” حسن واتبسم “

Mohammed El Filali21 أغسطس 2020آخر تحديث :
” حسن واتبسم “

** نحن في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي.
حسن مستخدم بالبنك، جال اغلب وكالات مراكش واستقر بوكالة بالمدينة القديمة.
زبناء هذه الاخيرة لهم سمات خاصة تميزهم عن نظرائهم في الوكالات الأخرى.
جلهم من ساكني ذاخل السور في الأحياء المجاورة للبنك، وعندما نتكلم عن هذا الصنف من السكان، لابد أن نستحضر عاداتهم وتقاليدهم وعفويتهم والتي بقوا متمسكين بها رغم متغيرات الحياة العصرية وقتها.

تشبت هؤلاء الناس واخلاصهم لهذه الوكالة الزم الإدارة الجهوية لاختيار مستخدمين لهم قدرة استيعاب وتقبل تلك العفوية والتي تتعارض في بعض الأحيان والقوانين الجاري بها العمل ذاخل المؤسسة بدءا بعدم الخضوع والانضباط لوقت إغلاق الشباك إلى الزيارات الغير المبرمجة وفي اي وقت.

** كان حسن رئيسا للصندوق زيادة على شغله وظيفة نائب مدير الوكالة.
هذه الأخيرة كانت توجد في شارع تجاري رئيسي استقرت به أغلب دكاكين الجملة بمراكش ( قبل غزو الأسواق الكبرى)، ولم تكن هناك منافسة تذكر اذا استثنينا شباك بنك آخر في الجهة المقابلة. وهذه المميزات جعلت من وكالتنا هاته قادرة علي تحقيق أرقام معاملات كبرى رغم صغر حجمها.

** يحكي حسن فيقول :

” كنا محط اهتمام الادارة الجهوية والمركزية لاستقطاب زبناء كثر خاصة الأغنياء منهم.
ولتحقيق ذلك كان أغلبنا يعمل اكثر من عشر ساعات يوميا، اما عند اكتشاف خطأ حساباتي او في مبالغ الصندوق فإننا ننسى أن لنا عائلات ونتفرغ لحل المشكل دون الاحساس بالوقت المخصص لذلك.
وفي هذا السياق، استحضر انه في احد الأيام وعلى غير العادة حالفنا الحظ وانهينا العمل قبل وقت الخروج
” القانوني” (السادسة والنصف)، توجه الي المدير قائلا
” اليوم سوف تلتحق بمنزلك في الوقت” فأجبته مازحا ” لن أغادر الوكالة قبل الثامنة وإلا ستشك زوجتي في الأمر لأنها اعتادت على التاسعة فما فوق…..
ضحكنا على امل ان يتكرر هذا اليوم، لكن هيهات…..هيهات ………

** رغم كل هذا الجهد والتوثر المستمر، لم يكن من حقنا إغضاب الزبائن ، شعار الإدارة الخالد: ” الزبون ملك….وهو دائما على حق ” .
اما سلاحنا والذي لم يكن مسموح لنا مفارقته فهو الابتسامة الدائمة.
وعلى ضوء الابتسامة، كان لا يفوت على الإدارة المركزية وفي فترات متعاقبة أن تذكر كل المستخدمين بقواعدها، وتصدر كتيبات تشرح فيها كيفية التعامل المرن ومحاولة إرضاء الزبون مع المحافظة على هذا
” السلاح ” الذي قلما يخطئ هدفه.
احيانا نصل ذروة القلق، ونسائل انفسنا مازحين، وكأننا نبحث عن الوصفة السحرية لإبقاء البسمة على محيا كل واحد منا. ولايخفف من وطأة هذا الضغط المتزايد إلا تلك الضحكات العفوية التي تنبع من القلب لحركة غير مألوفة لأحد منا او عند تذكر تصرفات بعض الزبناء.

** تمر بمخيلتنا أسئلة عدة لا نجد لها أجوبة معقولة…
* كيف لنا أن نحافظ على هذه الابتسامة الدائمة وضغط الخوف من الخطأ يلازمنا في وقت كانت فيه جل العمليات البنكية ” يدوية ” ، لم تكن الاعلاميات بهذا التطور الذي نعرفه اليوم….؟؟؟؟؟
* كيف لنا أن نحافظ على بشاشتنا ونحن لا نقتات إلا فتات الأرباح الهائلة التي يحققها البنك والتي يستفيد منها أصحاب رأس المال وكبار المديرين….؟؟؟؟

** كنت صاحب النكثة و” الشدان ” على الطريقة المراكشية، اضحك على أي شيء ومن لاشيء. ربما طبيعة عملي كرئيس للصندوق ومسؤول عن السير الإداري للوكالة كانا يحتمان علي التحلي بالصبر وخلق جو ملائم بعيدا عن اي تشنج.
ومن طرائف هذا الجو الغريب الأطوار، القلق غالبا والمازح في فترات مسروقة، أننا اعطينا تعريفا للابتسامة، واكتشفنا أن ابتسامتنا هي من النوع التجاري ولا علاقة لها بالابتسامة الصفراء المرسومة على وجوه المنافقين. ابتسامتنا هذه، تروج السيولة ذاخل البلاد وتحفز الاستثمار وتخلق مناصب شغل، ألا يحق لنا أن نفتخر بوطنيتنا ونحن الذين نعطي كل شيء لنجد انفسنا نطارد السراب…….؟؟؟؟؟

** ننتظر بفارغ الصبر إغلاق باب الوكالة لنتفرغ لحساب الأموال المودعة وللقيام بالعمليات البنكية الاخرى، وحتى لتخفيف عقدة ربطة العنق.
ربطة العنق هذه كانت تمثل لنا ذلك الرابط الرمزي الذي يربطنا بأصحاب المال والأعمال ومانحن لهم إلا خادمون.
نحل شيأ ما من عقدة هذا الرابط وكأننا نريد إيصال رسالة إلى الإدارة على تذمرنا من وضعيتنا هاته.

** وفي نفس السياق، اتذكر ان عدوى الابتسامة وصلت للمرفق العمومي بعد عمليات الخوصصة والعمل على تحفيز مبادرات ” الشباك الوحيد ” وتشجيع المستثمرين خاصة الاجانب منهم، وكان لابد لوزارة الداخلية ( ام الوزارات انذاك) أن تطلق حملة تحسيسية عن طريق الاعلام الرسمي( الوحيد في الساحة وقتها) لدفع الموظف على تحسين ادائه والاهتمام بمظهره…….حملة أطلق عليها اسم ” حسن واتبسم”…..( احلق دقنك وابتسم ).
كنا نمزح في ترديد هذه الوصلة الإعلامية العمومية والتي كانت ” بروباكاندا” اكثر منها واقع لأن ادارتنا تلزمها تحولات جدرية لاستيعاب مثل هذه الرسالة.

** ومادمنا في سرد حكايات ” الابتسامة” لا يفوتني أن احكي قصة حولت هذه الابتسامة الرقيقة إلى حالة هستيرية من الضحك إلى حد البكاء.
ذلك اننا وخلال زيارات عدة لتاجر معروف في المنطقة لم نستطع اقناعه للالتحاق بوكالتنا، كنا كلما تذكرنا فشلنا هذا نرده ونحن مازحين الى ابتسامتنا والتي لم تحرك به ساكنا.
وبينما كنت اتأهب لاداء صلاة العصر، استوقفني المدير وطلب مني أن أحاول البحث وسط المسجد عن التاجر السالف الذكر لأصلي بالقرب منه لاستدراجه فيما بعد ضحكت من طلبه، وعندما اصر ابديت غضبي واعترضت بشدة موضحا أن البحث عن الزبائن والارقام ينتهي عندما نقف بين يدي الخالق.
خرجت من مكتبه واتجهت صوب المسجد لكني لم أستطع الاستمرار في المشي، ذلك أن هستيريا من الضحك أخذتني على التو وخفت أن أصل إلى بيت الله في هذه الحالة فعرجت على المقهى المقابل وطلبت قهوة من النادلة التي نبهتني وباندهاش إلى تأخري عن الصلاة ولم استطع الرد لشدة الضحك.
بقيت بعض الوقت لاسترد أنفاسي، وحاولت أن احلل طلب المدير، فلم اجد له منطق، لكني لم ألمه، خاصة عندما تذكرت أن المرشحين كانوا يملئون فضاءات المسجد بحثا عن المصوتين واحيانا أخرى تكون هذه الفضاءات نقطة انطلاق مسيرة تضامنية مع مرشح معين.
لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

مراكش 19/08/2020
نورالدين بن شقرون

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!