وكيل اللائحة والأخرون “حياحة”، هكذا تحولت الأحزاب الوطنية التي ناضلنا فيها لعقود من الزمن، إلى مقاولات عائلية يتصدر فيها رجل الأعمال اللائحة وتتصدر أخته اللائحة النسائية، ويقصى المناضلون الحقيقيون من اللوائح بحجة أنهم لا يروقون لصاحب الشكارة، رحمة الله على النضال الحزبي في المغرب، فالأحزاب اليوم وعلى مستوى قياداتها تبحث فقط عن الكراسي البرلمانية أو الجماعية أو الجهوية، ولا يهم النضال الذي كرست له نخبة من المناضلين أياما بلياليها من أجل الدفع بالحزب، المعضلة الكبرى أنه إذا كنت فعلا مناضلا غيورا تدافع على حزبك، وتدود عنه بكل ما أوتيت من قوة أمام الخصوم، تحارب وتحاك ضدك المكائد من طرف الوصوليين والانتهازيين وتصبح العدو رقم واحد لهذا الحزب.
بهذه الفعلة عدد كبير من المناضلين الحزبيين اختاروا تجميد أنشطهم الحزبية طواعية وخلى الجو لسماسرة الانتخابات، فوق هذا كله فإن القيادات الحزبية لا يهمها المناضل أكثر مما يهمها الكراسي والمناصب، فكيف بربكم لأحزاب وطنية أن تزكي مرشحين كانوا بالأمس القريب مناضلين في أحزاب أخرى، وكانوا يطعنون وسيبون حزبهم الجديد الذي احتضنهم، وكيف بالله عليكم أن تضعوا ثقتكم في أحزاب على رأسها رجال أعمال همهم الوحيد هو مراكمة الأموال، لا أخلاق لهم وكل شيء بالنسبة لهم سلعة تباع وتشترى في الأسواق.

لا أعمم هذا المعطى على كل الأحزاب، ولكن علي أن أقول بأن، كل الأحزاب التي سبق لها أن شاركت في تدبير الشأن الوطني في الحكومة، أو الجماعي في المجالس البلدية، كلها أحزاب أبانت عن خبثها السياسي وعاملت المواطن المغربي على أنه عنصر انتخابي يساهم في تزكية موضعها السياسي، فأنت عزيزي المواطن مجرد ورقة انتخابية تنضاف إلى صناديق الاقتراع وترجح كفة هذا على ذلك، ولا صوت لك يسمع ولا رأي لك يعد به أثناء فترات التدبير، مثقفونا من أساتذة جامعيين ومفكرين وأدباء وفلاسفة وأطر عليا، يقصون من اللوائح بحجة أن أراءهم لا تخدم مصالح الأحزاب، وإذا ما تم قبولهم فإنهم لن يكونوا وكلاء للوائح إلا في حالات نادرة، فهم بالنسبة للأحزاب مجرد ديكور تزين بهم اللوائح، فلعبة الديمقراطية في انتخاباتنا لعبة خبيثة لأن الأحزاب أصلا لا تؤمن بالديمقراطية ولا تمارسها داخل مؤسساتها.
فالتعيين هو الأصل في تشكيل المكاتب المسيرة للأحزاب وحتى النقابات، بحجة أن الوضع لا يسمح وأن على الحزب اختيار لائحة متجانسة الأعضاء من أجل الاستمرارية، فالمكاتب الوطنية ورغم قعقعة المؤتمرات تعين ولا يمكن للكاب الوطني أن يصل إلى المنصب إلا عن طريق الدسائس والمؤامرات التي تحاك في الكواليس وفي بعض الأحيان عن طريق القوة والعراك، وحينما يصل الكاتب أو المسؤول الوطني للمنصب، يختار فرقه في الأقاليم من أجل قطع الطريق عن المعارضين له، فعن أية ديمقراطية تتحدثون، لا يصل وكلاء اللوائح إلا بالتزكية، ولا يصل الكتاب المحليون والإقليميون والوطنيون إلى مناصبهم إلا عن طريق الدسائس والمكائد والعلاقات، ويبقى المناضل البسيط هو الضحية لأنه لن يصل لا إلى مجلس جماعي أو برلمان لأنه خلق من طينة غير التي خلق منها أصحاب الشكارة والوصوليين والانتهازيين.

هناك أحزاب ومناضلون شرفاء وهم مع كل الأسف قلة اقتحموا باب الاستحقاقات الانتخابية من باب غيرتهم على المواطن المغربي، وهؤلاء فعلا هم الذين يستحقون تقتك أيها المواطن المغربي، فأنت أمام امتحان لا يفيدك فيه لا العلاقات العائلية ولا القرابة ولا الزمالة ولا الصداقة، فاختر مرشحيك بعناية وتجرد من كل روابطك، واعلم أن الاستحقاقات لا تدوم إلا يوما واحدا لكن مصيرك ومستقبلك ومستقبل أبنائك سيبقى معلقا وفي يد من ستصوت عليه، فإن أحسنت الاختيار، تكون قد قدمت خدمة كبيرة لك ولأبنائك ولوطنك، وإن أسأت الاخيار لا قدر الله فاعلم أنك وضعت مصيرك ومصير أبنائك ووطنك في يد سماسرة لا يهمهم إلا جمع الأموال على حساب مصالحك الحيوية.
أنت تعلم وأنا على يقين بأنه لا رجال الأعمال ولا أصحاب الشكارة ولا الحربائيون الذين يغيرون أحزابهم كما تغير الحرباء ألوانها ينفعونك، كما أن المتاجرة بالعقيدة أو بالأموال هي آفة ومعضلة عليك استئصال شأفتها من العمق لأنها مع كل الأسف أوصلتنا إلى السكتة القلبية في كل الأشياء، لنجرب أناسا جدد لم يدبروا شأن مجالسنا الجماعية أو التشريعية، فقد نجد فيهم ما لم نجده في تلك الوجوه القديمة التي عمرت طويلا في مجالسنا ولم تقدم لنا سوى التقهقر والفقر والهشاشة.
تلك الوجوه التي لن تغير من سياساتها الكلاسيكية التي أورثتنا كل المصائب فهذه السياسات لم تعد مجدية، ونحن في أمس الحاجة إلى سياسات تدبيرية جديدة قد نجدها في شبابنا وفي الوجوه التي كان خطابها بسيطا غير ديماغوجي لا يحمل وعودا كاذبة ولا يجعل من التدبير شأنا خاصا بالمكاتب المسيرة لمجالسنا المنتخبة، بل يجعل من عملية التدبير عملية تشاركية للمواطن الحق في إبداء الرأي والأخذ به إن كان صائبا، علينا إيجاد وجوه جديدة تُخْرِجُ تدبير الشأن المحلي والوطني من روتين الإدارة وتنقله إلى الشارع، وهذا ليس بمستحيل إن نحن أحسنا الاختيار.
















































صحيح وإني أحييك الأستاذ عطا على هذه الغيرة الوطنية