
ان المتتبع لشريط فيديو الواسع الانتشار على صفحات التواصل الاجتماعي ذو دلالات اجتماعية متعددة الابعاء خاصة ما يرتبط بمؤسسة الاسرة المكونة للمجتمع.
اذ اننا نعيش انماط جديدة مستبعدة عن مفهوم الوحدة الوظيفية والمدرسة الاولى التي تسعى لتحقيق التوازن العاطفي والعقلي والحركي ، وبعيدة اكثر عن دلالتها اللغوية المشيرة الى اهل الرجل وعشيرته والدرع الحصين المتميز بالقواسم والروابط المشتركة بين افرادها…
هذا الحدث الطارئ يستوقفنا اكثر على طرح سؤال قديم جديد حول انواع الاسرة وخصائص كل نوع على حدى، والى عهد قريب كنا نحصرها بين الاسرة النووية والاسرة الممتدة، الا انه توجد انواع كثيرة تفرخت عن اقدس عقد اجتماعي وهو الزواج باعتباره ميثاق ترابط وتراص ينشئه الزوج والزوجة على وجه الدوام .
هذه الانماط الاسرية تنوعت بين الاسرة النووية التي تتكون من اب وام واطفال (الاسرة المثالية نسبيا اذا ما قمنا بتغييب الدور البنيوي والوظيفي للاجداد في حياة احفادهم في ) ، والاسرة ذات ولي امر واحد حيث يتولى احد الاباء رعاية ابنائه وتحمل عبئ تابعاته بشكل منفرد ، ثم الاسرة الممتدة الذي يتداخل فيها الاجداد والاباء والاعمام وما تطرحه من اشكالات (بين التكامل في الادوار والاصطدام بين الاجيال) ، الى جانب الاسرة الخالية من الاطفال واسرة الاجداد تربية احفادهم بشكل مباشر بعيدا عن الاباء لاسباب يصعب حصرها ، فالاسرة البديلة التي هي محط هذا النموذج السيئ الذي يستعرضه الفيديو .
فالاسرة البديلة تتكون بعد حدوث طلاق او وفات احد الزوجين ثم يؤسس الطرف الثاني حياته من جديد مع زوجة اخرى ، وهذا النوع يعتريه جملة من النواقص والمشاكل المرتبطة بتحقيق الاندماج والتكيف الاجتماعي، خاصة بعد انجاب ابناء اخرين من نصف جينات مختلف، وبالتالي سرعان ما ينتفض الغيرة والحسد بين افراد الاسرة البديلة باستثناء الواحد المشترك بين الابناء الذي يعيش على وقع الحيرة تارة والحسرة تارة اخرى…
وبالعودة الى شريط الفيديو فان اللافت للانتباه هو اضمحلال السلطة الذكورية امام نزعة التملك للمرأة بنسبها للمطبخ لنفسها ، بحيث ان الزوج عجز عن لبد فاطمة بالهيبة والقوة والتمكين المرتكزة على الرهبة والخوة في قلب زوجته وابنائه، و حتى بقوة العاطفة الرمزية وهو ما تبين من خلال ترجيه من زوجته لاكثر من مرة ولكن لم تسمع له ، هذه السلطة التي كانت مستشرية في شرايين هذا المجتمع بما لها وما عليها من ايجابيات وسلبيات ميزت التركيبة الاجتماعية للاسرة، فتحنيحة الرجل كاف ليعم الهدوء، ويخمد الهرج والمرج، فكبير الاسرة والعائلة لا يناقش كلامه ولا يعترض تصوره، حتى انني سمعت ان الاب كان يزوج ابنته رغما عن انفها لمجرد انه اعطى كلمته التي لا تراجع ولا تناقش ، وبالرغم من هذه الصورة السيئة سادت انذاك شيم الحشمة والاخلاق وكثيرا من الاحترام …
اما المشهد فيعكس تراجع ربان السفينة بل اضعاف دوره الى درجة ما شاهدناه من ذعر وخيبة امل كبيرين، فالاب المذعور لم يجد لنفسه حكما بين زوجته الثانية التي قضت معه اربعة سنوت ، مستحملة اعباء ابنه ذوي الامكانيات الخاصة الذي تخلت عليه امه الاصلية – حسب ما يزعم – وقامت بشؤونه لمدة طويلة وهي موضوعة رهن الحراسة النظرية قبل ان تتولى المحكمة الاسهار بمنطوق الحكم في حقها.
كما شكل تصريح الاب بعد القاء القبض على زوجته استهجان كثير المتتبعين والحقوقيين بدفاعه المستميت عن زوجته ؛ مشيرا الى ان عناد الابن ومراهقته هي ما دقعت السيدة التي كانت تعتني بحاله لسنوات خلت – كما اشرنا سلفا -الى التشنج معه، وبين كل الاحتمالات والتوقعات فان الواقعة تفتح مجال واسع للنقاش والتفاكر حول ملامح اسرة المستقبل وخصائص نمو طفل القرن الواحد والعشرين امام التراجع الملحوظ لاهم مؤسسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية.
وفي ذات السياق ضهرت مؤخرا وبوجه مكشوف ام الطفل حمزة وهي تحاكي المها -المزعوم- والمطالبة بحق ابنها اتجاه زوجة طليقها ؛ مما يضفي نوعا من الضبابية عن القصة واعطائها سيناريوهات جديدة ، قريبة للمكيدة، وفي معرض حديثها اكدت على عدم تقبل طليقها وان فرضنا تطليق زوجته وبطريقة ما اوضحت ان حاجتها للمال يؤهلها للتكفل بابنها، وان كانت الامومة بحد ذاتها لا تستوقفها الظروف للم الشمل ولو على بساط الريح…
امام هذه الاعتبارات ولاعتبارات اخرى فان التحدي هنا لا يقف عن تضامننا مع الطفل اولا ثم الطفل اليتيم ثانيا ثم ثالثا ذو القدرات الخاصة والامكانيات الفريدة في التعامل النفسي والاجتماعي بل التحدي الكبير يسائل دوافع الوضع المقلق والمضطرب لهذه الاسرة ويفتح المجال لتفجير الواقعة من الداخل والبحث عن الاسباب والتداعيات فما هو دافع طلاق الزوجين الاصليين ثم ما سبب زواج الاب هل بدافع عدم قدرته على القيام بحاجات ابنه المتعدد الاحتياجات ام رغبة في تحصينه ام هما معا ام انه يجيب عن السؤال الاول (نتاج الخيانة مثلا) ؟ ما هي الضغوطات و الدوافع السيكولوجية للمرأة السادية ؟ ثم من قام بنصب كاميرة الفيديو هل كان يعلم بان الحدث حدث روتيني وضنك متجدد ام انه استفزاز متعمد ؟ والسؤال المأرق هو ماهي السبل والامكانات التي ينبغي ان تتوفر للاشخاص في وضعية اعاقة حتى يتمكن من الاستقلالية بذاته والتحرر من التبعية حتى يلوذ اليه من يحسن اليه ويسعى لخدمته؟! وحتى يتسنى لن الجواب عن كل هذه الاسئلة فان دور الجاني والضحية يصعب فرزه من خلال كل ما شاهدناه من تصريحات ومشاهد ومتابعات.
وحتى نكون منصفين مع ذواتنا ومنطق واقع الحال فان هذه الحالة ليست بالشاذة والفريدة في مقابل ما نعيشه ونتعايشه من انتهاك اعراض الاصول والذبح والتعذيب والتنكيل في مجتمع يتسم بالقلق والاضطراب وسوء التقدير لمستصغرات الامور هذا الاضطراب والتوجس الذي ينم عن عدم التوازن في جوانبه الحسية الحركية والسيكولوجية والفكرية… مجتمع يضهر محاسن المضهر وعوالمه الداخلية اجرام تائهة و بركان قابل للانفجار في كل لحضة وحين.
سعيد لمسيح / خريج المعهد الملكي لتكوين الأطر، وإطار بقطاع الشباب والرياضة















































