
هل أمية حملة الديبلومات المهنية والجامعية، أمية عابرة تخص المغرب فقط أم هي أمية هيكلية فرضتها العولمة؟ وهل حملة هذه الديبلومات فعلا أميين لا يفقهون من العلم إلا ما يدخل في تخصصاتهم؟؟ إشكالية من الإشكاليات المزمنة التي تعترض المفكرين في العالم، والتي مع كل الأسف بقيت في دول العالم الثالث أو الدول التي في طريق النمو بدون إجابات واضحة وشافية، سأتمرد عن بروتوكول التسميات، والذي بات قاموسا يخضع لإملاءات صناديق القرض العالمية، والدول المتقدمة، لأقول كل المسميات واردة، فدول العالم الثالث مختبر خصب لتجارب الرأسمالية العالمية، تُنَزَّلُ فيه كل القرارات الاجتماعية والتعليمية التي يراد لها أن تُجَرَّبَ على أرض الواقع، وكثير هي التجارب التعليمية التي خضعت لها بلدي والتي كانت كلها مستوردة من بلاد المستعمر القوي، فلا يمكن لبلدي أن تأخذ قرضا أو إعانة دون الخوض مجبرة في ما اصطلح عليه بالتقويمات الهيكلية، وكأن هيكل المغرب مصاب بشلل يحتاج إلى تقويم، فمن الطريقة التركيبية إلى الطريقة التحليلية إلى التدريس بالأهداف إلى التدريس بالكفايات، أشواط قطعها التعليم في بلدي لينحدر من الحسن على الأسوأ، عوض أن يرتقي من الحسن إلى الأحسن. لم تعد هناك تفسيرات مقنعة إلى هذا التدني المهول للتعليم في بلدي، وحتى الأطر التربوية أصبحت عاجزة عن معرفة كنه العملية التعليمية التعلمية، بل أكثر من هذا أصبحت أيام التكوين التي تشرف عليها هذه الأطر والتي تنظم لفائدة الأساتذة مجرد أيام لإضاعة الوقت واستهلاكه.
“ربط التعليم بسوق الشغل” هذا هو الشعار الذي أصبح يردد في الأوساط التعليمية بل أكثر من هذا وجد صدى له في المجتمع، حيث أصبح له مؤيدون لأن الأسر كلها تبحث عن شغل لأبنائها، وهذا هو المراد في الحقيقة من التعليم، لكن قبل الشغل يجب بناء الإنسان فتزويد سوق الشغل بطبقة تقنية تتعامل مع الآلة سيجعل من المجتمع خال من المفكرين الذين سيحلون المعضلات الكبرى، فالمجتمع في حاجة إلى شعراء وأدباء وفلاسفة ومؤرخون وعلماء رياضيات بالمعني البنائي وليس التطبيقي فقط، المجتمع في حاجة إلى علماء حقيقيين يعطوننا نظريات في شتى المجالات الاقتصاد والسياسة والاجتماع والقانون والطب والهندسة والفلك والتاريخ والجغرافيا وشتى المجالات الأخرى، فالمجتمع في حاجة إلى منظرين وليس مستهلكين لنظريات غيرهم، أي أن المجتمع في حاجة إلى من ينظروا وفق آليات المجتمع وتطلعاته واحتياجاته، أي أن التنظير وفي جميع المجالات يكون تنظيرا منبثقا من هموم ومشاكل المجتمع وليس من إملاءات صناديق القروض ومصالح الدول الاستعمارية.
إن المنظومة العالمية تريد حسب منظريها الرأسماليين عاملا آليا ومهندسا مرتبطا بما تحتاجه الآلة وإداريا جميع مصطلحاته مُوَلَّدَةٌ من إنتاج الآلة، ورَبَّ معمل يحتسب الآلة إلاها، إذا ما اعْتُدِيَ عليها من طرف أي عامل طرده في الحين، فالعامل الذي يحشر وسط الجماعة مثل القطيع، ولا يفكر إلا في راتبه، لا ينخرط في جمعية أو نقابة، ولا يبدي أية معارضة على قرارات المسؤول، هو العامل الذي يسعى النظام الرأسمالي لخلقه عن طريق التعليم الذي يهدف إلى “ربط التعليم بسوق الشغل” أي تعليم ينسف كل ما من شأنه تكوين الإنسان وخلق أطر تُفَكِّرُ في جميع المجالات، وبالتالي تعليم يزود سوق الشغل بعامل مطيع وإطار خانع للآلة ورب المعمل. هذه ليست مشكلة المغرب فحسب بل هي مشكلة العالم حاليا حيث تغول النظام الرأسمالي وفرض إملاءاته على النظام التعليمي، فبتنا مع هذه المعضلة مع كل الأسف نلمس غياب الثقافة والعلم في أطرنا، بل أصبحنا نعاني من قلة الأطر المنظرة. فأي اختيار سيؤهلنا إلى خوض غمار العلم والمعرفة؟ هل اختيار الخنوع إلى الإملاءات الخارجية التي أتبتت فشلها أم إلى ارتهان المنظومة التعليمية الوطنية لمخطط مغربي صرف يستشرف طموحات المغاربة؟
بقلم: سعيد عطا















































