
في زمن كرونا والحجر الصحي خرجت اليوم للتبضع وأنا متجه في الطريق وجدت أغلب الناس حريصين على ارتداء الكمامة والبعض سلم علي بالاشارة فقط دون أن التكلم، فجال في خاطري أن تغيير العادات والسلوكات ممكن إذا كان قرارا من السلطة وفيه المتابعة والعقوبة في حال الإخلال .
وأنا أحاول قراءة تعابير وجوه الناس وجدتها قد اختفت وراء الكمامة عيون ترقب فقط وكل خائف من الآخر حتى أن سيدة رفضت أخذ رقم ترتيبها أمام مركز البريد خوفا من انتقال العدوى أما الأسواق الكبرى فتجد صمت مطبق على المكان حركة بطيئة تجد شخصا أمام الباب يحمل سائل معقم يضعه في يد كل زائر وعند الإنتهاء من شراء الحاجيات ثمة مسافة الأمان بين الناس يتكلمون بالاشارات وحتى مع المسؤولين عن صناديق الأداء وكأننا نعود إلى عهد التجارة بافريقيا جنوب الصحراء التي أطلق عليها في لحظات تاريخية بالتجارة الصامتة.
كان الأفارقة يضعون ذهبهم (معدن الذهب) ويبتعدون مسافات بعيدة ويأتي المغاربة ويضعون مقابله ملحا ثم يرجعون الى مكانهم فيأتي التجار الأفارقة إلى بضاعة الملح فإن قبلوا بها أخذوها وانصرفوا وإن لم يقبلوا رجعوا إلى أماكنهم فيضطر التجار المغاربة للزيادة من كمية الملح حتى يرضوا وهكذا وهي تعبير أيضا عن تجارة المقايضة أي تبادل الملح بالذهب .
وفي ظل كرونا هناك من بدأ يتكلم عن تفعيل هذه التجارة على مستوى العالم وحتى الدول في ظل تراجع السيولة النقدية المحتملة يمكن مثلا للمغرب أن يزود الدول بالفوسفاط مقابل النفط أو يعطي للدول الاوربية الكمامات مقابل المستلزمات الطبية المتطورة وهذا في ظل كرونا هاجس الخوف حاضر على محيا الناس وسلوكاتهم تشي بأن وسائل الاعلام وطريقة الخطاب الذي توجهه للمواطنين جعلتهم يعيشون نوع من الخوف، فوبيا وهو ما قد ينعكس على الحالات النفسية للناس خصوصا الآباء الذين وضع على عاتقهم الخروج خارج البيت دون أن يتسببوا في نقل العدوى إلى المنزل مما يجعلهم في حرص شديد رغم المخاطر المحيطة من خلال لمس الأماكن الخضر الدواء النقود…
في الأسبوع الثالث من الحجر الصحي بدأت تظهر ظواهر جانبية ولكنها ممكن أن تستفحل مع مرور الوقت والمتمثلة في ظاهرة عدم قدرة عدد كبير من الأسر دفع ثمن الكراء سواء الشقق السكنية أو المحلات التجارية المغلقة الغير المشمولة بالتصريح بمزاولة العمل. ومن بين المهن التي تضررت بشكل قوي مهنة الحلاقة التي لها ارتباط بالساكنة مما بدأ يطرح اشكال من يقوم بعملية الحلق وكان الجواب من أحد الفايسبوكيين كتب في تدوينة أن الزوجة بدأت تتعلم فن الحلاقة !!..
مع كامل الأسف رغم القرارات الزجرية فإن هناك غياب المقاربة الإجتماعية والنفسية داخل وسائل الإعلام مما يجعل المواطن وأسرته في تخبط دائم نظام جديد من التواصل 24 ساعة على 24 ساعة في حيز مكاني ضيق فضلا عن الإنشغال بمتابعة التلاميذ في تدريسهم عن بعد (وعدد كبير لا يتواصل لأن كثير من المدرسين خصوصا كبار السن يجدون صعوبة في التواصل الرقمي مما يعطل أو يصعب هذه العملية، مما يحتم الدخول للمواقع الإلكترونية أو متابعة الدروس في القناة الثقافية) وكذا الحرص على توفير مستلزمات البيت في ظل ضعف السيولة المالية خصوصا بالنسبة للفئات التي تشتغل في القطاع الخاص المهيكل أو غير المهيكل زيادة على فئات عاطلة أصلا .
إذن في ظل هذا الوضع الصعب شيئا ما هناك عناصر إيجابية حققها وباء كرونا وهي أنه أوقف سرعة عجلة الزمن وحد من الضغط الذي كان مفروضا على الدول والشعوب والمدن والمعامل والسلع والخدمات كثير منها توقف ليستريح استراحة محارب حتى ثقب الأوزون والغلاف الجوي ارتاح من التلوث الذي كانت تسببه المعامل ووسائل النقل وغيرها. لقد أتاحت كرونا فرصة لاكتشاف الذات وعودة الدفء الأسري رغم ما ينجم من مشاكل .
لقد أضحت كرونا دورة تدريبية لطريقة مواجهة المخاطر والتعايش معها لقد تمكنت الجائحة من جعلنا أكثر تضامنا تراحما وتعاطفا كرونا كسرت غرور الأفراد وجعلت الجميع أمام مسؤولية جسيمة في الحفاظ على أرواح الناس كرونا جعلت الدول والمنظمات تهتم بالمشردين (ويجب اان يستمر الإعتناء بهم بعد كرونا) فضلا عن كونها كشفت عن المجالات التي لايمكن الإستغناء عنها في أحلك الظروف وهي التعليم والصحة والأمن.
نعم من أجل أن نستفيد من كرونا وندخل غمار الدول المصنعة بامتياز، نعم لجعل المواطن محور الاهتمام، نعم للابقاء على الحساب البنكي الخيري بعد كرونا من أجل بناء المستشفيات الكبرى المتطورة في كل مدينة، نعم لبناء المعاهد العليا والمختبرات في علم الصحة نعم لتغيير السلوك وتجنب المصافحة المتكررة. وتقبيل الوجه بين الرجال من مرة واحدة لأكثر من أربع مرات. خوفا من عودة كرونا من جديد .
بالأمل نحيا سيختفي كرونا ونعود إلى مساجدنا ومعاملنا وحقولنا وجامعاتنا ومتاجرنا ولكن السؤال بأي عقلية ونفسية سنعود؟! أبقى فدراك لكي نلتقي من جديد.
ذ. حميد اجميلي















































