خواطر4 :

أسدل جناحيه لا يلوي على شيء ،اقترب من امه اللقلاق وهمس في اذنها قائلا وبصوت خافت مرتعد كالخائف وبدون ان يرمقه ابوه اللقلاق، امي ،امي لقد رأيت الليلة كابوسا مزعجا في نومي، فأجابته وبكثير من الفضول والترقب والحيرة والخوف ،ماذا رأيت يا بني؟ فأجابها والخوف يسري في اوصاله انني رأيت نفسي وعنقي يدق على الاسفلت بدون رحمة ولا شفقة، فأجابته وبكثير من الفضول ومن الذي يعبث بك هكذا يا بني ، فأجابها : انه ابن ادم، ابن ادم، الانسان.
فسكتت لوهلة وقالت له ابني لا عليك من ذلك، انها اضغاط احلام، واضافت ألم نستوطن بهذا البلد الامين عقودا بل ملايين السنين ،بع
دما كنا في البدئ نزوره موسميا ،ألم نأكل من خيراته ونشرب مائه، دون خوف ولا قهر ولا ملل، وفجأة رمقت الوادي، وادي سبو فابتسمت وقالت له اتذكر يا بني يوم كان ابن ادم يضع علينا هالة القدسية ولا يجرئ احد ان يصطادنا او يتعرض لنا بمكروه ،وكان الناس يتبركونا بنا ان استوطنا
فوق منازلهم وبيوتهم، وكان هذا المكان يفيض لنا بخيراته وكنا ناكل ولا نجوع ،ونتفرج على سمك الشبوط(الشابل)وهو يتراقص امام اعيننا ،وكنا نقتات به حتى التخمة، وسمك “النكولا” الدي لم يعد له وجود الان.
لقد كان السمك بمختلف أنواعه يزور النهر من البحر، ونتغذى ونقتات به، أما الآن يا بني كل شيء صار الى زوال ،أتدري يا بني ما الذي ادى الى حرماننا منه ،وساعد على انقراضه؟، فأجابها وبكثير من الفضول و الترقب وحب المعرفة ،من يا امي؟ ، فأجابته وبصوت منكسر إنه الإنسان ، الإنسان، فرد عليها متسائلا وكيف يا اماه؟ فأجابته اتذكر يوم كنا نحلق فوق بناء اسمنتي عظيم ضخم على الوادي، فأجابها بلا امي فردت عليه وبحزن كبير انه السد يا بني، فسألها مرة أخرى وما علاقة السد بالسمك، فضحكت لبرهة واجابته انه السبب في حجب سمك الشبوط لوضع بيضه على ضفاف نهر سبو، فأدرك لوهلة السبب لانقراضه وسبح فكره في التفكير لهذا الامر ، وفجأة استفاق وأمه تنبه وبقوة من خطورة اصطدامه بسلك لتيار عالي كهربائي في طريق تحليقه، فاسترجعت الأم أنفاسها من خطورة هول اصطدام صغيرها بالخطر الآدمي، فحمدت الله والالطاف
الالهية على النجاة، فابتسمت وقالت لصغيرها مرة أخرى أتذكر يوم كنا نحلق فوق النهر وننبهر بالبواخر الكبرى الفولاذية التي كانت تعبر النهر مرات عديدة في اليوم، وكنا نقتات بين الفينة والأخرى من فضلات طعام راكبيها ومن قمامات مرافئها، ففطن للأمر فجأة وتساءل مرة اخرى اين ذهبت يا امي؟ فأجابته والحسرة تأكلها إنها لم تعد موجودة أبدا وقد نقيت من هذا المكان دون رجعة . فقد أصبح للنهر مآرب أخرى ،الصخب، الترفيه ،الاستجمام كما يسميه ابن آدم، فأجابها وما هو مصير العمال الذين كانوا يقتاتون منه؟ فأمات برأسها وأجابته إنهم أرقام مضافة في طابور وسجل العطالة.
أضافت نهر سبو ماءه يروي الظمآن، ماءه غلة للغرب ، سكتت برهة وصرخت بأعلى صوتها وهي منحرفة فجأة عن طيرانها
: الغرب الشراردة بني حسن هبة نهر سبو، فجأة هبت ريح قوية فالقت اللقالق بأجنحتها كاملة منفتحة متجهة الى أعشاشها، وعند قربها رمقت الأم اللقالق الإسمنتية التي كانت تهيء تحتها بالشارع كزينة فرأتها وقد تكسرت ودقت أعناقها بفعل فاعل، فالتفتت الأم لصغيرها وقالت له: الكابوس الذي رأيته في حلمك يا بني يتحقق على قرينك الإسمنتي واضافت الحمد لله ،الحمد لله ،انك لم تكن مكانه لتدوق جبروت ابن ادم واللاإنسانيته ،ولقلقت لبرهة وأسدلت جناحيها وأخلدت للنوم… عبد العزيز الناوي.















































