
إندس بين الجموع يحاول أن ينسل إلى داخل قاعة ألسينما إنه صغير لا يتجاوز سنه السبع سنوات، يستجدي روادها تارة لاصطحابه معهم، واقفين في طوابير طويلة، لشراء تذاكر الذخول للعرض السينمائي الهندي، إنه الفيلم الشيق الذي يحمل إسم”أمنا الأرض”، ظل يكابد لأجل الذخول ،شعر بضغط كبير على أطرافه وعلى قفصه الصدري، الكل تكثل حوله حاول أن يستقصي الأمر، لكن دون جدوى ،إلي أن سمع لعلعة حزام جلدي كبير ينزل بقوة على الرؤوس المطئطئة ،وبدأ الصراخ والعويل، ما الأمر؟ إنه حارس وبواب السينما الملقب ب “بابي ” ،إنه شخص ضخم الجثة قوي العضلات لا تعرف الرحمة طريقا إلى قلبه، إنه مكلف بتنظيم صفوف رواد السينما لإقتناء التذاكر، فجأة الكل إنفض حول الصغير، فظهر أمامه ذلك الشخص وجها لوجه ،إرتبك منه وخاف وأرتعد وظن أنها ساعة الحساب، فكر بالهروب نحو البيت ولكن كيف؟ وهو محاصر بكثلة لحم آدمية، نظر اليه برهة وشرع بالسباب والضرب عشوائيا ،الي أن صفعه على خذه قائلا له انصرف المكان ليس مكانك، حاول أن يمسك به فأطلق الصغير ساقيه للريح، لا يتذكر أي شئ ما زال طنين قوة الصفحة على خذه و صداع وألم ذاخل رأسه، لم يعد يتذكر شئ الا الألم ،إحتقر نفسه ولامها ورواد السينما الذين لم يحموه من جبروث ذلك الشخص، نعم إنه صغير وحبه للسينما ليس له حدود، دائما يمر بالقرب منها قاصدا المدرسة إنها أشهر سينما بجهة الغرب الشراردة بني حسن ، إنها سينما “فنطازيو” يتفقد دائما ملصقاتها والأفلام الجديدة، ويمني نفسه لرأيتها والتمتع بها، يتمنى لو أسرعت الأيام وصار كبيرا ،للتمتع بما يتمتع به الكبارويتمكن من ولوج السينما التي سكنت كيانه وروحه، وياخد مكانه بينهم ويعيش مع شخصيات أفلامه معاناة الحب، والعنف، والقوة ،والشدة ،واللين ،والعطف، والحنان، يفرح لفرحهم ويبكي لحزنهم، إنه مرهف الحس تبقى اثار الفيلم في عقله وكيانه لأيام ولربما لشهور، يعتبر السينما تجربة حياة، السينما التي تربت عليها أجيال كانت بمثابة عرس عند ولوجها ،كان لروادها طقوس مميزة كإرتداء أحسن وأجمل الملابس، وشراء المكسرات وحتى إصطحاب الأصدقاء والأهل والأبناء، وأجمل الصديقات أحيانا، لقد كانت القاعات تتحف مرتاديها قبل عرض أفلامها بالمقطوعات الغنائية الخالدة ،كفريد الاطرش، وعبد الحليم حافظ، ومحمد عبد الوهاب، وآخرون الذين بصموا بفنهم على الساحة العربية، كان دائما يحاول أن يوفر ثمن التذكرة لأسابيع ،وحين لا يتمكن من ثمنها يلجا للوقوف أمام بوابة السينما منتظرا من يغدق عليه بالدخول، ليصطحبه كإ بنه أو أخوه ويمرره أمام أعين ذلك الحارس العنيف الضخم، كانت قاعات السينما بالمدينة تعرف تنافسا كبيرا في جلب اللأفلام الجديدة الهادفة، وكان أغلب روادها من المتعلمين والمتقفين والشغوفين بها، أما الآن فقد صارت المدينة تكلى فاقدة لكل القاعات السينمائية بها ،وشيدت في بعض أماكنها الأبراج ،وذهبت ثقافة الفن السابع أدراج الرياح، ونفضت الجهات الثقافية بالمدينة يديها من الملف، وصارت قاعات السينما بالمدينة قي خبر كان وكماضي بعيد وحتى الاسبوع السينمائي تلاشي مع الزمن وفقد بريقه ،وانقرض الى الأبد ذهبت الفرجة الجماعية والصورة الحية للشاشة، وعوضت بأجهزة الفيديو والديفيدي ،واللاقط الهوائي والأقراص المقرصنة للأفلام وفقد كل شيء بريقه وجماليته و حلاوته، إنها السينما، إنها الذكريات، إنها المدينة الحالمة لفضاء ثقافي رائد ،ولبساط احمر لمتقفيها ومفكريها وعاشقي الفن السابع، إنها العبرة والتجربة ،إنها الحلم الوردي والأمل إنها سجل لا يطوى إنها التاريخ الإنساني…
عبد العزيز الناوي















































