العنوان ” البراكة”

Mohammed El Filali28 يوليو 2020آخر تحديث :
العنوان ” البراكة”


نحن في أوائل صيف سنة1971، كنت وقتها لم اتجاوز  سن الثالثة عشر. كباقي أطفال الحي، أنتظر فترة العطلة المدرسية بفارغ الصبر  لاعيد اللقاء بلاعبي فريق “الدرب” استعدادا لمباريات كرة القدم، خاصة وأني “دينامو” المجموعة لخفتي وسرعتي في الركض حتى أطلقوا علي لقب ” الدكاكة”. في زماننا ذاك،  لم يكن يسلم أي منا من لقب يطلقه عليه أطفال الحومة لتميزه أو لصفة لصيقة به.

لكن هذه السنة لم تكن كسابقاتها، ذلك أن جدي أمرني  للالتحاق بكشك خالي ل ” بيع الكتب والجرائد”
( البراكة) بحي كيليز  قصد مساعدته في انتظار إيجاد  ” متعلم ” جديد.
تلقيت الخبر بامتعاض كبير، ولم يكن لي مجال  للاعتراض أو النقاش، لاني لاازال طفلا وعلي تنفيذ الأوامر.

كنت استيقظ باكرا حتى يبقى لي متسع من الوقت للذهاب الى العمل مشيا على الاقدام ( من حي القنارية إلى كيليز) لأوفر ثمن تذكرة الحافلة ( 6 ريال).
حين وصولي، انتظر “مستخدم خالي” والمكلف بتسيير المكتبةالمحادية لدرب الصبليون، ليسلمني مفاتيح (البراكة)  الموجودة في الزاوية الأخرى من نفس الدرب.
ابدأ يومي وانا كلي حسرة خاصة عندما أتذكر أطفال “الدرب” وهم في الطريق الى ” باب الجديد” لمنازلة فريق خصم.
وفي كل مرة افكر أن أهرب من هذا  الجو وهذا
” الاعتقال” المفروضين علي لكني اتراجع خوفا من غضب جدي.

في هذه ” البراكة” كانت تعرض كل الكتب القديمة المخصصة للبيع اوالكراء. كتب باللغة الفرنسية من كل الاصناف والانواع، بدأ ب ” BD  قصص مصورة”  مثل…..بليك Blek…زومبلا Zembla…..روديو Rodeo……اومبراكس Ombrax…..يوما Yuma……زيادة على بيف Piff ….ميكي Mickey،
ناهيك عن المجلات الفرنسية ” القديمة ” في  كل المجالات ولكل الأعمار.
غالبية الزبناء كانوا من الاساتذة والأطر الفرنسية وعائلاتهم والذين استمروا في العمل في المغرب حتى بعد الاستقلال.

وسط هذه الكميات الهائلة من الكتب والمجلات وذاخل هذه ” البراكة الحديدية” الغير المحمية من أشعة الشمس الحارقة، كنت لا أجد من مأنس إلا الخوض في تصفح ومحاولة قراءة بعضا من الجمل لهذه القصص المصورة BD “رغم عدم فهمي كل مااقرا ، فمستواي آنذاك كان  قسم ” الملاحظة” في التعليم المزدوج ( العمومي طبعا).

هذه الإرادة المتواصلة لتعلم اللغة الفرنسية، كانت محط اهتمام “روبير ” رجل دائم الجلوس، يتكأ على الحائط
الفاصل بين البراكة  و” البيسري ” ( بقال خاص بالمشروبات الكحولية).
يبقى ملتصقا بهذا الحائط، مراقبا ومنتظرا احد معارفه القدامى ليمنحه ثمن “قارورة نبيد ” و” علبة سجائر ” وبهما يبدأ نهاره.
من النظرة الأولى تخاله متشردا لكنه اذا تكلم يجبرك على احترامه. له سحنة اوروبية، يتكلم عربية ممزوجة بكثير من الفرنسية. يقول ان امه مغربية امازيغية وابوه فرنسي ازداد بالمغرب.
” روبير” هذا، كان يختار لي مااقرا ويصحح أخطائي، بل يحيلني على ” قاموس اللغة الفرنسية ” لابحث عن الكلمات الصعبة واعيد كتابتها. كل هذا بعيدا عن أنظار صاحب المحل ومساعده لأنني سوف انشغل على  وظيفتي الأساسية والمتلخصة في الاعتناء بالسلعة المعروضة أمامي والانتباه الجيد للزبناء ومحاولة توجيههم إلى المكتبة  لاقتناء أوكراء الكتب أو المجلات.
اما “روبير” فوجوده قرب ” البراكة” غير مرغوب فيه ولايتماشى وطرق التجارة.
لكن من هو ” روبير “..؟؟؟؟
هذا الرجل كان إطارا عاليا  في الوظيفة العمومية ايام الحماية واستمر حتى بداية الستينات، مثقف كبير، يقرأ باستمرار، كان يكتب مقالات واشعار نشرت في اشهر الصحف اليومية وقتها لافيجي ” la vegie و المغربي الصغير ” le petit Marocain “، لكن إدمانه المفرط على الخمر (وحسب بعض معارفه ) ربما آرائه المتعاطفة مع الخط الشيوعي بالمغرب خلق له مشاكل، واضطر لمغادرة الوظيفة والعيش على إعانة بعض الأصدقاء والمنح التي كانت تقدمها له  بعض الصحف من خلال نشرها لمقالاته.
لكن حال هذا الرجل تدهور يوما بعد يوم وأصبح يلازم باب” البيسري” كما أسلفنا سابقا.
توطدت صداقتي اكثر مع ” روبير” ، وأصبح يشاركني حتى وجباتي، رغم اعتراض ” الباطرون “،
وبحكم مكوثه الاضطراري ملاصقا “للبراكة” أصبح جزءا وعنصرا فعالا يؤتث هذا الفضاء الذي تمتزج فيه التجارة بالتحصيل والمعرفة.
كنت أبدأ نهاري في تنظيف المكان وإعادة ترتيب المجلات وانتظره لنأخذ معا وجبة الفطور.
ثم تنطلق رحلتي الاستكشافية مع بليك Blek أو زومبلا Zembla ويبدأ صديقي في تدخين أولى السجائر على أمل أن يظهر واحد من المعارف ليمده ” بشربته المفضلة” ويغوص في بحر القراءة، يقرأ كل مايقع تحت ناظريه بدأ ب Historia حتى Geo وأحيانا يغرق في كتبه المفضلة ( فهمت فيما بعد إنها كتب فلسفية)،  ومن وقت لاخر يناقشني فيما اقرأ مبديا ملاحظاته.

ومع مرور الوقت،ازددت ارتباطا ب” البراكة ” وبلقاء  “روبير”.
لكن الواقعة التي بقيت عالقة في ذاكرتي هو ما حدث  ذلك اليوم الذي كنا فيه نحاول ان نضبط موجات الراديو( ديال 6) لالتقاط اذاعات ” روبير ”  المفضلة BBC ومثيلاتها، وتعذر علينا  ذلك، واضطررنا
للرجوع الى الإذاعة الوطنية بالرباط لنكتشف انهم أطلقوا موسيقى عسكرية بعدما كانوا يذيعون برنامجا خاصا باحتفالات عيد الشباب………..طال بث هذه الموسيقى، تغيرت ملامح ” روبير” وقال : هناك شيء غير عادي…… ؟؟؟؟
كانت الساعة تقترب من الخامسة بعد الزوال، وكعادة صديقي في هذا الوقت، يصبح فيلسوفا وشاعرا ومحللا، ويتوجه الي بكلمات فرنسية وكأنه يحاضر في السوربون…..في هذه الفترة،  يصل الذروة لأنه يكون قد تجاوز ” نصف القارورة” ……تكلم وتكلم ……قال اشياء لم أفهم منها الا كلمة ” لايمكن” ce n’est pas possible……
استمرت الموسيقى العسكرية، لافاجأ بخالي يأتي مهرولا ويامرني أن اغلق ” البراكة”  فورا وأعطاني 10 ريال لاستقل الحافلة وارجع إلى الدار……لم افهم ماوقع…..تكلم كذلك مع ” روبير ” ليجمع “حاجياته” ويترك المكان، لكنه اصر على معرفة السبب، أعاد التحدث اليه، ذخل بعدها إلى ” درب الصبليون” يردد ……un coup d’état……انقلاب ..لم افهم شيئا………..!!!!!!
انطلقت نحو محطة وقوف الحافلة ، انتظرتها قليلا، لم تأتي، وقررت الرجوع ماشيا لاوفر ثمن الركوب.
في شارع محمد الخامس اكتشفت ان الحركة غير عادية وسمعت بعض الناس يتكلمون عن ” الصخيرات ” وأشياء أخرى وقال لي أحدهم ” سير ادخل لداركم” ……….

بعد يومين من الأحداث رجعت الامور الى مجراها الطبيعي ورجعت إلى ” البراكة ” لأجد ” روبير ” ينتظرني وينتظر ” البيسري”……لكن الأجواء كانت متشنجة، الأمن يجوب شارع يوغوسلافيا وحركات غير اعتيادية ” للامن العسكري” …….كنا نلاحظ هذه الوضعية بحذر، خاصة خالي الذي بقي يتردد على ” البراكة ” وأحيانا يصرخ في وجه “روبير” ويقول ” سير الله يعطيك اللقوة” ……يرددها صديقي بلكنته الأوروبية ونضحك ذون أن نشعر.

مرت الأعوام، غادر “روبير ” درب الصبليون لوجهة مجهولة، وأصبحت عندي فوبيا للاقتراب من هذا الدرب  لاني لم أتصور يوما أن تتحول  ” البراكة ” إلى كشك لبيع” الزريعة وكاوكاو” بعدما كانت مشتلا للعلم والمعرفة.

نورالدين بن شقرون

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!