بقلم سعيد عطا – عدسة المهدي القشيني
تتزاحم الأفكار والرؤى في مخيلتي، وتعجز أناملي على الرقن، لوحة المفاتيح أمامي تدعوني للبدء في الكتابة، بدء في تدوين حدث تاريخي بامتياز، تجاوزتني الأحداث بعظمتها، زخم من الشهادات تسيل كسيل التاريخ بوقائعه واحداثه، تعيد بناء الماضي بحكبة علمية نادرة، تتخللها مسحة أدبية راقية، التاريخ يحكي عن وقائعه عن شخصياته التي طبعت الزمن المغربي الراهن، التاريخ يقف وقفة إجلال وإكبار ليخلد اللحظة الجليلة، وما أنا وسط هذا كله إلا طالب يريد التأريخ للحدث، تجاوزتني اللحظة بعظمتها، وأصبحت أطلب الملاذ في دفء كلمات أنتقيها بحدر الخائف المتوجس الذي يخشى السقوط، غطيت أكثر من واقعة علمية ، ولم أجد يوما مطبات وصعوبات كالتي وجدتها اليوم، التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع وجميع العلوم المساعدة الأخرى، رسمت لي تضاريس وعرة التجاوز، أخدتني السفينة هذه المرة إلى الأندلس وعادت بي إلى المغرب، وبين العدوتين انبرت دراسات في التاريخ الاجتماعي، وتاريخ المهمشين وجددت لتاريخ الذهنيات، في قوالب أخرجت التاريخ من السرد الحدثي الممل، وأخدت بيده ليصبح تاريخا يصنعه الإنسان البسيط قبل الحاكم والمسؤول، كان اليوم ربيعيا بشمسه الدافئة، وبنسيمه العليل يحتفي معنا عازفا سنفونيته المعتادة، بزقازيق العصافير وحفحفة أشجار البلوط، من وسط غابة المعمورة.

تزينت بناية الندوات بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، بيافطات ولوحات إشهارية تعلن عن يوم الحدث والشخصيات العلمية المشاركة فيه، خلية الطلبة نشطة تتحرك في ممرات الكلية، تستعد بكل جدية لتطبع الحفل بطابع الرضى والقبول، يتجلى من خلال الابتسامة التي تعلو الوجوه الشابة، وأساتذة اعتمروا أجمل الملابس لاستقبال عريس الحفل، دقت الساعة العاشرة من يوم الإثنين 19 من شهر ماي 2022م، انتهت الاستعدادات وبدأنا نرى طلائع الوفود والزوار والضيوف من مختلف المدن المغربية، ودقت ساعة اللقاء، ليظهر الضيف الكبير الأستاذ الفاضل إبراهيم القادري بوتشيش، تعلو الابتسامة محياه، يعانق هذا وذاك، سار الموكب ليمر عبر ممر شرفي فرش بالبساط الأحمر، استقبله الطلبة بالورود، كانت لحظة مؤثرة امتزج فيها الشعور الإنساني النبيل، بخصلة الاعتراف بالجميل للرواد والأساتذة الآباء من طرف جيل الشباب الجامعي الحالي، الوفد كان يتكون من أساتذة أجلاء من العيار العلمي الثقيل.

دلفنا قاعة الندوات التي عجت بالحاضرين، موجة من التصفيقات النابعة من القلب، وانطلق الحفل وقد قص شريط الافتتاح السيد جمال الكركوري عميد كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، بكلمة شكر فيها الأستاذ بوتشيش الذي تجسم عناء السفر من أجل تشريف كليتنا بالحضور، وبعد ذكر بعض مناقبه، أثنى على اللجنة المنظمة التي جعلت من الحفل لحظة تاريخية بامتياز جمعت فيها بين ما هو علمي وما هو إنساني، كما شكر الحاضرين الذين جاءوا من مختلف مناطق المغرب.

وفي كلمته حرص السيد مدير مركز الدكتوراه عبد العزيز بل فايدة على تضويح المغزى من التكريم، الذي اعتبره عادة سارت عليها المؤسسة، كاحتفاء بالشخصيات العلمية أولا، وكمناسبة تجمع مابين الأستاذ وطلبته وزملائه من أجل التذكر، وبسط مساحات من الاعتراف بجميل المحتفى به لا من حيث عطاءاته العلمية التي اعتبرها الأستاذ الفاضل بل فايدة كفيض لا ينقطع، ولا من حيث سلوكه الإنساني الرفيع الذي يشهد له به الجميع.

وعاد بنا الأستاذ الفاضل حميد الفاتحي رئيس شعبة التاريخ بالكلية، إلى شريط الذكريات التي تجمعه بالأستاذ المكرم بوتشيش وهو طالب فاختصر وأجاز بأن اللحظة هي لحظة علمية بامتياز ولحظة إنسانية عالية المكانة لأنها بكل اختصار لحظة الاحتفاء بأستاذ بصم على حياته العلمية بصمة ستبقى مستمرة مادامت الحياة مستمرة.

أما الأستاذ الفاضل سعيد البوزيدي مدير مختبر التاريخ والحضارة، فرأى أن اللحظة هي لحظة تتويج للروابط ما بين الأساتذة وطلبتهم، واعتبر الحدث على أنه حدث علمي بامتياز، وأضاف أن الشعبة اليوم يحق لها أن تفتخر بالأستاذ حميد اجميلي المنظم للتظاهرة، لأنه أستاذ نهل من علم الأستاذ الفاضل بوتشيش.

وفي كلمة الأستاذ حميد اجميلي المنسق العام لفعاليات التظاهرة، كانت لحظة التأثر كبيرة، أذرف خلالها عبراته ولم يستطع التحكم في عواطفه الجياشة اتجاه أستاذه، شكر وأثنى على مناقب الأستاذ، وأخلاقه الرفيعة، وتذكر احتضانه له أيام حَيْرَتِهِ العلمية وهو يبحث عن أستاذ يؤطره خلال بحثه، اعتبر الأستاذ اجميلي اللحظة ساعة اعتراف لأصحاب الفضل بفضلهم، فهي لحظة فريدة من نوعها، لأنها تعيد لحظة تقدير لهذا الأستاذ الذي اعتبره صاحب فضل كبير عليه، فهو أستاذ حسب تعبيره معروف بصرامته العلمية وبسعة قلبه، ثم أعطى إحصائيات حول رحلاته العلمية.
كما شكر الأستاذ اجميلي الأستاذ الفاضل محمد لغرايب الذي قدم له العون الكبير أثناء التحاقه بجامعة ابن طفيل، كما شكر الأستاذ الفاضل سعيد البوزيدي والأستاذ الفاضل بل فايدة، وكل أستاذات وأساتذة شعبة التاريخ والحضارة بجامعة ابن طفيل، على احتضانهم له وهو يخطو خطواته العلمية الأولى في مساره المهني بالتعليم الجامعي، كما شكر الأستاذ اجميلي كل الضيوف والحاضرين والطلبة الذي ساهوا في إعطاء مسحة علمية إنسانية للحفل، وأنهى كلمته بعبارة: “الأستاذ بوتشيش كرمني قبل أن أكرمه”.

أخذ الكلمة الأستاذ بوتشيش الذي أثنى على الحاضرين مسؤولين وأساتذة وطلبة وهنأ الجامعة على تبوئها الصفوف الأمامية على مستوى التصنيف ضمن السلم الأكاديمي، واعتبر المناسبة ثمرة للغرس الطيب الذي غرسه الأوائل وبدا يؤتي ثماره الطيبة اليوم، وأكد على أن الحضور من الطلبة هو مشتل المستقبل، وختم كلمته بأنه لا يجد ما يقدمه للحاضرين سوى الحب والعرفان.

بعد هذه الكلمات عرض شريط يروي السيرة الذاتية للأستاذ المحتفى به، هذه السيرة التي جمعت بين المكتوب والمصور، وهي عبارة عن ذكريات في مختلف المراحل العمرية للأستاذ بوتشيش، سُرِد عبرها جزء من مؤلفاته ومقالاته في المجلات المحكمة، وما قالته في حقه الصحافة وبعض التذكارات والأوسمة التي حاز عليها.
وفُسِحَ المجال للسادة الحاضرين لقولوا كلماتهم في حق الأستاذ المحتفى به، وكانت كلمة الأستاذ الفاضل عبد العزيز الطاهري بداية لهذه الشهادات في حق الأستاذ بوتشيش حيث استهلها بتقديم اعتذار الأستاذة لطيفة الگندوز رئيسة الجمعية المغربية للبحث التاريخي، التي تعدر عليها الحضور لظروف صحية طارئة وبلغ الأستاذ المكرم تحياتها، شكر الأستاذ الطاهري الذي يشغل منصب رئيس شعبة التاريخ والحضارة بجامعة محمد الخامس بالرباط، أستاذه بوتشيش الذي درس على يديه بمدينة مكناس، وبين من خلال كلمته سلاسة دروس أستاذه التي حملت مفهوما جديدا للتاريخ وأخرجته من السرد الممل إلى الدرس العلمي المؤطر بمنهجية واضحة.

وتذكر الأستاذ الطاهري أستاذه وهو يتحدث عن تاريخ المهمشين سيما وأن المنطقة التي جاء منها الأستاذ المتحدث تعتبر منطقة مهمشة، تفاعل الأستاذ الطاهري مع دروس أستاذه وشدت اهتمامه لأنها جعلت من التاريخ يقتحم مجالات جميع الفئات الاجتماعية، وتقدم بالشكر الجزيل لأستاذه على ما قدمه للتاريخ المغربي من خدمات.

وفي كلمته أفصح الأستاذ الفاضل محمد بنعبود عما شعر به من تضامن وجدية في فعاليات التظاهرة، وأعطى شهادته في حق المحتفى به والتي لخصها في إصراره الكبير على نيل شهادة الدكتوراه رغم الصعوبات التي اعترضت سبيله في وقت كان التخصص في تاريخ الأندلس صعبا لأن الأستاذة لم يكونوا يعرفون الشيء الكثير عن العدوة الشمالية إبان العصر الوسيط.

أما الأستاذ الفاضل محمد بنشريفة، فكانت شهادته منصبة على علاقته العلمية بالأستاذ المكرم، حيث يتذكره وهو يكلفه بإنجاز قراءات نقدية علمية لمؤلفاته، أعجب الأستاذ بنشريفة بالفكرة سيما أنه مبتدأ في البحث التاريخي، فأكبر للأستاذ بوتشيش اختياره له فهو المبتدأ وسيخوض في نقد مؤلفات الأستاذ، بينما كان اسم الأستاذ المكرم لامعا في مجال البحث التاريخي، وقد أكد الأستاذ بنشريفة على نقطة هامة، هو حضور الأستاذ بوتشيش في الكتابات الأجنبية التي غالبا ما استشهدت بمنتوجه العلمي وبالخصوص حينما يتعلق الأمر بتاريخ الأنلدس، ونوه الأستاذ بنشريفة بالتغيير الكبير الذي طرأ على فضاء جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وختم كلمته بأن تكريم الأستاذ بوتشيش هو تكريم مستحق لشخصية علمية مناضلة في مجال التاريخ المغربي.
وختم مهرجان الكلمات بقصيدة شعرية من الشعر الحر، ألقاها مؤلفها الأستاذ محمد علي سليطن، وسمها: “نبي التاريخ” ذكر فيها مناقب الأستاذ المكرم.


وختم الحفل بتقديم تذكارات وهدايا رمزية عبارة عن بورتريهات لكل من الأستاذ إبراهيم القادري بوتشيش، والأستاذ الفاضل محمد لغرايب إضافة إلى بعض اللوحات، وللتذكير فإن هذه البورتريهات تكفل بها طلبة التاريخ بالجامعة عرفانا لهم أولا بجميل الأستاذ المكرم، وثانيا بالأستاذ الفاضل محمد لغرايب الذي يعتبر الأب الروحي لشعبة التاريخ والحضارة بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، كما تم إنجاز بورتري آخر للأستاذ التونسي علي صالح مولى الذي أسهم في إغناء الخزانة العربية بكتاب عن فكر الأستاذ بوتشيش، وسمه: “دراسات في تجربة الأستاذ إبراهيم القادري بوتشيش من التاريخ المنسي إلى التاريخ العادل“، كما طبع الحفل أيضا بالنصيحة التي قدمها الأستاذ المحتفى به، والتي حث من خلالها مسؤولي الجامعة على تدوين وقائع الحفل في كتاب، حيث اعتبر نجاح التظاهرة مرتبط أساسا بتخليدها في دفات كتاب، ولقد وعد السيد عميد الكلية بإنجاز هذا العمل.

وعلى هامش الحفل نظم معرض في بهو قاعة الندوات لبعض الكتب التي تهتم بفكر ونشاط الأستاذ بوتشيش العملي، كانت هذه التظاهرة بعضا من برنامج حافل سطر ضمن أنشطة يوم دراسي حافل بالمعطى العلمي: “التاريخ والسيميولوجيا وتجديد البحث التاريخي في حوض البحر الأبيض المتوسط؛ رؤى متقاطعة“، افتتح جلساته العلمية المسائية الأستاذ بوتشيش بمداخلة قيمة، وشارك في الجلسة العلمية الثانية ثلة من الأساتذة الأجلاء.
انتهى اليوم الدراسي، وبصمت فعالياته على وقائع علمية ستبقى راسخة في أذهان الحاضرين، الذين تمنوا بعد أخذ ارتسامات بعضهم وجس نبض البعض الآخر منهم، أن تكرر مثل هذه الجلسات العلمية التي اعتبرها البعض عبارة عن مدرسة تتقاطع فيها الرؤى العلمية، إغناء للمدارك العلمية للطلبة أولا، وإضافة نوعية للقاموس المعرفي الجامعي في المغرب.























































