
وضعت الإدارة الاستعمارية قبيل تدخلها، أهدافا تخدم مصالحها بالدرجة الأولى، تراوحت بين ترويض للعقل وللنسيج الاجتماعي المغربي من جهة، وللحفاظ على تراتبية صارمة تضمن استمرارها، تغييرا لهذا النسق بشكل بطيء لكن بفعالية، فانبى هذا المشروع على دراسة شاملة للبنى التعليمية المغربية ونظمها القديمة ، إذ كان هذا النسق التعليمي العتيق عائقا في إرساء الهندسة الاستعمارية، مما جعل الإدارة الاستعمارية تتدبر حلولا تراوحت بين التحفيز والإغراء ثم الاستقطاب والترغيب، ثم اللجوء إلى الإجبار والترهيب، لكسر كل أمر من شانه مثبطا إفشال السياسات التعليمية الاستعمارية.
أهـدافها: التدجين، الحـفـاظ على التراتبية، التغيير البطيء
نستهل هذا المعطى بمقولة جورج هاردي الذي قال: (… انتصار السلاح لا يعني النصر الكامل …، بل يجب إخضاع النفوس بعد أن تم إخضاع الأبدان) …، إنه أمر يحيلنا على سياسة ليوطي المعروفة بالتهدئةLa politique d’apaisement، فقد كان ليوطي على قناعة تامة بأن (… هذا البلد لا ينبغي حكمه بالقوة فقط، وأنه بواسطة التعليم وحده يمكن أن يتم العمل الأكثر عمقا، وأشـد تأثيرا في تطور الفكر المغربي الجديد[1] )…، إنها إشارة إلى سياسة تعمل على ”تدجين” الإنسان المغربي وجعله طيعا لخدمة الأهداف الاستعمارية، ومنه، ستلجأ فرنسا في خطوة لا تقل خطورة عن الأولى، إلى العمل على تكريس الطبقية والتخلف بوضع قوانين تحافظ بدقة على التراتبية الاجتماعية، فهي سياسة في شموليتها تراهن على جعل المدرسة وسيلة لإنتاج نخب تدور في فلكها، وتهلل لمشروعها، وتخدم أهدافها المتمثلة في استكمال مشروع الغزو المادي، وتقويته بالغزو المعنوي[2]، والتغلغل الهادئ في البلاد في إطار سياسة”الأهلية”التي ارتكزت على حكم النخب المحلية، والحفاظ على مؤسساتها التقليدية تحت إشراف ممثلي المتروبول؛ واندرجت هذه السياسة التعليمية في إطار سياسة الاعتبار : LA POLITIQUE DES EGARDS، التي دعا إليها ليوطي في خطابه أمام الأعيان، الذين قدموا إلى السلطان بفاس سنة 1916، وأوضح أنه سيبقى ”…مرتبطا دائما ….بنظام التراتب، وسيعمل على بقاء الناس حسب الوضع القديم، حيث سيظل الحكام، حكاما والآخرون تابعين ،مطيعين …” )[3] .
تخدم هذه السياسات مصلحة فرنسا الرامية أيضا إلى تغيير البنى الاجتماعية على المدى المتوسط أو البعيد، نسوق هنا تقرير ليوطي الذي رفعه إلى وزارة الخارجية، مؤرخا في 20 دجنبر 1920، أكد فيه على ضرورة ”التأهيل الوراثي للنخب ”دون إبعادهم عن انتمائهم الطبقي، وخلقا لنخبة مغربية تقارب في ذهنيتها ذهنية الغرب[4]، فتشكل بالتالي صلة وصل بين سلطات الحماية، وجمهور الأهالي، وتقيد من صلاحيات موظفي المخزن القديم، الذين يعتبرون في نظر الفرنسيين غرباء عن الفكر العصري، كما قال في معرض شرحه لهذه السياسة: (… المطلوب أن تكون في هذا البلد ،نخبة مثقفة ،يمكننا العمل معها، لكن علينا أن نحرص على ألا تكون مجثته عن بيئتها، لتظل صلة وصل بيننا وبين جمهور الأهالي )… )[5].
* محسن ريري، طالب باحث في سلك الماستر، أستاذ التعليم الابتدائي.















































