بقلم: سعيد عطا
أيتها المنية رحماك، لقد اصبتني في شخص أقرب إلى من حبل الوريد، كان مصابك جللا نزل على قلبي كالصاعقة، تسللت إلى الرفقة الصادقة والصحبة الطيبة لي، رحماك يا أم قَشْعَمٍ فمصابك دخل إلى بيت عائلتي الصغيرة، لم أكن أعلم أن الوقع سيكون زلزالا يعصف بعواطفي، ويجعلني أستسلم وأضعف أمام عبراتي، رحماك أيتها المنون فخطواتك داست حواسي وبعثرت كياني، أتفعلين بالجميع ما فعلته بي أم أنني ولشدة الوقع على قلبي أصبحت تائها أبحث عن عباراتي وسط قاموس لم أنتق منه كلماتي من قبل، فرحماك بي أيتها القاضية رحماك لقد خطفت مني رجلا ما عرفته في يوم من الأيام إلا صاحب نكتة، يحول مجاميعه إلى جلسات أنس ترصعها الضحكات البريئة، أنت أيتها الخَالِجُ أخذت مني رجلا كنت أتسابق من أجل لقياه والتبرك بمحياه السمح، ستصبح مجاميعي ناقصة تعتريها نقطة الفراغ تلك التي سيتركها وراءه، كل شيء كان يتمحور في جلساته حول إسعاد الآخر، فمن سيملأ هذا الفراغ ومن سيقارعه في مستملحاته.
رحمك الله أيها الرجل الإنسان، واسكنك فسيح جناته، رحمك الله يا من كنت بلسما وشفاء لهموم الجميع، توزع الضحكة بالمجان وتدخل الفرحة للقلوب بدون أن تنتظر شكرا ولا جزاء، تشبث بتراب أصلك البدوي وكنت تفتخر بانتمائك وترفع من شأنه، ما كنت يوما تخجل من أن تنعت بالبدوي بل كنت تفرض وجودك بفعلك وبعملك الإنساني، رفعت من قيمتك وفرضت على الآخر أن يحترمك ويقدرك، عاشرتني وأنا صبي غر ورافقت دربي وأنا مراهق جامح وشددت من عضدي وأنا شاب يافع، وكنت الرجل والشيخ الذي تقاسم معي تجربته في الحياة، أعطيت بسخاء حاتمي ولم تطلب المقابل.
أنت يا بوسلهام ليمام الطفل المشاكس الذي يبحث كل يوم عن مقلب تكسر به روتين الحياة، لم تتخل عن طفولتك البريئة يوما بل كانت مقالبك تتكرر وتأخذ صورا وأشكال تجسد إنسانيتك وحبك للآخر، كنت كالمغناطيس تلتف حول جموعك كل فئات الناس، طالبة قربك والتمتع بمستملحاتك فكلامك لم يكن في السياسة اللعينة ولا في الفلسفة المعقدة ولا في العلوم الضيقة، كان كلامك يتمركز حول شخصك، تستهويك لهجتك المحلية لتبحث في قاموسها عن مصطلحات بادت لكنها تحيى على لسانك كالوثيقة التاريخية التي تؤرخ لأحداث كثيرة عشتها في طفولتك مع رفقاء دربك، كنت كالموسوعة العامرة بالأحداث والوقائع التاريخية تسرد أسماء شخصيات بصمت حياتك بفعلها وكأنك تريد أن تعيد إحياء ذكراها، كرست ثقافة الاعتراف بجميل الآخر قبل أن يصبح موضة العصر، وسردت حكايات عجيبة غريبة لو قدر لها أن تدرس لوجد فيها عالم الاجتماع والمؤرخ وعالم النفس والأنثروبولوجي مادة دسمة، كنت بالفعل ذاكرة لأهلك وأحبابك وأقاربك الذين وافتهم المنون.
في عملك الذي اخترته عن حب وارتيدت الوزرة البيضاء لأجله طيلة حياتك المهنية، كنت تواسي المرضى وتداوي جراحهم وتسهر الليالي من أجل شفائهم، هنا في مستشفى الإدريسي تركت البصمة الإنسانية الواضحة، تركت من الأثر الطيب ما يجعل الرحمات تتقاطر على روحك، وهناك في المركب الجامعي ابن سيناء بالرباط، حاربت المرض والوفاة وأعطيت الأمل للمرضى حيث كان مركز الإنعاش مقرك الدائم الذي كنت تستمع فيه لأنين ومعاناة المرضى والمصابين، كنت تشارك مرضاك كل شيء حتى أكلهم وشربهم، لقد كنت جزءا هاما من عملك تماهيت معه وأصبحت لغتك مشبعة بمصطلحاته التي كنت ترددها على مسامعنا ونحن لا نعلم عنها شيئا، نعم أيها الإنسان كنت ممرضا ممتازا بامتياز، أحبك الأطباء وجعلوك واحدا من أقرب الناس لهم لأنك كنت تنفس عنهم كربهم وتخفف عنهم معاناة عملهم الشاق، كلامك الذي يحمل النكتة ويفيض بالمستملحات كان بلسمهم اليومي حتى أصبحت مطلوبا وأساسيا في مجامعهم، كنت لا تبخل نهائيا عن تلبية الطلب مهما صعبت عليك تلبيته، تواصل النهار مع الليل ولا تفارق تلك الابتسامة البريئة محياك، كبرناك سنا وكبرتنا إنسانية، أيتها الروح طوفي علينا وانشري عطر أخلاقك في أرجاء مجامعنا، حولت أعيادنا ومناسباتنا إلى مسرات وأفراح وألهمت صغارنا بعطائك وسخائك، لقد سبقت الرحمات التي تصدح بها جوارحنا قبل أفواهنا.
كانت جنازتك المهيبة التي اخترت أن تكون في مسقط رأسك هناك بدوار أولاد عطية، جنازة تليق بإنسان مثلك، تجمعت فيها كل الشرائح الاجتماعية ملبية دعوتك الأخيرة، من الرباط وسلا والقنيطرة والناضور وسيدي قاسم وسيدي سليمان ومن مختلف الدواوير والمداشر القريبة جاءت وفود المعزين تودعك الوداع الأخير، أودعناك في اللحد وطافت ذكراك على الألسن التي رددت مناقبك وأياديك البيضاء على أصحابها، وكأنك لا زلت تعيش بينا ترفرف روحك الطيبة على الجميع، بكاء وعويل يشق الفضاء ويردد على مسامع الحاضرين اسمك ومناقبك، أنت لم تمت في أذهاننا ولو أننا فارقنا جسدك.
فلله ما أعطى ولله ما أخذ وكل شيء عنده بأجل مسمى، وإنا لله وإنا إليه راجعون، تقبلنا فراقك مكرهين لأنه من فعل الواحد الأحد، وتقبلنا فراقك مرغمين لأننا نؤمن بقدرة الواحد الصمد، نرفع أكف الضراعة لك يا خالقنا أن تجعل له مكانة مع الأنبياء والصالحين والصديقين، للهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار، اللهم انقله من ضيق اللحود ومن مراتع الدود إلى جناتك جنات الخلود. لا إله إلا أنت يا حنان يا منان يا بديع السماوات والأرض تغمد بوسلهام ليمام برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهمّ اجزه عن الإحسان إحساناً، وعن الإساءة عفواً وغفرانا،ً أنت الرحمن أنت الرحيم ارحم عبدك الضعيف الذي طرق بابك.















































