دروس من غزة
لا عزاء للمتصهينين، فهم نفايات مزبلة التاريخ
بقلم: سعيد عطا
حينما يزحزح التفكير أصنام الثوابت، وحينما يقتحم المفكر معابد الطابوهات ويكنس عتباتها المقدسة من حثالة الكهنة، فاعلم أخي وعزيزي القارئ أن القلم سيصبح سيفا مسلطا على رقاب “حكام” التفاهة، وأن سدنة هذه المعابد سيسقطون في أوحال الخزي والعار، فلا سراديب الدعاية السوداء ولا خوارزميات قادة النظام الدولي سيقدرون على مجاراة التيار الجارف للحقيقة، فالتخندق السلبي في العقلانية المنزوعة من كل الأحاسيس الإنسانية، والإفراط في الجهر بحرية العبير التي يراد بها إرضاء الآخر، لن تكون إلا سموما يراد بها زحزحة القناعات، والقفز على الثوابت التي رضعناها من تدي أوطاننا، إننا أمة ضاربة في عمق التاريخ لا العقيدة ولا القومية ولا الوطنية صنعتها، بل هي صنيعة سيرورة تاريخية متعمقة في الوجدان الإنساني، وكل نقطة نور تشع عبر وطننا من خلال مفكرين شباب يراد لها أن تقبر في مهدها، إنها والله لنقطة مضيئة في عتمة متاهات الأفكار التي تدعي القدرة على التحليل، في زمن أصبح فيه التحليل رديفا وصنوا للرداءة.
لقد لُقِّنَّا خلال ستين يوما دروسا في المقاومة، هذا الفعل الراقي الذي وصل إلينا عبر رسائل مرئية ومسموعة من غزة المكلومة، غزة العزة التي تقاوم وحدها أعتى الدول بجبروتها وطائراتها وصواريخها الذكية والغبية ومدرعاتها المصفحة وحاملات طائراتها وكل ترسانتها من الأسلحة الفتاكة، غزة التي تُدَكُّ بيوت أهاليها على رؤوسهم ويمنع سكانها من أبسط مقومات العيش تأبى إلا أن تقف في شموخ وترفع رؤوس الغزاويين إلى الأعالي، غزة التي يصدح سكانها بأعالي أصواتهم نصرة للمقاومة، غزة التي حاصرها الشقيق قبل العدو من البر والبحر لمدة 18 سنة، تبصم عن فعل مقاوم وتنتفض ضد الظلم وهي لا تنتظر من أحد أن يسعفها، غزة التي بإمكانيات أبنائها البسيطة استطاعت أن توفر بيئة مقاومة قل نظيرها، بل أصبحت مدرسة في المقاومة لما ابتكرته سواعد وعقول أبنائها من أساليب جديدة ستدرس وستبقى للتاريخ، وستتسابق المدارس والكليات العسكرية في العالم لتلقينها لروادها.
مع كل هذا يحز في النفس أن تجد عربا من بني جلدتنا يتلذذون بمآسي الغزاويين، وينعتون المقاومة بالإرهاب وكأنهم يتحدثون بلسان الصهاينة، فالمقاومة لا دين ولا عرق ولا جنسية لها بل هي ملك للعالم أجمع، نصرنا المقاومة في كوبا مع تشي كي فارا ونصرناها مع نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا، ونصرناها مع عمر المختار في ليبيا ومع الأمير عبد القادر الجزائري ومع عبد الكريم الخطابي وآخرون، ولم نكن وقتها نصنف هذه المقاومة لا تصنيفا عقائديا ولا عرقيا، بل كانت أحاسيسنا الجارفة تفرض علينا نصرة المظلوم في أي زمان ومكان، وسنبقى مصرين على نصرة هذا المظلوم لأننا جبلنا على ذلك ولأن وازعنا الإنساني يجرفنا إلى ذلك ولأن ضميرنا يملي علينا ذلك.
فلا عزاء للمتخاذلين والمتصهينين الذين يضنون أنهم وبنصرتهم للغرب والصهاينة قادرين على إيجاد مساحة تحت الشمس، لكن هم لا يشعرون بأنهم ينتحرون ويعرضون سمعتهم أمام مجتمعاتهم إلى التآكل، وسيصبحون مع مرور الوقت عبارة عن نفايات سيلقى بها في مزبلة التاريخ.















































