العثور على أغراض قرب الماء لا يعني بالضرورة الغرق

Mohamed Filali19 فبراير 2026آخر تحديث :
العثور على أغراض قرب الماء لا يعني بالضرورة الغرق

العثور على أغراض قرب الماء لا يعني بالضرورة الغرق

بقلم: لحسن كوجلي

تتواصل منذ أيام بواويزغت، بإقليم أزيلال، عمليات البحث عن المختفية هبة، وسط تعبئة ميدانية واسعة تقودها السلطات المحلية ومختلف الأجهزة الأمنية، بمشاركة عناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة والوقاية المدنية، إلى جانب متطوعين من الساكنة. تعبئة تعكس، بلا شك، جدية الدولة في التعامل مع اختفاء أحد أبنائها، وحرصها على استجلاء الحقيقة مهما كلف الأمر من جهد ووقت وإمكانيات.

ورغم هذا “الإنزال” الأمني واللوجستي الكبير، لا يزال البعض يطالب بمضاعفة الجهود، وكأن ما يبذل إلى حدود الساعة مجرد إجراء روتيني يمكن تكثيفه دون حساب للكلفة البشرية والمادية. والحال أن عمليات البحث، خصوصا حين تمتد لأيام وتشمل الاستعانة بفرق من خارج الإقليم والجهة، بل وحتى بوسائل البحث الجوي، تترتب عنها تكاليف باهظة تشمل النقل والتنقل، الإيواء، المؤونة، وسائل الاتصال، اللوجستيك، الوقود، المعدات التقنية، وغيرها من المستلزمات.

إن حجم التعبئة القائم اليوم في واويزغت يبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة لا تدخر جهدا حين يتعلق الأمر بحياة مواطنيها، وأن كلفة البحث لا تقاس فقط بالأرقام، بل بما تحمله من مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع. غير أن من الحكمة، في المقابل، أن يستحضر عنصر المعطيات الدقيقة، حتى لا تتحول بعض الفرضيات إلى مسلمات توجه مجهودا كبيرا في اتجاه واحد.

في هذا السياق، برزت فرضية الغرق باعتبارها الاحتمال الأقرب، خاصة بعد العثور على بعض أغراض المختفية قرب الماء. غير أن تجارب سابقة بالمنطقة نفسها تظهر أن وجود متعلقات شخصية بجوار مجرى مائي أو بحيرة لا يعني بالضرورة وقوع الغرق.

فقد شهدت واويزغت، في وقت سابق، حادثة اختفاء شخص عثر على سيارته وملابسه قرب شاطئ أغنبو ببحيرة بحيرة بين الويدان. يومها حضرت السلطات ورجال الدرك والغواصون، وسادت فرضية الغرق، بل وأقيم مجلس عزاء في بيت المختفي، بعد تداول روايات عن رؤيته قرب البحيرة. غير أن المفاجأة كانت بظهوره، بعد أيام من البحث المكثف في المياه، حيا يرزق بمدينة مجاورة، في واقعة ما تزال تفاصيلها محفوظة بأرشيف المصالح المعنية.

وفي حادثة أخرى بمنطقة اسكا خلف سد بين الويدان، تم الإعلان عن اختفاء طفل من ذوي الاحياجات الخاصة بعد العثور على بعض ملابسه بمحاذاة الوادي، فتم تركيز عمليات البحث داخل المياه، قبل أن يعثر على هيكله العظمي فوق صخرة بعيدة نسبيا عن مجرى الماء، ما أبرز مرة أخرى خطورة حصر البحث في اتجاه واحد دون استحضار كل الاحتمالات.

بالمقابل، عندما شهد واد أمينوارك سنة 2015 فيضانا جارفا، وأجمع شهود عيان على غرق عدد من الأشخاص، تمكنت فرق البحث من العثور على الجثامين، وكان آخرها قد جرفته السيول لمسافة طويلة حتى بحيرة بين الويدان، دون الحاجة إلى إمكانيات استثنائية، لأن المعطيات الميدانية كانت واضحة ومؤكدة.

من هنا، فإن النقاش حول حجم الجهود المبذولة اليوم يجب أن يوازن بين أمرين: أولا، الإشادة بالتعبئة الكبيرة التي تؤكد أن حياة المواطنين أولوية لا تقبل التهاون، وثانيا، ضرورة توسيع دائرة الفرضيات وعدم اختزال البحث في سيناريو واحد، مهما بدا راجحا.

إن قضية هبة تمثل لحظة ألم جماعي، لكنها في الآن ذاته لحظة اختبار لمدى قدرتنا على التحلي بالتعقل، ودعم الجهود الرسمية، وتفادي إطلاق أحكام مسبقة قد توجه الرأي العام في اتجاه غير محسوم. فالعثور على أغراض قرب الماء لا يعني بالضرورة أن النهاية كانت هناك، كما أن الحقيقة، مهما تأخرت، تظل رهينة بالتحقيق الهادئ المبني على المعطيات لا على الانطباعات.

ويبقى الأمل معقودا على أن تسفر عمليات البحث عن معطيات حاسمة تنهي حالة الترقب، وتضع حدا لمعاناة أسرة المختفية، في انتظار كلمة الفصل التي لا يملكها سوى الواقع.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!