
لطالما أثث صندوق العجب بيوتنا و خصصنا له مكانا محترما يفسح المجال لكل أفراد الأسرة ابتداء من الجدة و انتهاء بالرضيع، حتى يشاهدوا ما تجود به علينا دار لبريهي.
حتى يكون الأب فعلا سيدا في زمرته، كان عليه اقتناء جهاز تلفاز و لو بالكمبيالات حتى إذا دار الحديث في المقهى عن مقابلة المنتخب المغربي ضد نظيره النيجيري، كانت له معلومات تجنبه سخرية جلسائه، وكان بإمكانه فضح تحيز الحكم الإفريقي و عنصريته. ألم يتابع المباراة من أولها لآخرها على جهاز ” سييرا” ؟
لم نكن نتوقع يوما أن تصير الفرجة بتلك الالوان الزاهية.
كنا نعاني إذا لعب الفريق الأول باللون الأبيض و غريمه باللون الأصفر، و لم تكن التلفزة ترحب بنا إلا عند السادسة مساءا لتسدل الستار حتى قبل منتصف الليل. وكانت بنات الجار تستأذن لمشاهدة الحلقة الأخيرة من مسلسل كن فقط يسمعن عنه و الفضول يتملكهن حول مصير علاقة البطل بالبطلة.
رغم كل تلك البساطة، كانت التلفاز نقطة تجمع الأسرة التي كانت تتابع الإنتاج المتنوع دون حرج و دون إسناد مهمة الطوارئ لأي كان عند ظهور ما قد يخدش الحياء، لأن صندوق العجب كان يراعي القيم و الروابط الأسرية.
الطامة الكبرى هي حين يكون” الولد” في مأزق بعد نفاذ ذخيرته و سقوط فرسه و محاصرة الهنود الحمر له، و أنفاسك مقطوعة و تصيح أمك بأعلى صوتها آمرة إياك بجلب الزيت من عند البقال. طبعا لن تمانع و تتحول إلى ” سبيدي كونزاليز” الفأر الفائق السرعة في الرسوم المتحركة و بدون نعل، ثم تعود لمكانك و تحمد الله على سلامة” الولد” الذي هزم قبيلة الهنود الحمر بيديه العاريتين.
لم يكن ليفوتنا جانب الترفيه مع الأسطورة عبد الرؤوف و النجمين بلقاس و عبد الجبار الوزير.
لكن ما كنا تتربص به هو جانب التحدي بيننا، و من سيجيب على ألغاز المفاتيح السبعة للأستاذ محمد البوعناني الذي جاء بعد سنين ليضفي بعض المصداقية على الحقل الإعلامي.
هو محمد عبد السلام بن العربي البوعناني شاعر وإعلامي مغربي من مواليد أصيلة عام 1929. من بين برامجه الأخرى : “مجلة البحر”، و”لو يحكي البحر”
الأستاذ محمد البوعناني يستهويك بجديته و خاصة بانسيابية حديثه العذب و لكنته الزيلاشية الجميلة و التي لا تمل منها و التي بقي وفيا لها.
برنامج المفاتيح السبعة فكرة مبتكرة و بوسائل بسيطة بعيدة عن التكنولوجيا و المؤثرات البصرية. فكرة يجول بك صاحبها في عالم الثقافة و العلم و المعرفة عبر سبعة اسئلة تكون أجوبتها موصدة بسبعة مفاتيح. و في الأخير و بعد أن يكون السي البوعناني قد فتح لنا قلبه، يفرج عن الأجوبة السبعة.
لقد كان التلفاز حلقة وصل تدفئ أمسيات الأسر و تجمعهم على المودة و التراص.
للأسف، فقدت المفاتيح السبعة و لم يتبق و لو مفتاح واحد، سرقت المفاتيح السبعة و ربما ألقيت في النهر أو أذيبت و تم طرحها في المجاري.
فقد البوعناني مفاتيح السعادة و فقدت معه التلفزة رونقها و مصداقيتها. لم تعد الأسرة قادرة على التجمع بل دب فيها التفكك. كما حرصت الإذاعة على تكوين جيش من عديمي الذوق. سحبت المفاتيح السبعة لتطرح لنا ” المدام مسافرة” حيث يبكي شبه الرجل راجيا من زوجته أن تقطع مقامها في الفندق و تعود لرعاية الأطفال.
دأبت التلفزة على تغييب الجودة و الثراث و إنزال الرداءة حتى صارت الزوجة تضبط المنبه على الساعة الثالثة صباحا حتى لا يفوتها مآل بطلها المفضل صاحب اللحية و الحواجب المعدلة و أحمر الشفاه.
تبعثر كل شيئ ! لا أحد من جيل رونالدو و ميسي سمع مرة عن عبد الهادي بلخياط، أو الدكالي أو نعيمة سميح…تربوا للأسف على أنماط نخجل من ذكرها ما زالت ذيول فضائحها تناقش بمحاكم المملكة.
أعيدوا لنا ولو مرة واحدة سهرات ناس الغيوان ، مسرحية الحراز أو مسرحية سيدي قدور العلمي. ذكرونا و لو مرة واحدة بهويتنا.
أعيدوا لنا مفاتيح الغيرة و الوطنية و التآزر أعيدوا لنا مفاتيح الأمل.
أملنا في تلفزة مواطنة تعيد لنا المفاتيح السبعة حتى لو كانت مستنسخة.
عدنان السباعي
















































تحية عطرة،ومعها تقاطرت دموع الفرح على ايام العز . فلا داعي للقلق ، فما زلنا نملك مفتاح الأمل و مع الأمل نحب الحياة و يزداد التفاؤل . وقد يأتي من يعيد هذه المفاتيح إلى مكانها الصحيح و المخصص لها .
فنحن محظوظون ، لأننا تشبعنا بفكرة الوطن و حب الناس و عشنا حياتنا بكل بساطة و ما زلنا على ذلك .
فهذا فضل من الله و هذا في نظري مفتاح لابد لنا من تركه لأبنائنا وفق الشروط التي نضعها و التي تبنى على حب الوطن و الناس و الحياة و التشبع بفكرة الأمل ، حتى نحرص على تنفيد جوهر الحكمة :
” غرسوا فأكلنا و نغرس ليأكلوا ” لقد تسلمنا من آباءنا مفتاح حب الوطن و الإحترام و نسلمه نحن لأبناءنا