التجربة الثالثة من التعليم عن بعد في جامعتنا عرفت نضجا أكثر من سابقتيها.. الشكر موصول بكل تجلياته الإنسانية، إلى الأساتذة الأفاضل

Mohammed El Filali19 يوليو 2021آخر تحديث :
التجربة الثالثة من التعليم عن بعد في جامعتنا عرفت نضجا أكثر من سابقتيها.. الشكر موصول بكل تجلياته الإنسانية، إلى الأساتذة الأفاضل

سعيد عطا / القنيطرة

دارت عجلات الزمن دورتها العادية، ونحن في زمن صاحبة التاج 19، أو فيروس كورونا اللعين، الذي غير من سلوكياتنا وفرض علينا أجندات جديدة في معاملاتنا مع الآخر، زمن كرونا الذي بتنا فيه مجرد أشياء نبحث عن دفء العلاقات الإنسانية، فلا نجدها إلا في وجوه مقنعة وأيادي ترتعش عند كل مصافحة وبعد مفروض مخافة العدوى، كنا نأمل أن تنقشع هذه الغمامة سريعا وتعود حياتنا الطبيعية إلى مجراها العادي، لكن صاحبة التاج أبت إلا أن تسكن زوايا مدننا وقرانا مهددة متوعدة كل أفراحنا وأتراحنا.

لم نعد سوى أشخاص فرض عليهم الحجر، يطبقون إملاءات اللجان الصحية التي أمطرتنا بقراراتها حتى باتت فرض عين نطبقها على مضض، مات أحبابنا وأهلنا وأصدقاؤنا فترحمنا عليهم عن بعد، وكان من لعنة القدر أن دفن أفراد عزيزون علينا في أماكن بعيدة عنا، وما استطعنا أن نفعل شيئا لهم سوى رفع أكف الضراعة للعزيز القدير أن يتغمدهم برحمته الواسعة، مرض أهلنا وأحبابنا وأصدقاؤنا ودخلوا المستشفيات والعيادات الطبية وما استطعنا عيادتهم، لم نهنئ بمناسبة ازدياد مولود، ولا بنجاح حبيب أو قريب، إلا عبر العالم الافتراضي الذي طوعناه وصار عالما موازيا لعالمنا الواقعي المادي، التصقنا بهواتفنا الذكية وحواسبنا بغية فتح أبواب التواصل مع عالمنا الواقعي.

إيه أيها الفيروس اللعين إيه أيها المخلوق المجهري، فعلت فعلتك فينا وفرضت قوانينك علينا، ومع هذا كله لا يزال هناك أمل في الحياة فمنذ تقييد الحركة في المغرب لأول مرة الجمعة 20 مارس 2020 على الساعة السادسة مساء، ونحن نصارع من أجل البقاء نبحث في كل زاوية عن أمل يغدي أحاسيسنا بالقوة لمجابهة المجهول، تفوقنا على الخوف واشرأبت أعناقنا تبحث عن النور وسط عتمة فرضت علينا، لكن الأمل كان أكبر من أي فعل آخر بإمكانه أن يفرض علينا سلوكاته.

(الأستاذ سعيد البوزيدي – أستاذ بشعبة التاريخ والحضارة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل)

طَوَّعْنَا الزمن وكَيَّفْنَا أفعالنا مع الحجر الصحي فبتنا نبدع ونخلق من المستحيل آمالا نغدي بها أمنياتنا، كانت التجربة الثالثة للتعليم عن بعد في جامعاتنا أنضج من سابقتيها، حيث لم يعد ذلك الهاجس المبني على المجهول يسكن دواخلنا، تخلصنا من الخوف والتردد وانخرطنا كطلبة في هذه التجربة الفريدة التي انطلقت من خلية شعبة التاريخ والحضارة بجامعة ابن طفيل، كان العمل الدؤوب مستمرا، وكانت وسائل التواصل لا تفتر ولا تهدأ، وفوق هذا وذاك كان الأستاذة يقدمون من شهد علمهم وعصارة معارفهم، أجود وأفضل ما عندهم، فتوالت المحاضرات المكتوبة والمرئية بانسيابية، زكتها عفوية الأساتذة الذين انخرطوا في العملية بعدما اكتسبوا تجربة من خلال عملتي التعليم عن بعد السابقتين.

(الأستاذ محمد المنقاشي – أستاذ بشعبة التاريخ والحضارة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل)

فهذا الأستاذ الفاضل محمد المنقاشي أستاذ وحدة تاريخ الشرق الأقصى يأخذنا في رحلة شيقة عبر جزر اليابان، ساردا في قالب علمي جدلية الزمان والمكان، حيث تكونت عقلية الإنسان الياباني عبر تراكمات اجتماعية واقتصادية وعقائدية، فكانت الشنتوية والبودية من العقائد الذي بصمت على شخصية الإنسان الياباني وجعلته يتميز بعلاقات الولاء للسيد في تراتبية اجتماعية صارمة انطلقت من فترة نارا مرورا بفترة هييان، وصولا إلى عهد توكوغاوا الذي كان العهد الذي أرسى القواعد الأساسية لفترة ميجي، وهي فترة النهضة اليابانية.

(الأستاذ محمد حبيدة – أستاذ بشعبة التاريخ والحضارة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل)

أما أستاذنا الفاضل محمد حبيدة أستاذ وحدة أوربا في القرنين التاسع عشر والعشرين، فكانت رحلته معنا شيقة كما عهدناها، حيث رافقنا عبر الزمان والمكان مع نابليون القائد العسكري والقنصل ثم الإمبراطور، هذا القائد الذي كان يبحث دائما على موضع قدم لفرنسا في العالم وكان في صراع دائم ومستمر مع بريطانيا، وما حروبه التي بدأها بحصار مدينة تولون وتحريرها من يد الإنجليز والقضاء على التمرد الموالي للويس السادس عشر، ثم بداية توسعاته الخارجية في إيطاليا والحملة على مصر، تم هزيمة أسطوله البحري في معركة الطرف الأغر، وغزوه لألمانيا ثم روسيا وهزيمته على يد جنرال الثلج، ودخوله في حرب أخيرة مع بريطانيا وسمت بواترلو هذه الحرب الذي أقبرت كل طموحاته حيث انهزم وأسر، لكنه ترك لنا مدونته القانونية الشهيرة التي لا زالت سارية المفعول في بعض البلاد إلى حد الساعة.

(الأستاذ محمد مزيان – أستاذ بشعبة التاريخ والحضارة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل)

وجاء الدور على الأستاذ الفاضل محمد النعيمي أستاذ وحدة المغرب في القرن التاسع عشر الذي أعادنا إلى المغرب مبرزا التكالب الاستعماري الذي حول المغرب إلى كعكة، كل الدول الأوربية الطامعة تريد أن تغنم نصيبها منها، سيما وأن المغرب كان يعيش على كل ما هو تقليدي وكان الفكر المعاصر يحارب بحجة أنه فكر دخيل غريب يراد به غزو المغرب، أي نعم كان للأوربيين أطماعهم وكان للمغاربة تخلفهم عن ركب الحضارة الإنسانية وما هزيمتهم في معركة إيسلي إلا صدمة أعادت ضبط عقارب الساعة بالنسبة للمغاربة واستفاقوا من غفلتهم وحاولوا أن يركبوا قطار الحضارة ولو متأخرين فبدأت الإصلاحات والاهتمام بالتعليم الغربي، كانت رحلتنا في مغرب القرن التاسع عشر، رحلة الكشف عن الذات وعن الهوية بالنسبة لنا كطلبة، وفي نفس الآن كانت رحلة نقد ذاتي لما نحن عليه الآن، ومن المغرب انطلقنا في رحلة شيقة بحثا عن مصادر الذهب والفضة وسواعد العمال في قلب إفريقيا.

(الأستاذ حميد الفاتحي – أستاذ ورئيس شعبة التاريخ والحضارة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل)

هذه الرحلة التي كان ربانها أستاذنا الفاضل حميد الفاتحي، الذي أخذنا ذهابا وإيابا ليكشف لنا عن تلاقح الثقافتين المغربية وإفريقيا جنوب الصحراء، فكانت الوحدة الموسومة: “بتاريخ المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء إلى غاية القرن التاسع عشر”، لم تكن هذه الرحلة عبثية بل كشفت لنا عن العمق الأفريقي الذي كون أصولنا وأصبح مع مرور الوقت جزءا أساسيا من مكوننا الثقافي والحضاري، فرحلة إلى بلاد السودان وتعرف على أصول شعوبها من صوصو، وكوكو، وتكرور، وزغاوة، وشعوب النوبة، والسوننكي، إضافة إلى تلك الحضارات التي أريد طمسها والتي كونت إمبراطوريات وممالك كمملكة غانا وإمبراطورية السونغاي، كانت رحلة هامة مكنتنا على الأقل من تجاوز تلك الرؤيا التي تكونت لدينا بفعل التأثيرات الغربية عن المنطقة والتي لم نكن نرى فيها سوى مصدرا للذهب والعبيد، في حين أنها منطقة لا يمكن الاستغناء عنها إذا أردنا فهم أصولنا.

لم يكتف أستاذنا الفاضل حميد الفاتحي بهذه الرحلة بل أخذنا في رحلة أخرى لا تقل أهمية عن رحلة الأصول الأولى، حيث خصص وحدة اللغة والترجمة ليغوص في مفهومها وغاياتها، وكأنه يقول إن رحلتي هاته هي رحلة أساسية وضرورية لكل باحث في التاريخ، فالترجمة تجعل من اللغات والثقافات الأخرى في متناول يديك وتفتح لك آفاق معرفة الأنساق الفكرية الآخرين.

(الأستاذ حميد بنسي – أستاذ بشعبة التاريخ والحضارة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل)

اختتمنا هذه الرحلة الشيقة مع ربان آخر الأستاذ الفاضل حميد بنسي في وحدته الرائعة النظريات الاقتصادية، ابتدأت الرحلة مع بداية الإنسان وتوجت في مرحلتها الأولى بقوانين حمورابي، ثم مع أفلاطون وأرسطو عند اليونانيين ثم مع شيشرون وسينكا عند الرومان، وفي القرون الوسطى وبعد سيطرة السكولاستيين برز توماس الأكويني، في نفس الحقبة برز عند العرب كل من ابن خلدون والمقريزي، جاء بعد هذه المرحلة الفكر التجاري المركنتيلي بأنواعه، ثم الفكر الفيزيوقراطي، ففكر المدرسة الكلاسيكية، الرحلة لم تكن هينة لأنها غاصت بنا في عمق الأفكار المسيطرة عبر مراحل الإنسانية وما هذه الأفكار إلا نتاج مخاض فلسفي وعلمي عميق، هز كيان الإنسان وحوله من دفة تفكير إلى أخرى صالحة في آوانها.

(الأستاذ حميد اجميلي – أستاذ بشعبة التاريخ والحضارة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل)

كل هذه الرحلات كانت على متن صفحات سبع محاضرات لكل وحدة، عززت بسبع أشرطة مرئية لكل وحدة، دخل فيها السادة الأستاذة الأفاضل كل بيوت الطلبة ورافقوهم عبر جميع مراحل الإعداد للامتحانات، لم يكن ذلك بالشيء الهين، فتسجيل المحاضرة يحتاج لا محالة إلى جهد كبير من طرف السادة الأساتذة الأفاضل وهذا لن يكون ممكنا إلا مع فريق يعمل على إيصال جميع المحاضرات عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، لهذا الغرض خلقنا منصة رقمية، أسميناها مكتبة الفصول الربيعية لطلبة شعبة التاريخ والحضارة جامعة ابن طفيل القنيطرة، وضعنا على رفوفها الافتراضية جميع محاضرات الفصول الثلاثة الثاني والرابع والسادس.

(الأستاذ مراد التعرابتي – أستاذ بشعبة التاريخ والحضارة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل)

ولقد عمل الأستاذ الفاضل حميد الفاتحي والأستاذ الفاضل مراد التعربتي على تزويدنا بكل الدروس التي وضعناها في الخزانة، كما أن تواصلنا مع السادة الأساتذة كان يتم بطريقة سلسة ولم نجد أية عراقيل بل كان السادة الأساتذة يتواصلون معنا كلما طرأ جديد وذلك من أجل نشر المستجدات عبر منصات التواصل الاجتماعي التي أنشأناها لغرض التواصل مع الطلبة، كان التفاعل رائعا وكبيرا ما بيننا وما بين السادة الأساتذة الأفاضل والزملاء الطلبة، فهل نجحت التجربة الثالثة من التعليم عن بعد؟؟ هو سؤال سيبقى عالقا لأن الحكم سيختلف من شخص إلى آخر ويمكن القول بأن التجربة الثالثة من التعليم عن بعد في جامعتنا قد عرفت نضجا أكثر من سابقتيها.

فالشكر موصول بكل تجلياته الإنسانية، إلى أساتذتنا الأفاضل وإلى كل من ساهم من قريب ومن بعيد على كسر الجمود وزرع الحياة في الحياة التعليمية التعلمية في الجامعة، فلن أوفيكم حقكم أساتذتي مهما شكرت لأن مهمتكم أكبر من أن تجازى بشكر عابر أو كلمة امتنان، جازاكم الله عنا بألف خير لأنكم تحملون مشعل تنوير العقول ويكفيكم هذا فخرا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!