
منذ صدور أول خبر عن قانون 22.20 الموصوف بقانون تقييد الحريات، أو ما اصطلح عليه بقانون الكمامة نسبة إلى الظرفية التي تحتم على المواطنين ارتداء الكمامات درءا لفايروس كوفيد 19 ، والأحاديث اليومية للمواطن المغربي لا تكاد تحيد عن خطورة هذا القانون وما ستؤول إليه حرية الرأي في المستقبل في بلاد تحتاج إلى مساحة أكبر لحرية التعبير من أجل خلق مواطن منسجم مع نفسه أولا ومع التغيير الذي تنشده ثانيا، مواطن قادر على تحمل المسؤولية في زمن كثير التقلبات وعالم سريع التغيير، وحرية التعبير هي إحدى الركائز الأساسية التي تبني الرأي والرأي الآخر وبدونهما لن تتقدم أي بلد، أنا هنا لا أقول بحرية تعبير تصل بنا إلى الدناءة وانحطاط في الأخلاق، وتدفع بنا إلى القدح والشتم، ولكن أقصد من حرية التعبير تلك التي تنبع من مواطن مسؤول متشبث بالثوابت الوطنية الحقة، ولن يكون هذا المواطن موجودا إلا في ظل مناخ تتفاعل في أجوائه مجموعة من التيارات الفكرية الراقية والهادفة، والتي تتقبل قبل كل شيء الرأي الآخر المعارض لها، لقد تناسى الناس في هاته الفترة الجائحة بل منهم من رأى في القانون جائحة أكبر لأنها ستشل تفكير الإنسان المغربي وتجعله أمام المساءلة القانونية والغرامة المالية كلما فكر في معارضة كيفما كان نوعها، وإذا كانت حرية التفكير وإبداء الرأي من الضروريات التي بلغت درجة الحتمية في المجتمعات المتقدمة، فإنها بالنسبة لبلدي المغرب من الواجبات التي على السياسيين أن يدافعوا عنها ويستميتوا في إقرارها خدمة للمجتمع ودفعا به إلى مصاف الدول الراقية. يحز في نفسي أنني أعيش في زمن أرى فيه بأم عيني رؤساء الدول وقد جعلت منهم الصحافة مسوخا في رسومات كاريكاتورية، بل خصصت قناة فرنسية برنامجا ساخرا وسم “بموبي تشو” موضوعه السخرية من قرارات المسؤولين الفرنسيين هذا البرنامج وجد صدى كبيرا حتى خارج فرنسا وكان له متابعون كثيرين، ولم نسمع دولة أوربية واحدة تدعو إلى تقييد حرية التعبير بل ما نجده هو تشجيع المسؤولين على ذلك، وأبو بكر الصديق حينما تولى شؤون المسلمين قال في خطبته: “أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني…” فإن أردنا التشبه بأوربا فحرية التعبير مكفولة و إن أردنا التشبه بالنظام الإسلامي فخطبة أبي بكر الصديق فيها أمر بتقويم الخطأ ولن يتم هذا التقويم إلا إذا شجعنا حرية الرأي.
حينما كنت طالبا سافرت في عطلة صيفية إلى فرنسا قصد زيارة والداي اللذان كانا يسكنان باريس، وأثناء رحلتي التي خضتها على متن القطار، جمعتني إحدى مقصوراته مع أستاذ جامعي مغربي ومواطن فرنسي، دار حيث طويل ما بيننا وكنت قليل الكلام لأن الأستاذ الجامعي كان متضلعا في اللغة الفرنسية وسبق له أن دَرَسَ في إحدى جامعاتها، أما فرنسيتي فلم تكن لتجاري رفيقاي، سيما وأنهما كانا يتحدثان بلغة تغلب عليها مصطلحات لا أفهمها في بعض الأحيان، لكن من خلال الحوار التقطت جملة لا زالت عالقة بذهني إلى حد الساعة، لأنني رددتها طول مدة سفري بل أصبحت أرددها كل يوم بعد وصولي إلى باريس: أنتم العرب متعطشون للسلطة “vous les Arabes vous êtes assoiffé du pouvior” لم أفهم العبارة وقتها ولكن حينما تضمنت كلمة عرب شدَّت انتباهي واهتمامي، وحينما فهمتها لأول مرة استشطت غضبا، ولعنت المواطن الفرنسي في غيبته، وتمنيت لو صادفته ولو مرة لأطفئ غضبي، ومع مرور الأيام وحينما مارست السياسة في بلدي بدأت تَتَكَشَّفُ عندي مجموعة من الحقائق التي كانت غائبة عني، بدأت ألمس كيف يعمل المسؤولون عن أحزابنا لتقوية حاشيتهم بالأقارب والمتملقين والفاسدين ويحاربون كل إنسان شريف، فعلمت أن المواطن الفرنسي كان على حق، نحن يا سادة منقسمين إلى زُمَرٍ كل يرى في الآخر على أنه غير أهل للعيش، ففريق يرى الآخر على أنه ملحد علماني أفسد البلاد والعباد وعلينا محاربته بكل الوسائل والطرق الممكنة وغير الممكنة، وينعت نفسه بالحارس الأمين للتقاليد والعادات والمقوم لكل انحراف في مجتمع، والثاني يرى في الآخر على أنه رجعي متخلف انتهازي يريد أن يعود بنا إلى الوراء ويغوص بنا في عالم التخلف والغباء، ويرى في نفسه على أنه تقدمي متنور وصاحب الأفكار التي ستدفع بالمجتمع إلى مصاف الدول الراقية، وبين هذا وذاك فريق تابع لا رأي له كلما غلب فريق إلا وانجرف مع تياره. ومع كل الأسف يبقى المواطن المغربي هو الضحية الأول والأخير في هذا الصراع الذي جعلوا منه أبديا. فنحن أبناء البلد الواحد والدين الواحد وأصحاب اللغة المشتركة عاجزين على إيجاد صيغة توافقية تجمعنا سياسيا. فكل ما فعله السياسيون فينا هو إذكاء روح التفرقة حتى أصبح من في الفريق الآخر عدوي عوض أن يكون خصمي أتنافس معه منافسة شريفة من أجل مصلحة الوطن. وما قانون الكمامة إلا صيغة مبسطة لما يحاك في كواليس السياسيين ويقدم كجرعات سم متلاحقة يراد بها زعزعة استقرار البلد، فصمتك على أفعالهم شجعهم على مزيد من القوانين، وما قانون التقاعد إلا بداية أو بروفة صغيرة ألحقوها بقانون الكمامة ليعبدوا الطرق لما هو آت.
لعلي هنا استحضر الجدل الذي دار حول الإضراب، فالكل كان متفقا على أن الإضراب حق مشروع كفله الدستور المغربي، لكن جاءت الحكومة الموقرة بتخريجة مفادها أنها بصدد تقنين هذا الإضراب يعني إفراغ ما ورد في الدستور من محتواه، فكيف سيكون هذا القانون المنظم للإضراب وماهي حيتياته القانونية التي ستجعله متوافقا مع الدستور؟؟ أسئلة بقيت عالقة إلى حد الساعة، ولا زال هذا القانون مشروعا وقد نتفاجأ يوما ما بصدوره في الجريدة الرسمية معلنة دخوله حيز التطبيق، أو أن هذا المشروع سيبقى تحت الطاولة لحين مساومة النقابات عليه كما فعلوا مع قانون التقاعد. لا تستغربوا سيداتي سادتي إن صدر قانون 22.20 في أي وقت من الأوقات، فتكميم الأفواه فطري فينا نابع من تكويننا العقائدي، وجزء أصيل في البنى الاجتماعية التي انبنت أساسا على تراتبية تفرض على الصغير أن يقول نعم للكبير ولو كان هذا القول خاطئا، فمدرسة “لي فاتك بليلة فاتك بحيلة” هي القاعدة وما عداها استثناء. وهذه قصة وقعت لي وأنا مسؤول نقابي بإحدى النقابات المغربية، كنت أُأَطِّرُ اجتماعا نقابيا لقطاع نقابي به صنفان، فما رأيت عداوة كالتي رأيتها لصنف في هذا القطاع اتجاه الصنف الثاني كانت هذه العداوة متبادلة لدرجة بلغت القدح والتهديد والاحتقار، حاولت جاهدا أن أقرب وجهة نظر الصنفين وأن أبين لهم أن العدو الحقيقي هو الفقر وما نسعى له هو الخروج بنظام أساسي ينظم حرفة الصنفين، لكنني لم أفلح وفهمت وقتها معنى المثل المغربي القائل: “خوك فلحرفا عدوك” هذا المثل الذي أبان لي ما مدى غينا وتعنتنا واستمرارنا في الخطيئة والدفاع عنها فرأينا هو الصواب ورأي الآخرين خاطئ على دوام. تنتفخ أوداجنا وتتصلب كلما خالف شخص رأينا، وهذه واحدة من الأسباب التي دفعت حكومتنا الموقرة بمكوناتها تسعى إلى تكميم أفواهنا، فحتى تلك المساحات الضيقة التي نلتقي فيها ونعبر عن آرائنا من خلالها، لا يريدون لها أن تبقى مفتوحة فهم يطبقون قولة فرعون: “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” لقد ضاق صدر حكومتنا الموقرة من شكواتنا حول مداق بعض المواد الغذائية، وغلاء المحروقات، وكان من المفروض أن تسمع لشكوانا فنحن الشعب وما المواد الغذائية والمحروقات إلا مواد تنتقل ملكيتها من شخص إلى آخر أو من شركة إلى أخرى، فالحكومة تمثلنا ولا تمثل أصحاب هذه الشركات وحدهم ونحن الأغلبية وبدوننا لن تكون هناك أية حكومة.
أعود لأقول بأننا اليوم في أمس الحاجة إلى إعمال العقل ويكفي أن نستحضر الآية القرآنية: “يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان” ليتبن لنا ما مدى أهمية العقل في الإسلام لكن علي أن أوضح أن ما ورد من تفسير لكملة سلطان عند بعض المفسرين أراه شخصيا مغلوطا نوعا ما أو مقصودا فالسلطان في اعتقادي هو العقل لأن العقل هو أسمى نعمة ميز الله بها البشر على باقي المخلوقات، وهذا ما يتخوف منه البعض أي سلطان العقل فبإعمال عقلنا سنطرح السؤال، وطرحنا للسؤال سيؤدي بنا إلى الإشكالية التي تتحول إلى إجابات وقد تكون هذه الإجابات مخالفة لما ورد في الشروحات السابقة، وبالتالي سيتحول بفضل العقل كل تفسير سابق إلى موضع للشك وهذا ما نريده عوض أن نقبل بما هو جاهز، فالنهضة الأوربية نجحت حينما أعطى علماء عصر الأنوار الإنسان قيمته الحقيقية وخلصوه من قيود الكنيسة وأطلقوا العنان لفكره الذي جعل من أوربا تبتلع العالم على رأي أحد المؤرخين، ونحن قادرون بحول الله وقوته أن نعيد أمجاد الماضي إذا خلصنا الإنسان من القيود القانونية الزائدة والتي لا محل لها في مجتمعات تتوق إلى التقدم، فقانون 22.20 ما هو إلا عرقلة من العراقل التي قد تعطل عجلة تنمية مجتمعنا وتدفع به إلى مصاف الدول المتخلفة. فارحمونا من هذه القوانين التي هي الحاجز الرئيسي بيننا وبين التنمية الحقيقية، فاليد الواحدة لا تصفق.
سعيد عطا















































