يقول المثل الشعبي: اللي قال العصيدة باردة يدير يديه فيها

Mohamed Filali5 سبتمبر 2025آخر تحديث :
يقول المثل الشعبي: اللي قال العصيدة باردة يدير يديه فيها

 بقلم: الدكتورة سعاد زبيطة                  

عيد مولد نبوي سعيد للجميع

العصيــدة

يقول المثل الشعبي: اللي قال العصيدة باردة يدير يديه فيها.

العصيدة هي في الأصل اللغوي للفعل “عَصَدَ”، و”عَصَدَ الشيء”، أي عقده ولواه، و”عَصَدَهُ على الأمر”، معنى أكرهه عليه، وعَصَدَ المَريضُ، أي مات و”عَصْدٌ”، يعني اللَيّ، وعَصَدَ الحبْلَ، عقده ولَوَّاهُ، وهو ما أُخذت منه كلمة “العصيدة”، وهي دقيقٌ يُضافُ إِليه ثلاثةُ أَمثاله من الماءِ كَيْلاً، ولا يزال يُحَرَّكُ يُعتقد أن تسميتها جاءت من فعل “العصد”، وهو العملية التي يتم بها تحريك هذا الخليط الكثيف بقوة. ويُعتقد أن تسميتها جاءت من فعل “العصد”، وهو العملية التي يتم بها تحريك هذا الخليط الكثيف بقوة.

ويعود تاريخ العصيدة إلى آلاف السنين، حيث اكتشف باحثون آثار العصيدة من الشوفان تعود إلى 32 ألف سنة، مما يدل على أن الإنسان القديم كان يحضر هذه الوجبة، فكان يطحن الحبوب ويصنع منها عصيدة، بل ويحولها إلى دقيق وربما خبز.

وفي العصر الروماني، كان يُعرف طبق يشبه العصيدة باسم “بيلمونتيم” “pulmentum” مصنوع من الحبوب المسلوقة مثل القمح والدخن والكستناء.

وفي شمال افريقيا عند اللوبيين الأمازيغ كانت موجودة منذ اكتشاف الزراعة وقبل الاسلام والمسيحية واليهودية، وتشير المصادر المختلفة إلى انتشار هذا الطبق عند المغاربة منذ قرون، فقد جاء في كتاب الطبيخ في المغرب والأندلس في عصر الموحدين لمؤلف مجهول يرجع تاريخه إلى القرن الثالث عشر، تناول صفة ألوان الطعام وطرق الطبخ ووسائله وكيفيات تقديم الطعام وغير ذلك، في الصفحة 180، ذكر عصيدة تقوى وتغذو غذاءً كثيراً وتسمن، وعصيدة مجششة تغذو وتسمن مع ذكر مكوناتها وطرق تهيئها، يقول:

“يؤخذ من العسل المنزوع الرغوة رطلان، ويضاف إليه زيت وسمن طري من كل واحد ربع رطل، ويرفع على نار لينة، فإذا على جعل فيه من لباب الخبز الصافي المختمر المحكوك قدر الكفاية، ولوز مقشر مدقوق، ومحاح عشر بيضات، ويحرك ولا يغفل في تحريكه حتى يقشع زيته، ويلتئم وينعقد، ثم ينزل ويترك حتى يبرد، ويستعمل مثل العصيدة بعد ما يذر عليه من السكر المسحوق وما أردت من أنواع الدسم والأدهان.”

ويضيف:

“يؤخذ من القمح المجشش المذكور ويصب عليه غمره ماء، ويطبخ حتى يجف الماء، ثم يسقى باللبن الحليب، ويحرك حتى ينضج، ثم يضاف إليه عسل منزوع الرغوة، ومن دسم اللحم المطبوخ مع شحمه، ويعاد عليه مرات حتى يعتدل، ثم تلقى عليه زبدا طريا وسكرا مدقوقا وفنيدا أبيض وقرفة مسحوقة، ويقدم…”

كما نجد وصفة أخرى مميزة للعصيدة عند الرحالة المغربي الحسن بن محمد الوزان “ليون الإفريقي” في كتابه “وصف إفريقيا”، حيث يذكر أنها ترش بزيت الأرغان argan.

وهو ما أكده صاحب الاستقصا في الجزء الخامس، صفحة 11، ونقله عنه إبراهيم حركات في كتابه المغرب عبر التاريخ، ج. 2، ص. 375، يقول:

“شاع استعمال العصيدة خصوصا يوم عيد المولد، وإن كان لا يعرف على التحقيق متى وأين بدأ اتخاذ هذا الطعام المخصص لمناسبة دينية معينة…”

وتُعد العصيدة من الأطباق التقليدية الشعبية في العديد من البلدان العربية مثل السودان واليمن وشرق السعودية وشمالها، وتختلف مكوناتها من منطقة لأخرى، ففي السودان تُصنع من دقيق الذرة أو الدخن، بينما تُصنع في مناطق أخرى من دقيق القمح.

فالعصيدة أو العصيد “تكلا” تصنع من الدّقيق المخلوط بالماء، يضاف اليه السكر في بعض المناطق وعادة ما يكون سُكّرا مدقوقا ً أو دبساً أو عسلا، أو قمحا مطبوخا بالماء وقد يضاف إليها العسل، أو السمن أو رب التمر أو رُب الخروب أو اللبن. وتتميز العصيدة بذلك بقلة المكونات المستعملة فيها، “وغالبا هي اثنين كوب ماء أو أكثر واثنين كوب دقيق قمح أو أي دقيق متوفر وملح وزيت زيتون، أو عسل أو زبدة أو لبن” وبسهولة تحضيرها، باستثناء ضرورة تحريكها المستمر، يوضع كوبين من الماء في طنجرة أو قدر على النار، إلى أن يغلي، ثم يضاف إليه الملح، وقليل من الزيت أو الزبدة، ثم يضاف كوبين من الدقيق إلى الماء المغلي مرة واحدة مع التحريك المستمر وبسرعة وغالبا ما تستعمل ملعقة خشب للتحريك حتى يجف الماء وتتكون كتلة متماسكة، ثم ترفع عن النار وتعصد جيدًا، ثم تُرَد على النار، ويضاف عليها كوب ماء مغلي، وتترك حتى تنضج على النار، ثم تنزل بعد ما يجف الماء، وتصب عليها الزبدة او زيت الزيتون أو الأركان مع العلم أنه توجد كثير من  التشكيلات وكذلك الاختلافات في طرق التحضير لكن الغالب على العصيد هو أنه  طبق مكوّن من طحين قمح مطبوخ  كالعجين،  يقدم أحيانًا مع الزبدة أو العسل او زيت الزيتون، وتختلف مكوناتها من منطقة لأخرى، وتوجد كثير من  التشكيلات وكذلك الاختلافات في طرق التحضير… وتؤكل هذه الطبخة في العديد من بلدان شمال أفريقيا. وقد اكتسبت العصيدة أهمية كبرى في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، خاصةً خلال سنوات المجاعة.

مع العلم أنه توجد كثير من  التشكيلات وكذلك الاختلافات في طرق التحضير لكن الغالب على العصيد هو أنه  طبق مكوّن من طحين قمح مطبوخ  كالعجين

وتوجد في آسيا العديد من الأطباق المماثلة بأسماء مختلفة، كعصيدة الرز “كونجي”أو “كانديزي”” kandzi”، وهي شكل من أشكال العصيدة المصنوعة من الرز عن طريق غلي الأرز في كمية كبيرة من الماء إلى أن ينضج. يعتمد سمك العصيدة على عامل النسبة والتناسب بين كمية الماء والرز، إلا أنه في العموم يختلف سمك عصيدة الزر عن سمك عصيدة الشوفان.

وتحظى العصيدة بشعبية خاصة في المغرب خاصة في فصل الشتاء، فعلى الرغم من أنه طبق بسيط إلا أنه غني، يؤكل في كثير من الأحيان دون أطباق تكميلية أخرى، ويتم تقديمه بشكل تقليدي في في مناسبات اجتماعية واحتفالات خاصة في وجبة الإفطار مثل عيد المولد النبوي، وأعياد رأس السنة الأمازيغية، ولا تخلو موائد الأمازيغ بالمغرب، عند احتفالاتهم برأس السنة الأمازيغية بتقويمهم في اليوم الذي يوافق 13 يناير من كل عام من أكلة العصيدة “تاكلا”. وتعتمد هذا الطبق الشعبي على الغلال الزراعية التي ينتجها الفلاح الأمازيغي البسيط في مزارعه، كما تعكس ارتباط الإنسان الأمازيغي بأرضه، بحسب عدد من الباحثين. وخلال لحظات تقديمها، تنطلق أجواء المرح والرقص على نغمات الفرق المحلية الأمازيغية في حفلات عامة. كما يتم تقديمه خلال الاحتفالات التقليدية المرافقة لولادة الطفل “السبوع”، أو العقيقة، وقص شعر المولود بعد سبعة أيام من الولادة، ويتم إطعامه أيضًا للنساء في المخاض، وهذا ليس اعتباطا بل فيه حكمة طبية لمحو آثار الحمل والولادة لدى المرأة وتضميد جراحها.

وترمز العصيدة أو “تارويت”، أو “تاكلا” عند المغاربة إلى التآزر والتضامن لكونها تقدم في إناء دائري مشترك “القصعة”، يطلق عليها اسم “تاقصريت” عند الأمازيغ، غالبا ما كان هذا الإناء يصنع من خشب العرعار أو غيره من أنواع الخشب الجيدة، ويصنع أيضا من الطين، يحفر في وسط الوجبة ليشكل حوض صغير أي حفرة صغيرة، يصب فيها السمن الذي تم تذويبه مع الزعتر أو زيت الزيتون أو زيت الأركان المزوج بالعسل. وقد يوضع صحن صغير وسط “تاكلا” وبه أنواع الزيوت السابقة. ويداس في وسطها نوى التمر الذي يسمى لدى الأمازيغيين بـ”أغورمي”، وكل عاثر على “أغورمي” يكون محظوظا خلال السنة الأمازيغية الجديدة، وحظ العاثر على “أغورمي” بما نوى. وإذا كان الأمازيغ يستحضرون أكلة “تاكلا” في مناسبات الاحتفال برأس السنة الأمازيغية الجديدة على وجه الخصوص، فإنها تحضر وتقدم في موسم الحرث، وخلال فترة الحصاد، وكلها دلالات تؤكد ارتباط السنة الأمازيغية بالسنة الزراعية، وبالأرض وغلالها والإنسان الأمازيغي وتاريخه. ولا يستغنى عنها عند حلول الضيوف، ولو تشكلت الضيافة من أطباق أخرى فهي رمز التعبير عن الفرح الكبير بالضيوف حين تقدم بعد الأكلات الأخرى، ومرافقة لطقوس خاصة، منها تقديم الشاي الممزوج بالزعفران، المرفوق بمكسرات الجوز واللوز وغيرهما، ورش الضيوف بأنواع زكية من العطور التي تعكس مظاهر الفرح والحبور، وتسمى العصيدة في المناطق الأطلسية  ” تاكلا” و أسماء أخرى  في مناطق أخرى “تاروايت”، وهو اسم اشتق من فعل “روي” الذي يعني بالأمازيغية “حرك”، لأن الوجبة أثناء طبخها، تستوجب التحريك باستمرار، ومن بين أنوعها “تاكلا أو تاروايت ن تمزين”  ومعنى هذا النوع بالأمازيغية، “عصيدة الشعير” أي المهيأة من دقيق الشعير. ونوع ثاني: “تاكلا أو تاروايت ن ؤسنكار” ، ومعنى هذا النوع بالأمازيغية “عصيدة الذرة”، أي المهيأة من دقيق الذرة. وتقدم هذه الأخيرة ساخنة وتؤكل مرفوقة باللبن أو شاي ممزوج بالزعفران، كما هو معمول به في مناطق أولوز وتالوين بتارودانت وتازناخت وأساكي في ورزازات،. ومع توالي السنين، تمت عصرنة أكلة “تاكلا”، فصارت تقدم في طبق عصري أو متفرقة في عدة أطباق فردية مزينة بمنتجات طبيعية مثل البيض البلدي وفواكه ومكسرات لتزيينها وتعزيز قيمتها الغذائية، ويتم وشمها بحروف “تيفيناغ” في المناطق الأطلسية وبعبارات التهنئة بمناسبة رأس السنة الأمازيغية الجديدة…

وتحظى الأكلة بشعبية كبيرة أيضا في مدينة فاس في مختلف المناسبات، وفي مدن الشمال المغربي وشرقه، بطنجة وتطوان، العرائش وجدة والناظور وغيرها كوجه من ثقافة الشعب المغربي وتلاقح حضارته، تؤثث موائد ساكنة الأرياف والحواضر بفضل لذة طعمها وتكلفتها المتواضعة خاصة في فصل الشتاء كوجبة تبعث تبعث الدفء في الأبدان، وتمنح الطاقة اللازمة للأجسام، لتبقى عادة شتوية يتقاسم فيها الأهالي الدفئ كإرث من الأباء والأجداد استطابوا لذتها وورثوا محبتها رغم انتشار المخابز والمطاعم العصرية والأكلات السريعة التهييء.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!