
بعد تردد، أختار وجهتي في ذهني، و قبل البحث عن سيارة أجرة، أتحسس جيوبي الخارجية منها و الداخلية و لا أنسى أن أعرج على الفتحات السرية في معطفي الداكن.
حسنا كل شيء في مكانه : أوراق ثبوث الشخصية، مفاتيح المنزل، الهاتف المحمول، بطارية الشحن و المال الكافي.
أدس عشرين درهما في جيب الطوارئ الخلفي لسروالي. و أوقف أخيرا سيارة أجرة و أحرص على أن أنفض الغبار عن حذائي بركزات أشبه بفولكلور وجدة، ذلك قد يكسبني تعاطف السائق الذي يسألني عن الوجهة، فأجيب:”الياقوت، مقهى الياقوت !” و ما أن يدير السائق العداد حتى أبدأ موالي المعتاد الذي أنا بنفسي سئمته. “أتدري، صديقي، لم تعد هنالك مقهى الياقوت لقد أغلقوها، انظر هنا في هذه العمارة كان السيد أبيطان يبيع الملابس قديما. هذه البنك كانت تسمى البنك التجاري المغربي و كان يشتغل فيها صديق لي يدعى عمر، أتعرفه ؟”
– “أتقصد المعلق الصحفي ؟”
-“نعم هو ذاك !”
-“هذه “مون ريكال ” كانت لسيدة فرنسية عجوز و هذه محطة أفريقيا كانت لصاحبها العوامي…..”
كنت اجتهد ليدرك صاحب سيارة الأجرة أني من أبناء المدينة الأصليين.
و حين وصولنا إلى غايتي، و في ذهول مني، يخاطبني السائق باسمي قائلا “على سلامتك ” ممتنعا عن تناول الأجرة التي أضعها رغما عنه فوق مقعدي شاكرا إياه.
ألتفت يمينا و يسارا ورائي و أمامي دون أن تكون لي الشجاعة لأنظر إلى السماء، لأني أخجل من نفسي.
بعد أن أتأكد أن لا أحد في الجوار يعرفني أدخل، وكلي خجل في قرارة نفسي، عالما مؤقتا بحثا عن النسيان، عن الابتعاد، و سعيا وراء الوحدة و الهدوء في عالم مكتظ بالصخب و الدخان.
يناديني النادل مشيرا إلى مكان استراتيجي ب” الكونطوار”.
و أسعد كثيرا حين يسلم علي بحرارة ليعرف باقي الرواد اني ابن الدار المخلص.
و بدون أن يسألني، يفتح لي قارورتي المفضلة و التي لا يحتسيها غيري داخل الحانة.
دأبت على شرب “بيلس”. و حين أسأل عن سبب تفضيلي لها على “اللقلاق”، أجيب بلسان الخبير أنها سيدة محترمة، حينما تبالغ، تقول لك كفى، عد إلى البيت دون أن تغدر بك. و كان هذا يضحك بعضهم و يزيدني غرورا .
الرابعة بعد الزوال، الزبناء قليلون بعض الشيء، لا أدرك متى أنهيت القارورة، و لا ينبهني لذلك إلا طنين الثانية التي وضع النادل أمامي، فهو يدرك جيدا عاداتي و أني لا أحب الانتظار عكس بعضهم.
السادسة مساءً بدأت الأفواج تفد تباعا إلى الحانة، و بدأ معها البحث عن مقعد عند طاولة، أو مقعد ذي أرجل عالية على المنصة.
حينها انتفخ بعض الشيء، حتى لا يضايقني أحد.
قد يجود عليك صاحب الحانة من وقت لآخر ببعض “القَطْعة” كطبق ميكروسكوبي من الأرز، العدس او بعض الزيتون و في أحسن الحالات يقدم لك نصف سردينة نسيت الطباخة تنظيفها قبل إلقائها في زيت أول أمس. و يتهافت السكيرون على ذلك الطعام طالبين المزيد.
التلفزة الشاحبة تقدم و تعيد دون ملل أغاني شبه الفنانين في روتانا.
الدخان يتزايد و ينعدم معه التنفس، لا مروحيات و لا مكيفات، فصاحب المحل لا يكلف نفسه عناء الاستثمار لأنك أنت من يقصده بمحض إرادتك و لا يجبرك هو على ذلك.
لم أر أو أسمع أن أحدا من المرتادين كلف نفس عناء فتح الصنبور لإجلاء ما أعاد من مشروب في دورة المياه. كل من دخل للاستراحة من عبء السوائل التي تكاد أن تنفلت منه، إلا وخرج يسب و يلعن على قلة التربية و قلة النظافة، و غالبا ما يكون يقصد نفسه.
ناهيك عن الكتابات الحائطية أو على الوجه الداخلي لباب المرحاض و التي تأخذ من الجنس موضوعا مشتركا و منفردا.
غالبا ما أعود لمكاني لأكتشف أن مقعدي قد طار بقدرة قادر قبل أن يعاد إلي بدعوى أن من سرقه ظن أنني في انصرفت، فأجيبه بابتسامة أنه ممكن له الاحتفاظ به لكي يخجل من نفسه.
ثم االعنة ! ها هو قد دخل ذلك النصاب المتسول، أتمنى أن لا يراني فأنحني بسرعة على هاتفي لأشَغِّل أي شيء على اليوتيوب، حريصا على وضع السماعات لكي انعزل عن هذا العالم. و أظل أترقب عبر المرايا تحركات ذلك الشخص الغير مرغوب فيه و الذي لا يمل من الحديث لاستدراجك من أجل آداء كأس أو أكثر.
منهجيته في ذلك أنه يدرس بسرعة وظيفتك و مسارك الدراسي و ميولاتك، و يمطرك بالتحاليل السياسية، الاقتصادية و الثقافية و إن كنت من أبناء المدينة، يسرد عليك شخصياتها المرموقة التي شرب معها الشاي و يلعب لك على الوتر الحساس :” النادي القنيطري”
-” أتذكر مقابلة كلاسكو ؟ هل نسيت لقاء حافية كوناكري ؟ أتعلم أن كل لاعبي النادي القنيطري لعبوا للمنتخب و كان الدفاع مع “فاريا” كله قنيطريا ؟ و البوساتي، البوساتي صاحب الرقم القياسي، الهداف الأسطورة، لقد شربت معه الشاي”… و يعرج على أمجاد الرزوزي مذكرا بهدف عبد الله أحجام في نهائي كأس العرش.
هذه المناورة تجعلك تعتقد أنك في حضرة معلمة مهمة بالمدينة قد تحتاج إليها يوما، و ربما لمست ضعفك فيما يخص تاريخ المدينة، و خجلت أن تبدو أقل شأنا فأغدقت عليه الكؤوس.
الساعة العاشرة، و بدأت أفقد حاسة التمييز بين الألوان، و كالعادة لم أعد أرى إلا الأسود و الرمادي و كما يقول الخبراء، هذا يدل على أني قد وصلت.
لكني مازلت أميز بعض الهمسات لأن في وقت محدد و مع توالي القارورات، يتحول كل السكيرين إلى وكلاء جلالة الملك، إلى محاميين، إلى عمداء للشرطة أو رؤساء أقسام بوزارة التعليم أو العدل، و بعضهم يتقمص دور المستثمر أو رئيس قسم الولادة.
لماذا ؟ لأننا كلنا نبحث عن شغل، كلنا نبحث عن من ينصفنا في المحاكم ، كلنا نريد من يسمع شكوانا في الدائرة، من منا لا يريد أن ينتقل أحد أقربائه في حقل التعليم إلى مدينته و بقرب سكناه،
كلنا نريد زيادة طابق سكني بدون رخصة بناء، و نطمع جميعا أن نرسل شقيقا للعمل بالخارج عن طريق الهجرة السرية.
و هكذا ألتقط بعض الأصداء و الهمسات.
“الأمر سهل، سوف أوصي السي حسن لينقل ابنتك من تازة إلى القنيطرة، و حينها تختار هي المدرسة الي تعجبها، لكن عليك أن تهيء نفسك ”
“لا تخف ! قضيتك مربوحة ! رئيس القسم صديق الدراسة و يكتري فيلا عند عمي و سأتوسط له لشراء ضيعة بالمناصرة ”
” العملية الجراحية لن تكلفك سنتيما واحدا، لا تحزن”
“يمكنك بناء حتى سبع طوابق، يكفينا أن نحسن مثوى صاحبنا”
و هكذا يستمر مسلسل النصب و الاحتيال الذي لم تنته و لن تنتهي حلقاته.
لا نجد فقط النصابين في الحانة، بل ينضاف لهم الوصوليون و المتباهون الذين قايضوا أراضي أبائهم و أجدادهم بسيارات فخمة، و مسكن بالضحى، و صاروا يخاطبون أشباحا عبر هواتفهم :” نعم نعم، لا تبع بأقل من خمسين ! ثم هل قبل السي عثمان بمليار و نصف مقابل ضيعته؟ إذا انتهيت من ” الرونج رفير” أدخلها المرآب و ستجد الحارس في انتظارك و لا تنسى الحضور للبنك غدا لإيداع ثمن غلة الطماطم”
كما نجد المُخبر، الذي دون سابق إنذار يباغثك بملاحظة تحمل بطياتها فخا محكما:” أرأيت هذه الحكومة…” فأقاطعه : “الحكومة بخير، و نحن بخير و تصبح على خير”، فيدير وجهه و قد يعتقد أني أعلى رتبة منه في جهاز المخابرات.
و لا نستثني فيلق بائعي السجائر بالتقسيط و المناديل الورقية الذين يبلغون الحانات الأخرى عن الأشخاص الفارين لهم بحساب أمس و الذين لجؤوا لهذه الحانة، و الذين يوشون مشكورين بالمبحوث عنهم أو بالغرباء.
كما تصادف في جلستك نماذج كلها عقد من المجتمع، هذا يسب نسيبته و ذاك يلعن زوجته و الآخر يبكي بسبب ظلم أبناء عمه الذين حرموه من الإرث و الذين سوف يصفيهم واحدا واحدا بعد انتهاء القارورة العاشرة.
وعدت نفسي قبل اقتحام هذا العالم على أن أحتفل بقدر ما يسمح به جيبي، لكن لا بأس قارورة زائدة أو ناقصة لا تضر في شيء، و أنادي على النادل حوالي الساعة الحادية عشر لأؤدي ما بذمتي متعمدا رفع صوتي :”هذه من نصيبك، شكرا ” حتى يلحظني الآخرون و يعرفوا أني جُدت عليه ببقشيش محترم.
لكن مازالت الحانة ممتلئة، و إذا خرجت توا سوف يقال أني هرمت، وإني أخاف أن أتأخر عن زوجتي التي سوف تذيقنني وابلا من العويل و الذم و الشتيمة و تتركني دون عشاء. أو سيدَّعون أني أصبحت مفلسا.
سوف ترون أنني لم أهرم ولا أخاف زوجتي و ما زال معي المال، و أبقى على عنادي حتى أكون آخر من يغادر المنصة.
هذه المدينة لا تنام، بعد خروجي، ما زالت الضوضاء و الأضواء.
لن أعود إلى البيت، حتى أتفادى الصراخ، ثم إنه على كل حال، قد تكون البومة تغط في نومها.
لم تتبق لي سوى عشرة دراهم، لا يهم فالشباك الأتوماتيكي قريب جدا، و ربما أُحدِث لأجلي.
أنطح الجدار، فيجود علي بأوراق مالية زرقاء زاهية ملساء و جديدة.
أحاول أن أركز في مشيتي، حتى أبلغ العلبة الليلية، و أتظاهر بالتباث، و يفتح لي البواب مسلِّما علي و أنا فخور بذلك دون أن أغفل عن إلقاء نظرة احتقار و سخرية على الممنوعين من الدخول.
طوابق المرقص، تصيبني بالدوران، لكني كل مرة أهتدي إلى مكاني المفضل حيث أفاجأ كالعادة أني أول زبون.
و تتقاطر القارورات، بعضها سليم و الآخر عبارة عن تجميع للجرعات التي تخلى عنها بعض الزبائن و التي يستفيد النادل من ثمنها لحسابه بعد وضعها في قارورة و إحكام إغلاقها..
تبدأ الموسيقى الصاخبة و الرقص، و بعض المناوشات بسبب الفتيات، و أنادي مرارا و تكرارا على المغني لأسمع بعض القطع مقابل أوراق نقدية، و أتعمد احتكار السهرة، و أغضب و أسب إذا طلب أحدهم قبلي أغنية و استجاب له المغني.
كلمح البصر، يمر الوقت، و يبدأ الحراس بإجلاء القاعة دون احترام أو تقدير، مع بعض السب و الإهانة رغم أنك أنفقت مال عيالك.
لا توجد مشكلة في الطاكسيات، أجد نفسي فجأة أمام المنزل.
ثم يأتي الصباح الباكر، متى عدت ؟ من أوصلني ؟
ماذا حدث ؟ هل تعاركت ؟ هل سُرقت ؟
رأسي يؤلمني و أغنية “الشراب القتال” التي طلبتها عشرات المرات لا تفارق أعماقي و تفعل فعل الطبل.
نمت بملابس الأمس و هي تخنق برائحة السجائر و شيشا الفراولة. دقات قلبي تتسارع بسبب الإنهاك و قلة النوم. منظري و حالتي قد تجهض المرأة الحامل.
ثم أي يوم نحن ؟ إنه الاثنين، و لدي اجتماع مهم بالرباط و لم يتبق الكثير من الوقت. اهيء نفسي بسرعة و أتوسل لزوجتي حتى تترك لي مفاتيح السيارة لأنقذ الموقف.
بطبيعة الحال ترفض بدعوى أنها تريد الذهاب بالسيارة إلى الحمام الذي يوجد خلف المنزل.
أتدبر أمري ركضا كالأحمق عبر كل أنواع المواصلات .
و مع ذلك أصل الاجتماع قبل الآخرين، و لا أجد مقهى أو متجر لآكل شيئا يزيل رائحة السوائل التي احتسيت منها البراميل.
ثم يبدأ الاجتماع، و أرى بين الفينة و الأخرى نظرات الشفقة و الأسف و العتاب في أعين زملائي الذين أتحاشى الاقتراب منهم.
أوقع في محضر الاجتماع و أستدرج أحد زملائي طالبا منه أن يقرضني 50 درهما حتى أتمكن من العودة و أن يسترني .
يسلمني صديقي 50 درهما و يسألني عن وجهتي. فأجيب “القنيطرة”، فيرد : ” أنت محظوظ، أنا ذاهب هناك لأتم إجراءات شراء الشقة”.
تملكني الفضول ، سيارة جديدة، شقة جديدة ؟، نحن نحصل على نفس الراتب، فسألته بعد تردد عن المعادلة، فأجاب بتواضع:” السيارة لزوجتي، و من الصدف أنها ستؤدي آخر قسط الشهر المقبل أي آخر 3000 آلاف درهم و أنا اقتنيت الشقة و سوف أؤدي شهريا نفس المبلغ و لا تهم المدة، المهم أن يكون لنا بيت.”
فقلت في قرارة نفسي “و أنا الذي أهدي أكثر من 6000 آلاف درهم شهريا لصاحب الحانة و المرقص و يطردونني في آخر الليل و ما زلت أكتري البيت الذي يأويني !”
في المساء و بعد أن هدأت العاصفة، تأتي زوجتي لتناولني و رقة 20 درهما التي و جدت في جيب سروالي الخلفي قبل أن ترمي به في آلة الغسيل.
و تذكرت أن ذلك المبلغ كنت قد خصصته للطوارئ لأجرة الطاكسي، وإني قد أعطيت السائق ورقة 200 درهم و أنا في غير وعيي.
حينها ولما تذكرت صديقي السعيد الذي أقرضني النقود، أقسمت أن لا أعود ل”نجوم الليل ” و لا “للقرية” و أن أغير وجهتي ل” غوغو” و أتم السهرة في “الرولاكس”.
تصبحون على براد شاي.
عدنان السباعي















































