جامعة ابن طفيل كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية القنيطرة.. طلبة ماستر التاريخ المقارن للمجتمعات المسيحية والإسلام نظموا ندوة علمية عن “المجتمع والذهنيات في تاريخ المغرب”

Mohammed El Filali1 يناير 2024آخر تحديث :
جامعة ابن طفيل كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية القنيطرة.. طلبة ماستر التاريخ المقارن للمجتمعات المسيحية والإسلام نظموا ندوة علمية عن “المجتمع والذهنيات في تاريخ المغرب”

تقرير: سعيد عطا – عدسة: المهدي القشيني / أخبار الفجر المغربية

احتضن الرواق الأحمر بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، يوم الخميس 28/12/2023، أمسية ثقافية علمية نظمها طلبة مساتر التاريخ المقارن للمجتمعات الوسيطية المسيحية والإسلام، بتنسيق مع شعبة التاريخ والحضارة، أطرها الأستاذ الفاضل حميد الفاتحي ونشطها كل من الأستاذ عبد العزيز بلفايدة والأستاذ مصطفى نشاط والأستاذ بوجمعة رويان والأستاذ محمد مزيان والأستاذ حميد اجميلي والطالب عبد الرزاق جوهري، هذه الندوة التي وسمت: بـ “المجتمع والذهنيات في تاريخ المغرب: الأصول والامتدادات” حضرها مجموعة من الأساتذة وطلبة ماستر التاريخ بمختلف فروعه وطلبة الدكتوراه، ونستشف من خلال عنوان الندوة أنها ستلامس لا محالة موضوعا هاما له راهنيته بحكم تنوع المقاربات التي ستعالج موضوع الذهنيات الذي يعتبر معركة المؤرخين المغاربة الحالية، فالذهنيات التي أعطاها التاريخ الجديد مساحة معتبرة في بحوثه، وخاض في ميادينها المختلفة، تعتبر لا محالة من المواضيع الهلامية التي يصعب التعامل معها بآليات التاريخ الحدثي، بالرغم من أنها كانت موجودة تتار دائما في النقاشات التاريخية لكنها لم تأخذ حضها من التحليل والتمحيص إلا بعدما أصبح التفكيك والهدم وإعادة البناء من الآليات التي اعتمدها المؤرخ ووظفها في بناء جديد للمادة التاريخية، فأهمية الندوة انطلقت أساسا من الامتدادات التي رافقت الأصول، والتي غطت حقبا زمنية مختلفة بداية من التاريخ القديم مرورا بالتاريخ الوسيط وصولا إلى التاريخ المعاصر، وهذه هي المدد الزمنية التي اعتمدها الأساتذة في مداخلاتهم، نحن نعلم أن تاريخ الذهنيات لا يمكن أن يعالج علميا إلا من خلال الأمد الطويل، وكل معالجة علمية خارج هذا المدد ستكون ناقصة لأن الذهنيات في حد ذاتها لا يمكن أن تتغير بين عشية وضحاها بل هي امتداد يرهن المجتمعات في تاريخ شبه تابت.

انطلاقا مما سبق انبرى السادة الأساتذة الأفاضل ليسردوا على الحاضرين مداخلاتهم، ابتدأت من العصر الوسيط بمداخلة للأستاذ الفاضل مصطفى نشاط أستاذ التاريخ بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بوجدة، هذه المداخلة التي عنونها صاحبها بـ: “تمثلات الحمار؛ نماذج من العصر الوسيط” ولعل القارئ العزيز سيطرح السؤال المنطقي عن ماهية العنوان ولماذا الحمار؟؟ الجواب جاء على لسان الأستاذ نشاط عينه، الحمار هو الحيوان الحقير المنبوذ في مجتمعنا وبالتالي تمثلاتنا له والتي هي عبارة عن تصورات قد نكونها كأفراد أو كمجتمع عن هذا الكائن والتي ترتبط في أذهاننا بصور حقيقية أو متخيلة، هي التي جعلت من الموضوع أساسا ذا أهمية لأنه يمس ذهنيات المغاربة بالدرجة الأولى، ففي المصادر الوسيطية حسب الأستاذ نشاط توجد تصورات للحمار في مختلف الأنشطة الإنسانية، وهناك خدمات كثيرة أسداها الحمار ولا زال يقدمها، لكن المفارقة هو أن هذا الكائن الذي أسدى أكبر الخدمات للإنسان المغربي وفي مختلف المجالات لا زال في نفس الآن هو الحيوان المحتقر، قد يرجع ذلك إلى شكل أذنيه الطويلتان وصوته المزعج، ففي الشق الديني حسب الأستاذ المحاضر ورد الحمار في ست آيات قرآنية لا يوجد بها تحقير ولا ازدراء، والآية التي تقول: “إن أنكر الأصوات لصوت الحمير” لا تعني الحمار بقدر ما تعني الإنسان الذي يتحدث بصوت عال، فالمقصد من الآية الكريمة هو عدم رفع الأصوات، ما ضير الحمار إذن من هذا كله إذا كانت أذناه طويلتان وصوته مزعج؟ يتساءل الأستاذ نشاط، الحقيقة أن الآية موجهة بالخصوص للإنسان الذي يرفع صوته في حضرة الآخرين، لكن تكرست هذه المفاهيم لدرجة أن صورة نمطية تركزت في أذهاننا عن الحمار وأصبحت جزءا من مخيالنا الشعبي المتداول، ولعل البيهقي يكرس هذا المفهوم حينما يقول: “من اسْتُغْضِبَ فلم يَغْضَبْ فهو حمار“، يضيف الأستاذ أن مجال الأمثال هو الذي يعطينا صورة حقيقية عن مكانة الحمار في المخيلة المغربية، واعتبر الأستاذ نشاط كتاب العوام بالأندلس للقرطبي من الكتب التي تحمل أمثلة عن الحمار من بينها مثال: “مدبور بحال لحمار” وجاءت بعض الأمثلة عن المكانة الدونية للحمار في رباعية عبد الرحمن المجدوب، وفي مضان أخرى مثل: “آش عرف لحمير فسكين اجبير“.

في الجانب السياسي وُظِّفَ الحمار في العصر الوسيط أيضا لضرب الخوارج ويعني الأستاذ الخارجين عن السلطة، ونُعِتَتِ الجماعات الخارجة عن السلطة بالحمار للاستنقاص من شأنها، أما في الميدان الاجتماعي فالعامة هي من كانت تمتلك الحمير، ويؤكد ذلك الوزان في سفره وصف إفريقيا حينما يقول: “هؤلاء لا يركبون إلا الحمير، ولذلك كان جيرانهم يستنقصون منهم“، كما كان المجرم يوضع على ظهر الحمار في وضعية معاكسة ويطوفون به في المدن.

في كتب المناقب نجد مواقف مختلفة، الحمار كان يتلقى معاملة مشفوعة بالرحمة والرأفة، لأن خطاب الصوفية كان يرتكز على الرحمة والرأفة حتى فيما يخص الحيوانات، وكان المتصوفة يعملون على تخليص الحمار من خطر الأسد كما فعل أبو يعزة الوالي الذي له كرامات خاصة.

خلاصة القول يضيف الأستاذ نشاط، أن هذا الحيوان المسكين بالرغم من إسدائه خدمات للإنسان إلا أنه بقي محتقرا مهانا، ولقد لاحظ الأستاذ أن الحمار حاضر بقوة في الآداب الإنسانية عموما وهو يحمل في كل مرة رسالة فلسفية أو اجتماعية أو سياسية.

وفي مداخلته اختار الأستاذ حميد اجميلي الحديث في موضوع طقوس الموت؛ الوفيات والموت مقاربة أنثروبولوجية، والحقيقة أن الأستاذ اجميلي أحسن الاختيار لأن الموت من الطقوس التي تفرض على الإنسان سلوكات معينة قد نجد لها امتدادات عبر مسارات تاريخية طويلة، واعتمد الأستاذ على تفكيك مفاهيم الموت وطقوسه من خلال الخوض في مقالات جمعها كتاب: “الوفيات والموت: مقاربة تاريخية وأنثروبولوجية” هذا الكتاب الذي غاص في أعماق عالم الموت وحمل للقارئ رؤى وتمثلات المجتمع المغربي لظاهرة الموت، مغطيا مساراتها عبر حقب زمنية مختلفة وبالخصوص القديم والوسيط، واسمرار هذه التمثلات إلى عصرنا الراهن عبر امتدادات تجلت في ذلك الخطاب الذي أراد الكتاب أن يوصله لقرائه، فالكتاب حسب الأستاذ اجميلي يفصح لنا عن أسباب الموت عبر الزمن الطويل والتي لم تتغير وكأنها ظاهرة عابرة للزمن، فالتعذيب والتنكيل في بعض الأحيان والذي يكون سببا مؤديا إلى الموت لا زال إلى حد اليوم متواجدا ولا زال يحصد أرواحا كثيرة، وكأني بالأستاذ الفاضل يفصح عن هم يحمله بين ثنايا ضلوعه، كما لم يفت الأستاذ المحاضر التذكير بالعادات والتقاليد والسلوكات التي ترافق الموت سيما عند النساء، وذكر الأستاذ أيضا ببعض الممارسات الغريبة التي اقترنت بالموت عند بعض المجتمعات والتي تجلت في: “طقوس الموت وطقوس الدفن وطقوس ما بعد الدفن” والحقيقة أن هذه الطقوس وحدها كفيلة بأن تفصح عن الذهنيات السائدة في المجتمع إبان حقبة زمنية معينة، هذه الطقوس وحسب الأستاذ اجميلي لا بد وأن تتكيف مع الأعراف والعادات وبالخصوص مع العقيدة، مما يجعلها طقوسا يحاول المجتمع أن يكيفها مع المستجد في العقيدة دون أن تفقد جدورها الممتدة عبر الزمن.

يأتي الدور على الأستاذ عبد العزيز بلفايدة وهنا لا بد من التركيز الكبير لأن الرحلة ستكون إلى عمق التاريخ القديم لتصل بك إلى التاريخ المعاصر، رحلة تعتصر معها الأفكار، اختار الأستاذ بلفايدة لمداخلته عنوان: “الماء والمقدس في تاريخ شمال إفريقيا” فالماء كانت له قدسية كبيرة عند سكان المجتمعات القديمة نظرا لماورائيته، فللماء خاصيات كثيرة طبية اجتماعية، وهذا نابع بالأساس من ذهنية الإنسان القديم الذي كان يقدس كل ما كان يظهر أمامه من ينابيع وحامات وأنهار وبحار.

فاليونانيون قدسوا المياه الباردة والساخنة لدرجة أنهم نسبوها لإله أسطوري: “بوسايدون” والذي لقبه الرومان بنبتون مع نفس القدسية، وبالتالي فالمجتمعات اليونانية الرومانية أعطت قدسية كبيرة للمياه حينما جعلت لها آلهة، كما أضافوا إلى هذين الإلاهين الحوريات التي هي كائنات أسطورية مقدسة، ليصبح الماء عند هذين المجتمعين شديد القدسية، طرح الأستاذ المحاضر سؤالا مفاده: “هل حافظ المغاربة على خصوصياتهم أم تأثروا بالرومان والإغريق؟ هناك علاقة من أخذ وعطاء وتلاقح ما بين الحضارات، كان هناك الجن أيضا في علاقة الإنسان بالماء هذا الجن الذي كانت له وظيفة حماية الإنسان، وهذه الكائنات الأسطورية سيطرت على علاقة الإنسان بالماء، نجدها مجسة في عدد من النقائش التي عثر عليها في أكثر من موقع أثري.

كان الأستاذ بلفايدة يطرح مجموعة من الأسئلة حول علاقة الماء بالإنسان في شمال إفريقيا وقدسية هذه العلاقة، وامتداداتها التي تجسدت في آلهة وحوريات وجن، ورسمت العلاقات الوظيفية لهذه الكائنات الأسطورية مع الماء في منظور الإنسان المغاربي، هذا المنظور الذي هندس المخيال الشعبي لهذه المجتمعات انطلاقا من الأسطورة والخرافة وجعل هذه العلاقات تبنى أساسا على هذا المخيال، فالإله نيبتون يحمل القوس الثلاثي وهو إله لجميع المياه البحر والداخل والمياه العذبة والحارة وله خاصية الشفاء، والجن يحمي الإنسان في جميع أماكن تواجد المياه، والحوريات حارسات لقدسية الإله التي لا تنفصل عن قدسية المياه.

خاصية الشفاء التي يتميز بها إله المياه ممتدة في الزمان والمكان، فشعار التعبان الذي تحمله الصيدليات هو إله إغريقي أسكليبيوس له خاصية التطبيب والشفاء، وهو يتقاطع مع الإله نيبتون في خاصية الشفاء، كما أننا نجد اليوم أسماء كثيرة ومتنوعة ومتفرقة لأعين مائية لها علاقة بالإله الشافي.

يتساءل الأستاذ بلفايدة: “هل يمكن تغييب إله الماء عند الفينيقيين وقد كانوا شعبا بحريا بامتياز؟ فعبادة بوسيدون أصيلة في ليبيا والإغريق أخدوه منها، وبالتالي فإن سكان شمال إفريقيا عرفوا إله البحر قبل أن يعرفه الرومان.

تعددت المعبودات المائية فالإضافة إلى الحامات هنالك الجن وهنالك الآبار وهنالك المستنقعات، كما أن الماء قُدِّسَ في فترتنا الحالية بطرق متعددة، ففي عاشوراء كان الماء يجلب من البئر وترش به جميع جنبات البيوت، كما أن الأنهار كانت مقدسة عند القدامى كنهر النيل بمصر القديمة والغانج بالهند، والتي كانت النساء تسبح في مياهها أو تغتسل بغية طلب الخصوبة وإطالة الشعر والزواج، في المغرب وعلى امتداد قرون احتفل المغاربة بتاغونجا واحتفال العنصرة وكلها طقوس مرتبطة بالماء.

أثر الماء في ذهنية المجتمعات منذ القدم فالإله أوقيانوس إله المحيط يتخوف منه الناس، لأن البحر كان دائما مرتبط في مخيلة الإنسان بالمجهول وبالخطر، فالماء حمق وتحول لأن رؤية الحورية وهي تستحم يجلب العقاب على من اختلس النظر بالحمق والعمى، وارتبط الماء بالعديد من الأساطير في الأدبيات العالمية كأسطورة نرجس، امتدت هذه الأساطير إلى عصرنا الحالي مع تغيير بعض مفاهيمها وتكييفها مع المتداول، فعادة رش المياه على القبور هي عادة ما قبل إسلامية لا زالت مستمرة مع تغير الخطابات المرافقة لها فقط.

كانت المداخلة الرابعة مختلفة شكلا ومضمونا عن المداخلات السابقة، حيث اعتمد الأستاذ محمد مزيان على مجموعة من الوثائق الخطية للحديث عن موضوعه الذي وســمه بـ: “التمثيل الديبلوماسي الأمريكي بمغرب القرن التاسع عشر وتأثيره على المجتمع المغربي“، فمن خلال العنوان يمكن أن نستشف الطريقة التي حاول بها الأستاذ المحاضر تقفي أثر التغيرات الاجتماعية الناتجة عن موجة الحداثة التي وصلت إلى المغرب بواسطة الغربيين عموما والأمريكيين خصوصا، فالديبلوماسيون الأمريكيون كانوا حديثي العهد بالديبلوماسية مقارنة مع جهابذتها الأوربيين، والمغرب الذي كان بين مطرقة التقهقر وسندان الضغط الأوربي خلال القرن التاسع عشر، كان ميدانا ترتع فيه كل التجارب الأوربية من أجل السيطرة والتحكم، وكان الديبلوماسيون الأمريكيون يعملون من خلال عدة قنوات بغرض التعرف على العقلية المغربية ومسايرتها، تميز العمل الديبلوماسي الأمريكي في بدايته بتصرفات شخصية لبعض المسؤولين الأمريكيين، وتوضح حسب الأستاذ المحاضر بعض الوثائق اللغة الكثيفة التي استعملها الخطاب الديبلوماسي الأمريكي بالرغم من وضوحه الشيء الذي جعله قابل للتأويلات كثيرة.

تأتي معاهدة 1786 لتضع الأسس القانونية والتعاقدية لبداية التمثيل الديبلوماسي الأمريكي بالمغرب، هذه المعاهدة التي سميت بمعاهدة السلم والصداقة، إلا أن بنودها كرست لظاهرة المحميين، وهي بداية تدخل الأمريكيين في الشأن المغربي سيما فيما يتعلق بالشق القانوني.

في سنة 1830 تم تجديد اتفاقية 1786 وأضيف لها مبدأ الدولة ذات الأفضلية، هذا البند الذي أطلق يد الأمريكيين في المغرب وأسسوا لمجموعة من الممارسات التي كانت محرمة بحكم الأعراف والتقاليد والشريعة الإسلامية، حيث أصبحت الخمور تباع في الحانات وأسست دار للقمار والميسر كما أن الخنزير عاث في قبور المسلمين وفي أماكن أخرى، وبعبارة أوضح أصبحت هذه السلوكات مقننة ومحمية من طرف الأمريكيين بحكم عقيدتهم وبدأ تمارس من طرف بعض المغاربة وخاصة المحميين منهم، فصراع الحداثة والأصالة وجد ترسانة قانونية تأصل لسلوكات غريبة عن المجتمع المغربي أي تعمل على توجيه الذهنيات المغربية إلى التعاطي مع هذه السلوكات، وهذه بالنسبة لي هي أهم زاوية يمكن تسليط الضوء عليها في مداخلة الأستاذ محمد مزيان.

كانت مداخلة الأستاذ بوجمعة رويان من المداخلات التي أدخلتنا إلى سياق جديد، بين العلاقة ما بين الطب كمهنة والطب كجزء من الإيديولوجية الإمبريالي التي استعملها الغرب كسلاح من بسط نفوذه على سائر التراب المغربي، وجاءت مداخلة الأستاذ رويان والتي عنونها بـ “الطبيب رونو يكتب عن الطاعون بالمغرب” كاستمرارية في الحديث عن تطور الذهنية المغربية عبر العصور وما مدى تأثرها بالفكر العلمي الجديد الذي جاء مع المستعمر، وهل حصل تغير في التعامل مع الطواعين أم بقي الأمر كما كان سالفا، فالمداخلة التي اعتبرها الأستاذ رويان بأنها تندرج ضمن تاريخ الكوارث أو التاريخ الكارثي، بدأها بمحاولة إزالة اللبس حول بعض المفاهيم والتي تختلط في أذهان عدد كبير منا فهناك فرق ما بين الوباء والطاعون، فعوارض الطاعون بينة تتمثل في خروج دماميل في أماكن معينة من الجسم البشري، وعليه سمي عند المغاربة بالولسيس أو بوكبار،

انتقل الأستاذ رويان ليوضح أن الطاعون ذكر في عدة مضان وسيطية، لكن هذه الأخيرة لم تذكر الأسباب الحقيقية لحدوته، حيث أرجعوه لما هو غيبي كعقاب السماء والقضاء والقدر، كما كان الخوف أحد أسباب التلافي في الخوض فيه فكل شيء في ثقافتنا مرتبط بالكلمة لدرجة أن الشر قد يحدث بعد ذكره باللسان.

انتقل الأستاذ المحاضر للحديث عن الطبيب رونو حيث أعطى نبذة عن سيرته الذاتية والعلمية هاته الأخيرة التي دفعت الأستاذ المحاضر لذكر بعض ما كتبه رونو ضمن مساره المهني الذي فتح له أبواب القصر كطبيب للمولى إسماعيل، احتك الطبيب رونو بالمجتمع المغربي كثيرا الشيء الذي مكنه من إتقان اللغة العربية، كل هذا سمح للطبيب رونو بالكتابة عن الطواعين وأسباب حدوتها وانتشارها والمصادر التي تأتي منها ولعل الفكرة التي أراد أن يوصلها من خلال كتاباته هي أن مصدر هذه الطواعين هو داخلي أي أن هذه الطواعين لا تأتي عن طريق حمل الفايروس من الخارج، ولعل هذه الفكرة نابعة من حرص تبرئة المستعمر ومؤسساته من كل ضرر يتعرض له المغاربة فالاستعمار ماء إلا بالخير للمغاربة، لكن الأستاذ رويان يدحض هذه الفكرة معتمدا على مجموعة من الوثائق التي تصف رحلة الحجاج إلى الديار المقدسة عبر قوارب تشبه قوارب حمل العبيد إلى أمريكا أي يعيشون في تكدس يفوق القدرة الاستيعابية لهذه السفن بأعداد مضاعفة الشيء الذي يرفع من منسوب العدوى لديهم. كما تغافل الطبيب رونو عن بعض المسببات الرئيسة لانتشار الطاعون والتي تتمثل في الجردان التي كان على المستعمر محاربتها لكنه أهملها وهي ناقلة للطاعون.

لقد كتب الطبيب رونو عن الطواعين التي تعاقبت عن المغاربة وهي كتابات وجب العودة لها، كما أن تقارير الديبلوماسيين تحمل هي أيضا تقارير هامة عن الطواعين بالمغرب وتصف تعامل المغاربة معها، فكل هذه الوثائق تعتبر خزانا هاما لدراسة الذهنية المغربية السائدة آنذاك تفتح لنا مجلات في الخوض في تاريخ الذهنيات بالمغرب.

ختمت الفعالية بمداخلة للطالب عبد الرزاق جوهري، حيت تطرق لفئة من المجتمع المغربي عرفت وتعرف إهمالا وتهميشا من طرف باقي أعضائه بالرغم من الترسانة القانونية التي من المفروض حمايتها، فالطالب عبد الرزاق تطرق لفئة ذوي الأعذار وهي التسمية التي أطلقت على المعاقين والذين صنفوا ضمن ثلاث خانات الإعاقة الحركية (الشلل بأنواع) والإعاقة الحسية (العمى الصمم البكم) والإعاقة الذهنية، وكل الإعاقات تجد في المجتمع المغربي تباينا في طريقة إدماجها، هذا كله مدد الإكراهات الجسدية والمادية والنفسية لدى المعاقين لتستمر عبر العصور إلى يومنا هذا، وإذا كنا قد طورنا القوانين الناظمة للشأن المعاقين فإننا يقول جوهري لا نزال نعاملهم بنفس معاملات العصر الوسيط، أي امتداد التمثلات والأحكام في مخيلتنا الجماعية لا زال ممتدا ولا زلنا نردد نفس الأمثلة والأقوال التي ورثناها عن الذهنية المغربية في العصور الوسيطية.

بعد المداخلة السادسة والأخيرة ألقيت كلمة شكر خص بها طلبة ماستر التاريخ المقارن للمجتمعات المسيحية والإسلام أساتذتهم الذين أطروا تكوينهم في سلك الماستر ألقاها الطالب رشيد البوكوري بصفته منسقا، أعقب الكلمة تقديم هدايا تذكارية للأساتذة، وختمت الفعالية بحفل شاي احتضنه مقصف الأساتذة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!