حين تتحول الإشاعة إلى سلعة رائجة!

Mohammed El Filali5 يوليو 2020آخر تحديث :
حين تتحول الإشاعة إلى سلعة رائجة!

تعتبر الإشاعة والترويج لها من أقدم الأمراض الاجتماعية وأكثرها استفحالا، وتجد الإشاعة مرتعها الخصب في البيئة
التي يغلب عليها الجهل، والقصور الفكري – أو كما أحب تسميتها بالبطالة الفكرية.

وتكاد تجمع الدراسات السوسيولوجية التي تهتم بتحولات المجتمعات وكذا نوع الثقافة التي تسودها أن هذا العصر من أكثر العصور صناعة للإشاعة وترويجا لها، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة من وسائل الاسترزاق والاستغناء.
فيكفي مثلا صاحب قناة على “اليوتيوب” Youtube إذا رغب في اشتراك آلاف وتتبع الملايين لمحتواه – وإن كان ساقطا لا قيمة له في ميزان الأعمال المتميزة- أن يكون ممن يحسن تسويق الإشاعة وعرضها، لا سيما إن كانت ذات الطابع الإيحاء الجنسي أو موسومة بطابع فضائحي.

فقد لوحظ في الآونة الأخيرة انتشار الإشاعات وسرعة تداولها بين أفراد المجتمع، وخاصة داخل العالم الأزرق…
وقد سقط في أيدي الكثيرين ممن يحسبون على أهل الفكر والحكمة والتبصر، فتراهم يخوضون فيما يخوض فيه الدهماء من الناس ولا يتذكرون بأن هذا الأسلوب مخالف لمسلمات المنطق السليم، ويعاقب عليه قانونا وجنائيا، وقبل هذا وذاك مخالف لتعاليم القرآن السمحة.

فيكفينا مثلا أن نتوقف قليلا مع الآيات 22-23-24 من سورة النمل لنعثر على أسلوب راقي ومنهج متفرد للتعامل مع الإشاعة ومنهج دحضها وتطويقها.. وذلك في قصة الهدهد الذي جاء سليمان عليه السلام بخبر يقين، وليس إشاعة ملفقة مشيطنة مغرضة، كما هو دأب الإشاعة عبر امتداد الزمان وذلك لما قال :

(…أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ إنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) النمل.

فهذه دعوى ذات فحوى خطير، ويترتب عليها من القرارات ما من شأنه أن يهلك الحرث والنسل، لذا فالموقف يقتضي التثبت ومعرفة عين الحق وإصابة كبد الحقيقة كما يقال. فكان موقف سليمان عليه السلام، أن (.. سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ )النمل/24.

وإن كان من تأديب معجل ومن عقوبة مضمرة، قبل تبين حقيقة الأمر فهي أن يكلف حامل الخبر وهو “الهدهد” هنا بمسؤولية جسيمة تمثلت في تقديم الحجة والبرهان وإلا عقوبة مغلظة في انتظاره!.

فمروج الإشاعة أو حامل الخبر هو الملزم -لا غيره- يتقديم الحجج والبراهين على صدق دعواه لاسيما إن كان يترتب عليها تهديد أمن بلد أو تحذيره من خطر داهم، أما إن كانت ذات الطابع الشخصي فلا يجوز نقلها وترويجها البتة، وهذا النوع من الإشاعة هو الأشد استفحالا وانتشارا في مجتمعاتنا.

هذا الأسلوب من أعظم الأساليب وأنجحها في التعامل مع الإشاعة وتطويقها وتقليلها… وهو أسلوب طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصرامة وبحزم. فمرة قذف واحد يدعى “هلال بن أمية” زوجته ب”شريك بن سحماء” وكان القاذف ( وهو الزوج ها هنا) مشتهرا بالصدق والأمانة- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “البينة أو حد في ظهرك”.

هذا المنهج العظيم المتكامل تستفاد منه أمور لعلها أهمها :
1- أن المرجفين الذين يتغذون على أعراض الناس سيفكرون ألف مرة قبل أن يقدموا على ترويج إشاعةمن الإشاعة، لعلهم يعرفون ما ينتظرون من القصاص والتعزير.

2- أن ثقافة التستر على الناس وصيانة عوراتهم والتجاوز على من أخطأ وزلت قدمه منهم ستصبح ثقافة وأسلوبا مجتمعيا ومظهرا من مظاهر التحظر وحسن الاجتماع.

3- ومن ثمرات ذلك أن تصان أعراض وكرامات وتحفظ الأسر من التفكك والتشرذم والخراب، والقدرة على التصويب والتصحيح متى سقط من سقط.

ولكن حين يصبح الإعلام هو وسيلة الثقافة والتثاقف الوحيدة، فآنئذ تجد الإشاعة بيئتها الحاضنة ومرتعها الخصب، وسلعة رائجة ووسيلة من وسائل الاسترزاق، وحيلة من حيل الاغتناء!

ناهد المسعود

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!