
مارست الصحافة مدة تزيد على ثلاثة عقود متقطعة، وكان توقفي دائما عن هذه الهواية التي نذرت لها نفسي نابع من الاجراءات التعسفية التي يتعرض لها الصحافي في بلدي، حيث كان في غالب الأحيان يُعَنَّفُ أو تُلَفَّقُ له تهم ما أنزل الله بها من سلطان أو يُهَدَّدُ أو يُمْنَعُ من القيام بواجبه بحرمانه من الولوج إلى مسرح الوقائع، كنت وقتها أَجِدُ أعذارا لأن العقليات كانت مع كل الأسف عقليات قمعية تريد أن تجعل من المخزن جهة مهابة الجانب لا أحد يستطيع أن يكشف أسرارها للعموم، كم مرة عُنَّفْتُ وكم مرة هُدِّدْتُ وأنا أريد أن أقوم بواجبي الصحفي لا غير، كان هذا كله في وقت كان القانون في بلدي خاضعا للمسؤول يفصل حسب مقاسه، ويُؤَوَّل لخدمة سطوته وجاهه، لم نكن آنذاك نلوم أحدا فالكل كان راض بقسمته وقدره، لأن الكل كان يعرف أن المسؤول هو السلطة العليا التي لا تناقش.
ومع عهد جديد وبعد تولي صاحب الجلالة محمد السادس سدة الحكم، جاءت موجة الخروج من سنوات الرصاص، التي استبشر بها المغاربة خيرا، هذه الموجة التي أكدت على أن جميع المغاربة سواسية أمام القانون، فلا فضل لمسؤول على المواطن العادي بل الكل يحكمه القانون، وبدأت تتغير فعلا نظرة المغربي إلى أصحاب القرار إذ بدأت تيارات الثقة تَشْحِنُ عواطف المغاربة وبدأ المسؤول في خدمة المواطن التي اعْتُبِرَتْ خدمة للبلد، وانبرت الصحافة لتقوم بواجبها اتجاه الوطن والمواطنين فقلنا وقتها أن ريح الديمقراطية بدأ يهب على المجالس المنتخبة في شرق المغرب وغربه شماله وجنوبه في قراه ومداشره ومدنه، لكن نفاجئ اليوم ومع كل الأسف حنين بعض المسؤولين إلى العهد البائد الغير مأسوف عليه، ويُمْنَعُ الصحافيون لدخول قاعة الاجتماعات التي ستتم فيها عملية انتخاب الرئيس الجديد لجماعة الحدادة بعد إقالة الرئيس السابق المدان بالفساد، ولقد أدلى الصحافيون بكل الوثائق التي تخول لهم ذلك من بطاقات للصحافة دولية ووطنية ورخصة التصوير الممنوحة من السلطات الإقليمية والجهوية، فكان الرد من قائد الجماعة ردا هنجعيا ينم على أن هذا القائد إما تصرف بصورة فردية وهذا تهديد صريح للقوانين الناظمة لعلاقات السلطة مع الصحافة المرخص لها، أو مدفوعا من طرف جهة ما وهذا يقلل من قيمة السيد القائد ومن صلاحياته التي يخولها له القانون. أنا هنا لا يهمني تصرفه السيد القائد، ولكنني أتحسر على موروث قديم لا زال يعشش في كياننا وينخر جسدنا السياسي والاجتماعي، كان من الأجدر والأولى أن يعطي السيد القائد مبررات المنع وأن يدخل في حوار مسؤول مع الصحافة لكن مع كل الأسف تلك الردود التي تذهب إلى حد الإهانة هي التي اختارها السيد القائد في تحدى صريح للقوانين المنظمة للبلد، قد يقول قائل بأن القائد اعتمد على قانون “كوفيد 19 ” جميل، فلماذا هذا الاجتماع أصلا إن كان السيد القائد يخاف من انتشار العدوى، تتم هذه العملية في العصام، الذي يعتبر امتدادا لمدينة القنيطرة أي أنه على بعد حوالي أربعين كيلومتر من العاصمة الإدارية للمغرب الرباط، فما هي أسباب المنع؟؟ لا من يجيب المهم أننا وفي القرن الواحد والعشرين لا زلنا نعيش هذه الأوضاع الشاذة، وكأن الاجتماع سري ستوزع فيه حصص من أموال الحرام أو من مواد ممنوعة، أليس هذا الاجتماع لأعضاء منتخبين من طرف سكان جماعة الحدادة؟؟ أليس لهؤلاء السكان الحق في معرفة الأجواء التي دار فيها الاجتماع؟؟
أيها المسؤولون عن هذا المنع المدان أنتم تغتالون الديمقراطية في بلدي، أنتم تحنون إلى عهد لفظه المغاربة بمعية ملكهم، أنتم تجرون المغرب إلى الويلات، فرحماكم بالمغرب وبأهله، هذا السلوك المشين لم يعد مقبولا وتجاوزته الوقائع، فبسلوككم هذا تساهمون في ذبح الديمقراطية.
بقلم: سعيد عطا


















































