حين تفقد السياسة معناها وحين تتغير المشاهد الى ما يربك الوعي ويستفز الضمير
لحسن كوجلي في مجرد رأي : م يعد التساؤل حول واقع الممارسة السياسية في جهتنا على الاقل ترفا فكريا، بل أضحى ضرورة يفرضها حجم التحولات التي مست جوهر الفعل السياسي ومعناه. فالمتابع اليوم، خصوصا من ذوي الوعي والمعرفة، يجد نفسه أمام مشهد ملتبس، تختلط فيه الأدوار وتطمس فيه الحدود بين الالتزام الحقيقي والممارسة الشكلية، إلى حد يثير القلق ويستفز الضمير.
لقد كان الانخراط في العمل السياسي، إلى وقت قريب، مسارا تراكميا يتأسس على التربية الحزبية والتدرج في المسؤوليات، داخل تنظيمات لها تاريخها ورصيدها النضالي. غير أن ما يطفو على السطح مؤخرا يوحي بتحول عميق، حيث باتت صفة “المناضل” تمنح بسهولة، وأصبح تأسيس المكاتب السياسية أو الترشح للاستحقاقات الانتخابية يتم أحيانا بمنطق السرعة والجاهزية الظرفية، بدل منطق الكفاءة والتأطير والتجربة.
هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع، يتسم بتراجع الثقة في العمل السياسي، وبروز أنماط من السلوك يصعب فهمها أو تبريرها. فكيف يمكن تفسير انجذاب البعض إلى خطاب سياسي يعلمون في قرارة أنفسهم هشاشته؟ وكيف يمكن استيعاب حالة التماهي مع ممارسات يدركون تناقضها مع أبسط قواعد المصداقية؟ إنها مفارقات تعكس أزمة عميقة في الوعي الجماعي، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة العلاقة بين المواطن والسياسة.
الأكثر إثارة للأسف هو ذلك الإحساس الزائف بالأهمية لدى بعض المنتخبين، ممن يعتقدون أنهم صاروا فاعلين في صناعة القرار، بينما يظلون في كثير من الأحيان أسرى حسابات ضيقة، أو مجرد أدوات في معادلات أكبر منهم. كما يبرز نموذج آخر لمن يدعي النضال السياسي، لكنه لا يعدو أن يكون انعكاسا لثقافة التلون والانتهازية، حيث تتغير المواقف بتغير المواقع، وتقاس القناعات بميزان المصالح.
وفي المقابل، تبدو بعض فئات المجتمع، التي يفترض فيها الوعي، وكأنها تنساق وراء نفس الوجوه والخطابات، خصوصا في الفترات الانتخابية، حيث يعاد إنتاج نفس الوعود ونفس الشعارات، دون مساءلة حقيقية أو محاسبة فعلية. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول دور الوعي الجماعي في تصحيح المسار، وحول حدود المسؤولية المشتركة في تكريس هذا الواقع أو تغييره.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة أشخاص أو ممارسات معزولة، بل هو في العمق أزمة معنى، تمس جوهر السياسة باعتبارها أداة لخدمة الصالح العام. واستعادة هذا المعنى تقتضي إعادة الاعتبار لقيم الالتزام، والمصداقية، والتكوين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدا عن كل أشكال التزييف والتبسيط المخل.
وفي انتظار ذلك، يظل السؤال مفتوحا حول كيف يمكن لعقل واع أن يتعايش مع هذا الواقع دون أن يفقد توازنه؟ وربما يكون الجواب في التمسك بالحد الأدنى من النقد الواعي، والإيمان بأن إصلاح السياسة يبدأ أولا بإعادة بناء الثقة، ولو بشكل تدريجي، بين الفاعل السياسي والمجتمع.















































